المعلومة ومصدرها

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة مصر لنشر المعلومات

بدأت هذا الأسبوع فاعليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، والذي كنا ننتظره منذ الطفولة في نسخة مصغرة كانت تعقد في المحافظات وهو فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة كل عام لمحبي القراءة. ويتميز معرض الكتاب بتواجد تنوع كبير من مختلف الناشرين في دول العالم وممثليهم والكتب المتنوعة في كل مجالات الثقافة والمعرفة، وقد تذهب إلى المعرض بلا هدف محدد وتعود محملًا بمختلف الكتب التي تحمل المواضيع الشيقة والمحببة لك.

تزامن معرض القاهرة للكتاب مع 25 يناير والذي يؤرخ لعيد الشرطة والمقاومة الباسلة ضد الاستعمار وكل مقاومة من الشرطة وجهد بطولي في مطاردة الشر والإرهاب وكل بطل خاطر بحياته لحماية تراب الوطن الغالي. كما يحمل أيضًا ذكري ثورة ٢٥ يناير والتي لعب فيها المحتوى الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا لدرجة دفعت الدولة وقتها لإيقاف التواصل على الإنترنت.

وتدفعني الذكريات الخاصة بمعرض الكتاب وما يحمله تاريخ ٢٥ يناير للتفكير وطرح موضوعين مهمين: أولهما هو قوة المحتوى الإلكتروني أمام المحتوى الورقي المنشور، والثاني هو أهمية مصدر المعلومة التي نتداولها ونعيد نشرها دون تفكير. المعركة الأولى بدأت مبكرًا في ساحة الجرائد الورقية التي كان الجميع يتابعها باهتمام وكنت أحب أن أبدأ يومي بقراءة الجرائد الرسمية منذ كنت طالبًا في الجامعة إذ كانت هي والإعلام المرئي المصدرين الأساسيين للأخبار والاطلاع على ما هو جديد في العالم.

ومنذ انتشار شبكة المعلومات الدولية وتطبيقاتها في أوائل الألفينات وبدأ المحتوى الإلكتروني تدريجيًّا يأخذ محل المحتوى الرقمي بل والمرئي لقدرة شبكة الإنترنت على نقل المعلومة بسرعة أكبر لعدد أكبر من القراء وبتكلفة أقل كثيرًا.

بل ظهرت تطبيقات بعد انتشار الهواتف الذكية تنبه المستخدم لأهم الأخبار بعد أن كان هو الذي يبذل الوقت والجهد في البحث عنها. بالإضافة لكل ما سبق نافس ملايين البشر وكالات الأنباء وكبريات الصحف في نقل الأخبار والأحداث المصورة والمرئية بصورة أسرع من قلب الأحداث ودون تجميل أو تأويل أو تكميل كما يحدث كثيرًا من وكالات الأنباء التي لها توجهات تخدمها. فصار المحتوى النابع من عامة البشر أسرع وأصدق من المصدر من مختلف الصحف والوكالات.

وقتها راهنت الأحيان القديمة على حتمية صمود الصحف الورقية في وجه هذا التيار العنيف إذ لا بديل عنها وعن متعة تصفح الجريدة الورقية مع فنجان القهوة الصباحي. مرت السنوات وأثبت المحتوى الإلكتروني قوته وحلت متعة التصفح على الهاتف أو التابلت متعة التصفح الورقي وخاصة أنه يمكن إعادة النشر وبسهولة لأي خبر مهم أو شيق لأكبر عدد من الأصدقاء في ذات اللحظة. صمدت الجرائد الورقية حتى الآن بإعداد نسخ أقل كثيرًا من الأعداد التي كانت تطبع من سنوات وقل الاعتماد عليها تدريجيًّا وقليل جدًّا ما ترى راكبًا في المترو أو القطار يتصفح جريدة ولكن ترى الجميع يتصفح بأنامله هاتفه الذكي.

بدأت الكتب تأخذ نفس المنحنى وتنتشر الكتب الإلكترونية وتنتشر أجهزة خاصة بتصفح تلك الكتب وتطبيقات خاصة بتحميل الكتب إلكترونيًّا. بل ظهر الكتاب المسموع والذي يمكن الاعتماد على حاسة السمع بدلًا من حاسة النظر لتغذية العقل والنفس بنفس المحتوى مما يشكل نقلة كبيرة لمن يعاني من مشاكل في الأبصار أو من لا يستطيع القراءة، ولكن تبقى المنازلة في أرض المعركة دون حسم ولا يزال الكتاب الورقي متفوقًا وقد يكون السبب هو عدم أهمية العامل الزمني وسرعة انتشار الكتاب لحظيًّا كالأخبار.

ولكن في اعتقادي الشخصي أن ذلك لن يطول وسيهزم الكتاب الإلكتروني الكتاب الورقي كما حدث في الصحف. والسؤال المهم هو هل استعدت دور النشر العربية لتلك المعركة وهل هي قادرة على النشر الإلكتروني للكتاب والحفاظ على المحتوى والمساهمة في المنشور باللغة العربية في عالم الكتاب أم لا تزال ترى أن هذا الاحتمال بعيد ولن يحدث في المستقبل القريب؟

أما الجانب الآخر فهو مصدر المعلومات التي نتصفحها والتي نعيد نشرها على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي والتي تستغلها مختلف القوى في نشر وجهات نظرها التي قد تكون جانبًا واحدًا من صورة متعددة المعاني أو شائعة لا أساس لها من الصحة. كان الجميع يعيد نشر هذه الأخبار مسبوقة بكلمة «بيقولوا» دون تحديد أو معرفة من هم وما المصدر والتحقق منه.

ليس ذلك فقط بل في مواضيع ومعلومات أكثر خطورة كمعلومات طبية ووصفات يتم تداولها بل واتباعها دون التحقق من مصدرها والكثير منها خاطئ ومضر. وكذلك معلومات دينية وفتاوى ممن لا علم لهم وقد تؤدي تلك المعلومات المغلوطة إلى تصرفات تتبعها تضر صاحبها وآخرين أيضًا.

لذلك فمع حتمية انتشار المعلومات والأخبار والكتب إلكترونيًّا وجب على القارئ التحقق من مصدر المعلومة والتأكد من مصداقية وعلم الناشر من عدمه و إعادة نشر الموثق منها و إهمال ما يذاع عبر مواقع أومصادر لا مصداقية ولا علم لها حتى نتلافي الاثار السلبية الممكنة من المحتوى الإلكترونى المجهول الهوية.