PHC 728X90

قم إهرب إلى مصر

د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية

يصادف الأمس، الأول من شهر يونيو، تذكار دخول العائلة المقدسة إلى أرض مصر هربًا من بطش هيرودس الملك الذي أمر بقتل كل الأطفال خوفًا من أخبار نمت إلى مسامعه عن ولادة ملك جديد. فتحوط هيرودس ملك اليهود وأصدر أوامره بقتل جميع الأطفال وعندها ظهر الملاك للقديس يوسف والعذراء مريم وقال لهم أن يأخذوا الطفل ” السيد المسيح” ويهربوا إلى مصر.

مكثت العائلة المقدسة بمصر ثلاث سنوات من سيناء في الشمال الشرقي إلى أسيوط في صعيد مصر مرورًا بخمسة وعشرين نقطة اعتبرها بابا روما مسار حج مسيحي عالمي كما اعتبرت الكنيسة المصرية ذلك اليوم بمثابة يوم الأقباط العالمي.

كل النقاط التي وطأتها أقدام العائلة المقدسة مصحوبة بقصص شيقة وآثار ومعجزات لا تزال موجودة ليومنا هذا كشجرة مريم بالمطرية وبئر أبي سرجة بمصر القديمة.

يعتبر التاريخ القبطي الجسر الذي يربط التاريخ المصري الفرعوني بالتاريخ الحديث في مناحٍ عديدة. فمثلًا لم يكن لعالم المصريات التاريخي شامبليون لفك رموز اللغة المصرية القديمة إن لم يكتب النص نفسه باللغة القبطية والتي هي نسخة حديثة من اللغة المصرية القديمة بلهجتيها البحيرية والأخميمية والتي تكتب بأحرف اللغة اليونانية مضاف إليها سبعة أحرف متحركة لم توجد في الأحرف اليونانية ونطق بها المصريون.

ولا نزال نستخدم كثيرًا من مفردات اللغة القديمة في لغتنا العامية دون أن ندري مثل تاتا وبخ وإمبو وكأني وماني إلخ.

كما تعتبر موسيقى الكنيسة القبطية امتدادًا وتكرارًا لموسيقى كان يستخدمها المصريون في معابدهم القديمة واعتمدت تمامًا على تلحين تلك الأحرف المتحركة والتركيز عليها وهي أقدم موسيقى كنائسية في العالم بألحانها الفرحة والجنائزية.

أما عن العمارة القبطية والفن القبطي والنسيج القبطي فهناك قصص شيقة لا تنتهي. فوجوه الفيوم وهي رسوم لعائلات مصرية نبيلة واكتشفت في الفيوم من أول ما عرفت الإنسانية عن فن البورتريه.

حفظت الكنيسة المصرية الإيمان المسيحي ودافعت عنه وقادت كتابة وثيقة هي الأهم في تاريخ المسيحية بمجمع نيقية في القرن الرابع الميلادي على يد القديس أثاناثيوس المصري والذي صار فيما بعد بابا مصر والذي تتلوه كل كنائس العالم بمختلف طوائفها.

ولست بمبالغ إن قلت إن تأثير الأقباط امتد إلى غرب أوروبا فالقديسة فيرينا والتي يحتفل بها السويسريون ويوم عيدها من الأعياد المهمة هي من علمت السويسريين التمريض والنظافة الشخصية وهناك مدينة تدعي القديس موريس نسبة إلى القائد المصري من الكتيبة الطيبية والذي قطن تلك المدينة وكلاهما من صعيد مصر وتلك القصص من التاريخ ومئات أخرى غيرها مجهولة تمامًا للعامة وكان من الواجب أن تكون مفخرة لكل مصري.

لا أعلم لماذا لا يستخدم التاريخ القديم عامة والتاريخ القبطي بكثافة في التعليم الأولي وتكوين الفكر والوجدان المصري وترسيخ الهوية المصرية فتلك هي حقبة هامة جدًا في تاريخ الموسيقي والفن والعمارة والنحت والتصوير ومختلف العلوم الإنسانية في مصر ومعظم الأقسام التي اهتمت بتلك الدراسات موجودة للأسف بجامعات غربية غير مصرية.

ولكن أنتهز تلك الفرصة لأثمن وأسلط الضوء على جهود وزارة السياحة ومختلف الأجهزة في مصر بعد توجيهات سيادة الرئيس لإحياء مسار العائلة المقدسة والذي هو بمثابة كنز روحي وتاريخي وإنساني وسياحي خاصة بعد اعتراف بابا الفاتيكان بالمسار ومباركته له.

أختم مقالي بالهدف الرئيسي من كتابته وهو حتمية استخدام التكنولوجيا في التاريخ والسياحة في جوانب عديدة أولها التوثيق فكم من آثار محيت من على وجه الأرض قبل أن نعرف عنها شيئًا والآن تتيح لنا التكنولوجيا توثيق تلك الأماكن والتجول فيها دون الذهاب إليها وهي بوابة أخرى للدعاية السياحية لا تكلف مصاريف وعناء السفر والتواجد في المؤتمرات بوفود كبيرة وتتكلم لغة العصر ويفهمها لأجيال الشابة والقادمة.

كما يمكن استخدامها في تنظيم الرحلات وتلاقي المهتمين بتلك الأمور والحجز دون وسطاء في رحلات خاصة بتلك المسار والذي تبنت وزارة السياحة إحياء ثماني نقاط من الخمسة وعشرين كمرحلة أولية وأخيرًا دور التجارة الإلكترونية في بيع الهدايا التذكارية الخاصة بتلك الرحلة ومنتجات أخرى ينتجها أهالي تلك الأماكن ولا يجدون من يقوم بتدريبهم على تسويقها والإبداع فيها ويمكن بقليل من التعاون بين القروض المتناهية الصغر والتدريب والتجارة الإلكترونية إحداث نهضة اقتصادية في تلك الأماكن قيامًا على قصة العائلة المقدسة ورحلتها.

إذا يمكن أن تساهم التكنولوجيا في نهضة سياحية واقتصادية وتوثيق إنساني وتاريخي ليس لمسار العائلة المقدسة فقط بل لتاريخ لم تكفِ متاحف العالم الكبرى لاستيعاب ما ترك من آثار فماذا ننتظر؟

الرابط المختصر : hapijournal.com/?p=38530