البجعة السوداء

بقلم صالح ناصر رئيس قسم التحليل الفني في بايونيرز

لا توجد بجعات سوداء. البجعة يجب أن يكون لونها أبيض.

في القرن الثامن عشر اكتشف بعض الرحالة بجعة سوداء في أستراليا الغربية ما غير من اليقين آنذاك أنه لا توجد بجعة سوداء……. في كتابه المشهور ”البجعة السوداء“ تكلم نسيم طالب عن أن معظم الاكتشافات الكبرى التي غيرت مسار البشرية ومعظم الأحداث الجوهرية التي غيرت من التاريخ لم تكن إلا بجعة سوداء. بمعنى آخر، كل الأحداث المهمة التي حدثت في العالم والتي تستمر آثارها حتى الأن هي في أصلها بجعة سوداء لم يكن يتوقعها أحد على الإطلاق.

فالحرب العالمية الأولى بدأت بمقتل ولي العهد النمساوي عام 1914 على يد مجموعة من القتلة وحتى بعد عملية القتل لم يكن هناك رد فعل قوي من الشعب النمساوي حتى ظن الناس أن عملية القتل هذه سوف تمر دون أي ردة فعل.

أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تكن متوقعة من أي شخص في أمريكا إلا المنفذين ومن خططوا.

أغلب الاكتشافات في العالم جاءت بمحض المصادفة فنيوتن وأرشميدس مثلًا لم يخططا لاكتشاف الجاذية الأرضية وقانون الطفو. كلها كانت مصادفات لم يكن يتوقعها حتى المكتشفون.

مشكلة نظرية البجعة السوداء أنها ليست نظرية يمكن دراستها وتوقعها، فغالبًا ما تأتي الأحداث ”المهمة“ حين لا يتوقعها أحد، وإذا توقعنا هذه الأحداث فقد انتفى كونها بجعة سوداء.

لا نريد أن نخوض في تفاصيل هذه الـ“لا نظرية“ حتى لا يمل القارئ ولكننا ننصحكم بقراءة هذا الكتاب “The Black Swan, the impact of the HIGHLY IMPROBABLE; by Nassim Nicholas Taleb”

لنعيد هذه الجملة ”أغلب الأحداث المهمة والاكتشافات التي غيرت من مجرى التاريخ هي بجعة سوداء…..“ بالتالي يجب أن نتعلم كيف نتأقلم مع الوضع الجديد بدلًا من محاولة استهلاك أنفسنا في توقع ما هو صعب توقعه.

وإذا طبقنا هذا الكلام في أسواق المال سنكتشف أن ”كل“ القمم الرئيسية التي حدثت في الأسواق هي بجع أسود لم يكن يتوقعه أحد فكلما اقتربت السوق من قمته زاد التفاؤل الممزوج بالإحساس بالنجاح مع وجود بعض الغرور، وكلما اقتربنا من نهاية الصعود الرئيسي زاد التفاؤل وزاد الإحساس بالنصر ما يؤدي إلى زيادة الغرور عند المتعاملين في السوق حتى نصل إلي نهاية الصعود وتكون نسب الشراء الهامشي عالية جدًّا وكل المتعاملين في السوق في ”قمة“ النشوة حتى تأتي البجعة السوداء وتطل علينا برأسها وينقلب كل شيء رأسًا على عقب.

القمم الرئيسية في الأسواق لا يمكن توقعها ولا تظهر إلا عندما تشير كل الدلائل عكس ذلك، ولكنها تأتي وتتسبب في تدمير المحافظ وتؤدي إلى خسائر لا يمكن تحملها، الحل هنا هو ليس توقعًا متى تأتي قمة السوق حيث إننا إذا توقعناها مرة مصادفة لن نتوقعها المرة القادمة ولكن الحل يكمن في الالتزام بأسلوب واضح للاستثمار ووجود المرونة الكافية للتعامل مع الوضع الجديد عندما تظهر البجعة.