PHC 728X90

سكة السلامة ولا سكة الندامة؟

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة مصر لنشر المعلومات

حادثة محطة مصر هزت وجدان كل إنسان مصري وخيمت بسحب ثقيلة على صدور المصريين تتكون من مزيج من الحزن والغضب والإحباط غير الممزوج بالفخر المعتاد في ضحايا الإرهاب الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لبطولاتهم.

فالحادث هنا ملابساته لم تتكشف تمامًا حتى الآن والتحقيقات جارية ولكن حديث السائق والحوادث السابقة لتلك الحادثة وحوادث أخرى كثيرة تشير إلى داء للأسف صار مكونًا أساسيًّا لكثير من المصريين وهو أيضًا مزيج سخيف من الإهمال واللامبالاة وعدم إنجاز المهام للآخر المختلطة بالتواكل والاعتماد على الستر.

أحيانًا أيضًا يدخل مكون الفساد في هذا المزيج المميت. فمثلًا شوارع القاهرة الجديدة حيث أسكن وأعمل مليئة بمشروعات الرصف والتجميل التي بدأت ثم توقفت فجأة ولم تكتمل في حالة تمثل من القبح والخطورة ما هو أشد أثرًا من الإرهاب.

فكم من طريق مرصوف ولم يكتمل ويختلف مستوى الطريق فجأة وكم من البشر فقدوا حياتهم في حوادث سيارات تفاديًا لتلك المطبات والناتجة عن عدم إنهاء الأعمال وكم تحولت المنطقة التي بها أجمل المباني الإدارية وإدارات البنوك إلى عشوائية وقبيحة أرضها مدمرة في بداية مشروع تجميل توقف عند الدمار.

أيضًا من الأمور القاتلة عدم الرغبة في الإنفاق على شروط التأمين والسلامة اللازمة مثلما تجلى في غياب وجود أبسط أدوات مكافحة الحريق من طفايات.

شروط السلامة وتطبيقها ليست رفاهية وسبق وأفردت مقالًا تحت عنوان لمواصفات القياسية والرقيب الشاطر لمناقشة تلك الفكرة من وضع قوانين تحمل مواصفات قياسية وإجبار الناس والهيئات على اتباعها سعيًا وراء السلامة.

والإجبار هنا لا يأتي بهيئة لا تستوعب روح المواصفة ولا تطلب مواصفات مبالغ فيها ولا تقبل هدايا حتى وإن كانت لتجميل مكاتبهم أو لمعدة مطلوبة لأعمالهم ولكن تكون بمثابة صمام الأمان الذي يهدف دائمًا إلى السلامة ويستوعب المتغيرات والأدوات المستحدثة دائمًا في هذا الاتجاه.

خالص التعازي والحزن والحداد على ضحايا محطة رمسيس وعلى كل إنسان دفع حياته ثمنًا رخيصًا للإهمال. وأفرد السطور القادمة لتناول موضوع في غاية الأهمية وهو الشروط الواجب توافرها في حماية مراكز المعلومات طلبًا للاستدامة في تقديم الخدمات خاصة في مجالات التكنولوجيا المالية التي تنمو بسرعة الصاروخ.

فكم منا ذهب إلى بنك أو شركة ما وقابله الموظف بهذه الجملة البغيضة «آسف استنى معانا شوية أو تعالى بعد ساعة عشان السيستم واقع» ولكي لا يقع أي نظام في مشكلة تؤدي إلى توقف أو أعطال لا بدَّ من توافر مبدأين مهمين جدًّا في عالم التكنولوجيا والمعلومات ومراكز البيانات:

أولًا: تحقيق الازدواجية في كل الأمور المتعلقة بتقديم خدمات حرجة لا يمكن قبول توقفها عن العمل لمدة طويلة. فإن كان هناك خادم لقواعد البيانات مثلًا يجب أن يكون هناك آخر مماثل له ومرتبط به يقوم بالمهمة في حالة توقف الأول عن العمل لأي سبب من الأسباب. ويجب أن يتوفر ذلك في مصادر الكهرباء وخطوط الاتصال وهما أشهر أسباب انقطاع الخدمات في مصر فيجب أن يكون هناك على الأقل مولد كهرباء جاهز في حال انقطاع التيار لأي سبب يقوم بالعمل أوتوماتيكيًّا ويستوعب الأحمال لمدة كافية كما يجب التأكد من توافر الوقود الخاص به وتجربته كل فترة منتظمة للتأكد من حتمية قيامه عند انقطاع التيار.

خطوط الربط أيضًا يجب أن تكون من مصدرين مختلفين وعلى مسارين مختلفين تجنبًا لانقطاع أحدهما وبذلك نضمن استمرار العمل بلا توقف.

ثانيًا: يجب على السادة المسؤولين عن البنوك والشركات ضمان وجود مركز معلومات بديل للطوارئ جاهز للعمل عند حدوث حريق لا قدر الله في المركز الأول فتخيلوا معي لو أن مركز معلومات الأشخاص بالسكة الحديد كان موجودًا بالمبنى المحترق ولم يكن هناك مركز بديل فتوقفت تمامًا عن العمل لشهور حتى يتم استيراد الأجهزة اللازمة وتجهيزها بالبيئة اللازمة وبالبرامج والبيانات وخطوط الربط لتكون مستعدة للخدمة.

وبكم تقدر الخسائر المرتبطة بوقف الحال للمؤسسات ولمتلقي الخدمات أيضًا بسبب الانقطاع؟ إذًا لا غنى عن وجود مركز معلومات الطوارئ وإن بدا ذلك بديهيًّا فأنا على علم بمؤسسات مالية وتدير المليارات لا يوجد بها مركز معلومات بديل للطوارئ وإن قيل غير ذلك.

تعرف وتتأكد أن هناك مركز معلومات بديلًا عندما تقوم بتقديم خدماتك دوريًّا كل ثلاثة أو ستة أشهر من تلك المراكز أما وجوده دون تجربة فهم مساوٍ تمامًا لعدم وجوده ولن يعمل عند الحاجة لذا وجب إجبار المسؤولين على نظم المعلومات تشغيل تلك المراكز بصفة دورية للتأكد من صلاحياتها وجاهزيتها لتقديم الخدمات.

ولا تبدو الصورة خاصة القتامة والسواد لتجربة المحطة الأليمة إذا كانت مليئة بالنماذج المضيئة والشخصيات الشجاعة التي بادرت وضحت بنفسها وقدمت الإمكانيات القليلة وأنقذت عشرات الأرواح هذا إلى جانب شعب مبادر اصطف بأعداد غفيرة للتبرع بالدماء دون طلب. كذلك وطننا الحبيب مليء بالخبراء التي قدمت من العلم والجهد والإمكانيات أمثلة نحتذي بها في مراكز معلومات آمنة مستقرة على أرفع المستويات فلنبدأ من حيث انتهوا ونتبع سكة السلامة.



الرابط المختصر :