PHC 728X90

قراءة في الفقر والقضاء عليه

د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية

كلنا تابعنا باهتمام تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن معدلات الفقر وسرعان ما دافع المسؤولين عن السياسات الاقتصادية ومدى نجاحها وحتمية زيادة معدلات الفقر للانتهاء من الإصلاح الاقتصادي وأن المعدل أقل من المتوقع وأن ذلك في حد ذاته يعتبر إنجازًا كبيرًا ونجاحًا لتلك السياسات. فريق آخر اعتمد على قياس النجاح والنمو في رفع مستوى المعيشة للمواطنين وأن الفقر إخفاق كان يمكن تجنبه.

وبغض النظر عن الفريقين فالفقر حقيقة واقعة. قد تكون صادمة لمن لم يتشرفوا بزيارات متكررة لقرى الصعيد والوقوف على حالة الكثير من المواطنين بتلك المناطق. والتقرير غني بالمعلومات المثيرة والجديدة أسرد القليل منها في مقالي كما أقدم بعض الأفكار للتعامل مع ما وراء الأرقام والإحصاءات.

أولًا: 5.5% ممن لديهم شهادة عليا (ماجستير أو دكتوراة) يعانون من الفقر ودخلهم الشهري أقل من المعدل المذكور بالتقرير. ترتفع النسبة إلى 11.8 % من حملة الشهادات الجامعية. استوقفتني تلك الإحصائيات الخاصة بعلماء استثمرت الدولة أو عائلاتهم أو كلاهما فيهم حتي وصلوا لتلك الدرجات العلمية. وأظن أنه وجب على الحكومة إنشاء بوابة قومية لتوظيف هؤلاء تسهل على الراغبين في توظيف حملة تلك الشهادات في تخصصات على الأقل قريبة من تخصصاتهم والوصول إليهم وتمنح الفقراء منهم الفرصة للإعلان عن تخصصاتهم وخبراتهم.

ثانيًا: من الغريب أن نجد الأقصر وبها القدر الأكبر من الآثار الموجودة في العالم في المركز الثالث من حيث نسبة الفقراء بعد أسيوط وسوهاج وقبل المنيا. إذن فالفقر لا علاقة له بموارد المحافظة.

كلنا نعلم أن الأقصر وأسوان عانتا من ضعف السياحة سنوات طويلة وأن بوادر الانفراجة حدثت بداية من العام الماضي وأسوة بشرم الشيخ يجب على منظمي المؤتمرات والمهرجانات التركيز على تلك المناطق الغنية وعلى الدولة ووزارتي التعليم والتعليم العالي تدريب وتعليم أبنائها على الخدمات والحرف المرتبطة بالسياحة.

أعتقد أن الترويج للتراث والهوية المصرية به تقصير شديد على الصعيد الداخلي قبل الخارجي ومع قصص الأجداد ومصر القديمة سحر وعشق إن أحسنا استخدامها تكون الأقصر من أغنى محافظات مصر وأرقها فلا يليق أبدًا بمجد طيبة العظيمة أن تحتل المرتبة الثالثة فقرًا.

ثالثًا: 52% من سكان ريف الصعيد فقراء وأضيف في مساكن غير صحية ولا تتوافر أي خدمات قريبة للكثير منهم سواء في الصحة أو التعليم أو حتى الخدمات المالية.

تشرفت بزيارة الكثير منهم ووجدت عند الكثير منهم وخاصة من النساء المعيلات لأسرهن رغبة حقيقية واستعدادًا لتعلم أي حرفة وعليه فإن التعامل مع فقراء الريف في الصعيد ممكن بمثلث إن أحكمنا ترابط أضلاعه كان كفيلًا بنسف الفقر من جذوره وتحويل تلك الكتلة السكانية من أهالينا بالصعيد إلى طاقة جبارة ومنتجة. تكمن أضلاع المثلث في الآتي:

1. القروض متناهية الصغر وإتاحة التمويل لمن لا حسابات بنكية لديهم ومن الصدفة أن يصدر تقرير هيئة الرقابة المالية عن التمويل متناهي الصغر في النصف الأول من العالم الحالي في نفس الأسبوع والذي يحمل أخبارًا سارة عن تنامي القطاع وعدد المستفيدين منه ووصولهم إلى أربعة ملايين نسمة بمعدل زيادة قدره 41% ومع زيادة أعداد الجمعيات والشركات العاملة بهذا المجال يجب أن نعترف بارتفاع سعر الفائدة وأحيانًا المغالاة فيها مع أن نسب التعثر تقل كثيرًا عن البنوك. السبب الرئيسي يكمن في ارتفاع تكلفة التمويل من جانب والمغالاة في هامش الربح من جانب آخر فإن عالجنا تلك الأسباب نستطيع توفير القروض بأسعار فائدة أقل.

2. التدريب، فمع توفير القرض وجب تدريب المستفيدين على المهارات الأساسية المطلوبة لريادة الأعمال بصورة تناسب فهمهم وإدراكهم. بالإضافة إلى ذلك وجب التدريب على حرفة وتقديم فكرة مشروع مع القرض يقدم منتج مطلوب في السوق المحلية على مستوى القرية أو المدن القريبة جغرافيًّا من تلك القرية.

3. توفير أسواق لتصريف تلك المنتجات فمثلًا من أسابيع قابلت رجل أعمال سويدي يزور مصر للمرة الأولى ويعمل في مجال التوريدات والمعدات الخاصة بالمخابز وهو من المهتمين بمحاربة الفقر في العالم واقترح مشروعًا غذائيًّا بسيطًا يمكن أن يمده بقطع المانجو المجمدة لزبائنه.

وعليه فإن وفرنا الأسواق والتدريب والتمويل وأزلنا المعوقات الورقية والضريبية ننجح في معالجة القراءة الثالثة. أخيرًا ليس عيبًا أن يكون لدينا فقراء إنما العيب ذاته في أن نقف منهم موقف المتفرج وننشغل بتبريرات وحجج واهية يمكن بسهولة تفنيدها.

الرابط المختصر