PHC 728X90

التكنولوجيا المالية والنمو

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة مصر لنشر المعلومات

شاركت الأسبوع الماضي في فاعليات مؤتمر «حابي» ولقاءات أخرى تدور حول وتناقش موضوعًا من أهم الموضوعات بل الأهم على الإطلاق وهو نمو الاقتصاد وتنمية الشركات وتسهيل الحصول على التمويل اللازم وإزالة المعوقات أمام الاستثمار إلى آخره من موضوعات وإشكاليات لا يمكن أن نستمر دونها.

ومن أبسط الأسباب هو تحدي النمو السكاني الذي بلغ 2.3% سنويًّا مما يشكل تحدي توفير فرص عمل جديدة بالملايين لاستيعاب تلك الطاقة الناتجة عن الزيادة السكانية، ذلك بالإضافة إلى أسباب أخرى كثيرة كمعدلات الدين العام على سبيل المثال لا الحصر.

ومع أن مصر أحرزت تقدمًا لا يستهان به إذ بلغ معيل النمو في إجمالي الناتج المحلي 5.8 وهو معدل ممتاز مقارنة بدول كثيرة حولنا إلا أننا نحتاج لرفع هذا المعدل بنسب ملحوظة سنويًّا للأسباب السالف ذكرها.

التكنولوجيا المالية ببساطة هي تزاوج بين علمين: علم الحاسب الآلي وكل ما يرتبط به من علوم كهندسة البرمجيات والمعلومات والشبكات من جهة والعلوم المالية والمصرفية من جهة أخرى لإنتاج خدمات ومنتجات مالية ومصرفية مبنية ومقدمة بالتكنولوجيا الحديثة.

التكنولوجيا المالية علم موجود منذ اختراع التلغراف وكوابله ومد أول كابل عبر الأطلنطي وتطور بتطور شبكات المعلومات ودخول شبكة الإنترنت إلى عالمنا وبيوتنا ثم توج هذا التطور ظهور شبكات المحمول والهواتف الذكية في نهاية القرن الماضي ومطلع هذا القرن.

كل هذا التطور في البنية التحتية للاتصالات والحواسب والمعلومات قدمت بيئة ممتازة لتطور تلك العلوم ما نتج عنها من خدمات مالية ومصرفية وتسهيلات في تعاملات الأفراد والشركات مع البنوك، أما الحدث الذي أطلق مارد التكنولوجيا المالية بلا هوادة خارج نطاق البنوك فكان الأزمة المالية العالمية عام 2008.

نتج عن هذه الأزمة إغلاق عدد من البنوك والاستغناء عن عدد كبير من الوظائف التي كان يشغلها شباب لديهم خبرة كبيرة في مؤسسات مالية عالمية كما أن لديهم دراية كبيرة بعلوم التكنولوجيا الحديثة وآخر ما وصلت إليه وسائل التواصل الاجتماعي.

تلقفت تلك الكوادر البشرية الثمينة الشركات الصاعدة في تلك الحقبة المظلمة على أسواق المال واستفادت منها بإطلاق ذلك المارد المسمى بالتكنولوجيا المالية والدخول والمنافسة بقوة مع البنوك التقليدية في تقديم ابتكارات جديدة لخدمات مالية ومصرفية خارج إطار البنوك التقليدية تميزت بالآتي:-

أولاََ: إمكانية ربط المستفيدين ببعض دون وسيط.

ثانيًا: القدرة على خدمة أعداد كبيرة جدًّا في الوقت نفسه وإنهاء الخدمات فورًا.

ثالثًا: تقديم خدمات استحال تقديمها بالطرق التقليدية لارتفاع تكلفتها عن مدخولها ولكن أمكن تقديمها بالطرق المبتكرة لانخفاض التكلفة.

أخيرًا: خفض تكلفة الكثير من الخدمات المبنية على التكنولوجيا.

التكنولوجيا المالية قادرة على الإسراع من زيادة معدلات النمو من خلال محاور رئيسية مهمة جدًّا لأي بيئة أعمال وأهمها ما يلي:-

أولًا: التمويل، فأي نشاط يحتاج إلى التمويل في البداية وابتكرت التكنولوجيا المالية التمويل المباشر مثل دخول الواتساب في بعض الدول في ذلك المجال بإضافة خاصية التسليف وقيام منصات التمويل المباشر من أي شخص لآخر.

كما استحدثت منصات التمويل الجماعية وهي منصات متخصصة يعرض عليها المحتاج إلى التمويل أفكار مشروعه والدراسات الخاصة بالمشروع على من هو مهتم بالاستثمار لانتقاء المشروعات التي يرغب في الاستثمار المباشر بها ومن ثم يتحول لمساهم في تلك المشروعات.

هناك أمثلة ناجحة لمنصات التمويل الجماعي في الأردن والإمارات قد تفتح شهية المسؤولين لإصدار التشريعات التي تنظم المنصات المشابهة.

ثانيًا: المدفوعات، والمدفوعات تكمن أهميتها في سرعة وسهولة الحصول على المدفوعات المستحقة للأعمال مقابل الخدمات والمنتجات.

المدفوعات أيضًا تمويل جارٍ مهم لاستمرار التفقات النقدية كما أن سرعة الحصول على الأموال تزيد من قيمتها وتساهم طرق المدفوعات الإلكترونية مساهمة رئيسية في تحويل المجتمعات من نقدية إلى لانقدية ودمج الاقتصاد غير الرسمي في الرسمي وزيادة سرعة دوران العجلة النقدية velocity of money مما له دور بالغ في النمو.

المدفوعات الإلكترونية من أهم المحاور التي شهدت تقدمًا في مصر في السنوات الأخيرة إلا أن تكلفتها لا تزال مرتفعة ويبذل البنك المركزي جهودًا كبيرة في تطوير البنية التحتية لخفض التكلفة التي سنجني ثمارها عن قريب.

ثالثًا: علوم المعلومات وتحليل البيانات، وأبسط صورها يكمن في قدرة التكنولوجيا على تحليل ملايين المدخلات من البيانات والوصول إلى نتائج أو ظواهر يتعلم منها الحاسب لإرشاد ومساعدة الأعمال في تحقيق نتائج أفضل.

من أبسط صور هذه التطبيقات خرائط جوجل التي ونتابعها لاختيار أسرع الطرق والتي تتعلم أي الطرق أفضل من السيارات المارة بتلك الطرق وتحليل مساراتها. في أسواق المال العالمية النسبة الأكبر لأوامر البيع والشراء صارت تنتج عن حواسب مبرمجة وليس بشرًا باستخدام برامج مبنية على تلك العلوم.

هذا بالإضافة إلى شبكات التداول والمقاصة ونقل الملكية التي تسهل عمليات البيع والشراء والتخارج والتي خرجت عن نطاق حدود الدول مما حول مهنة الرقيب إلى مهنة شبه مستحيلة دون ما يسمى بالتكنولوجيا الرقابية التي تقدم للرقيب الوسائل المساعدة لإتمام مهمته.

التكنولوجيا المالية علم متطور بسرعة رهيبة ويتغير باستمرار بجانب تطوره لكن لا خيار أمامنا إلا هو لتحقيق معدلات النمو المطلوبة والعبور ببلدنا إلى مصاف الدول الأكثر نموًّا وتقدمًا وتطورًا.



الرابط المختصر :