لماذا تَفاجأ رجالُ الاقتصادِ بتراجُعِ الدولارِ أمامَ الجنيهِ؟

بقلم أحمد رضوان ـ رئيس تحرير جريدة حابي

كان نوفمبر 2016 تاريخًا مهمًّا في عمر الاقتصادِ المصري، ونعتقدُ أنه سيظلّ كذلك، كل شيء قبل هذا التاريخ تغيّر بصورةٍ كليّة فيما بعد، حجم وسياسة إنفاق الفرد والدولة، قيمة الأصول، الفوائض المتاحة للادخار والاستثمار، القوة الشرائية، نظرة الناس للعمل، طباعة الصحف، الحاجة للاقتراض، كلّ شيء تغير بما تحويه كلمة التغيير من معانٍ.

شهد نوفمبر 2016 تعويمًا كاملًا للجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، بعض مكاسب التعويم تحققَّت بالفعل وتحديدًا فيما يرتبط بعودة تدفُّق أموال المصريين بالخارج إلى القطاع المصرفي الرسمي، ورفع قدرة الدولة على تغطية احتياجاتها من التمويل الخارجي، وربما يكون جزء مهم من أسباب عودة الانتعاش لقطاع السياحة مرتبطًا بانخفاض تكلفة المقصد المصري مقارنة بأسواقٍ أخرى، ولكنّ ملفين رئيسيين لم يساهما في مواردِ النقد الأجنبي بالصورة التي تعهد بها المسؤولون وقت قرار التعويم، وهما ملفّ الاستثمار الأجنبي المباشر، والتصدير.

تحرّك سعر صرف الدولار من منطقة 8 جنيهات قبل التعويم، واستقر بعد نحو عام من القرار قرب منطقة 18 جنيهًا لفترةٍ ليست بالقصيرة. ومع بداية العام الجديد 2019 وضعَ رجالُ الاقتصاد والمحللون ومختلف المهتمين بمتابعةِ حركة سعر الصرف توقّعاتهم لأداء الجنيه أمام الدولار، وأخذوا بعينِ الاعتبار الملفات السابق ذكرها وهي صافي الاستثمار الأجنبي والتصدير والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج والقروض المتوقعة، ومعها الالتزامات الواجب سدادها خلال العام سواء فيما يتعلّق بتمويل الواردات الأساسية وغير الأساسية، وكذلك سداد الديون المستحقّة وخدمتها خلال العام.

وبناءً على ذلك كان هناك شبه اتفاق على أنّ التحرك المُرتقب لسعر الجنيه في 2019 سيكون ذا مسارٍ واحدٍ هو التراجع أمام الدولار، ربما اختلف المحلّلون والمتابعون حول نسبة التراجع وهل ستكون بسيطة أم كبيرة، ولكن كان الإجماع على أن هناك تراجعًا جديدًا مرتقبًا للجنيه.

ولكن.. الأسبوع الماضي ضرب الواقع توقعات المحللين -في المدى المنظور على الأقل- وتفاجأ الجميع بارتفاع الجنيه أمام الدولار، وسط تصريحات من رجال القطاع المصرفي عن تنازلات دولارية بأرقام قياسية مقارنة بالأسابيع وربما الشهور الماضية، تزامنت مع بياناتٍ صادرة عن وزارة المالية تُشير إلى إقبال غير عاديٍّ من المستثمرين الأجانب على شراء أوراق الدين المصرية، لدرجة وصلت إلى تغطيتهم كامل طرح سندات بأجل 5 سنوات.

نعود إلى السؤال الذي بدأنا به هذه المقالة.. لماذا تفاجأ رجال الاقتصاد والمحللون بتراجع الدولار أمام الجنيه؟
الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى سؤالٍ آخر، هل يعتبر المحللون ارتفاع استثمارات الأجانب في أوراق الدين مقياسًا كافيًا لترجيح اتّجاه العملة؟ نعتقد أن الإجابة هي (لا)، فالرّهان الرئيسي لبناء اتجاه واضحٍ لحركة سعر الصرف ظلّ معقودًا على صافي الاستثمار الأجنبي وحصيلة الصادرات مخصومًا منها فاتورة الواردات، إلى جانب إيرادات السياحة وتحويلات المصريين.

وإلى أن يشهد ملفَّا الاستثمار والتصدير، تطوراتٍ ملموسة، أو تحدث معجزة تدفع فاتورة الواردات والديون إلى تراجعٍ كبير، سيظلُّ التعامل مع أيِّ تحسُّن في قيمة العملة المحلية على أنه تحسن مؤقت إلى أن يثبت العكس.

بكل تأكيد، هناك مكاسبُ لا تعدُّ ولا تُحصي من تحسُّن قيمة الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية، وليس سرًّا أن الكثيرين تعاملوا وقتما وصل الدولار إلى 18 جنيهًا على أنه وضع مؤقت غير قابل للاستمرار، وأنه سرعان ما ستتدفق الاستثمارات الأجنبية وترتفع تنافسية الصادرات المصرية، بما يعيد للجنيه جزءًا من قيمته، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن، فهل يشهد 2019 جديدًا يخالف توقعات المحللين بصورة تتسم بالاستدامةِ ووضوح الاتجاهِ؟ نتمنَّى ذلك.