PHC 728X90

مصر على أبواب مغاره علي بابا القرن الواحد والعشرين

محسن عادل خبير اقتصادي

لعل لا يوجد طفل على وجه البسيطة لم يسمع حكاية علي بابا الذي خدمه الحظ والفطنة في الاستيلاء على كنز عصابة الأربعين حرامي من المغارة السحرية فقط لأنه امتلك ذاكرة قوية لتذكر كلمه السر كما امتلكت جاريته قدرات تحليلية هامة لاكتشاف العصابة المختبئة في جرار زيت.

لا أعرف لماذا تدفقت هذه الأفكار مجتمعه وأنا أطالع تقريرًا لـ”بلومبرج” حول مصرف “ماي بنك” التابع لشركة “آنت فاينانشيال سيرفسيس”، والذي أسسه الملياردير الصيني “جاك ما” مالك شركة علي بابا الناشطة في مجال التجارة الإلكترونية وأحد اللاعبين الرئيسيين في هذا المجال ليحصل المقترض على الأموال دون احتكاك بالعنصر البشري أو تكديس الأوراق في حقيبة خاصة أو حاجة للانتظار في طابور العملاء ورغم حداثة عمر المصرف (4 أعوام) فقد أقرض 290 مليار دولار لنحو 16 مليون شركة صغيرة.

المحور الرئيسي لهذه الخطوة التي أتصور أنها في طريقها للتوسع بقوة عالميًّا حاليًا تتمحور في معرفة ثلاثة عوامل الأولى في معرفة مصادر النمو الاقتصادي ومحركاته داخل الدولة فالشركات المتوسطة والصغيرة تمثل المحور الرئيسي في النمو الاقتصادي لأغلب الاقتصاديات الناشئة وعلى رأسها الصين وهو ما يستدعي زيادة ديناميكية تفاعل القطاع المصرفي كممول لها.

العامل الثاني هو الاستفادة من الطفرة التي تتجه لها المعاملات الإلكترونية عالميًّا والتي تعتبر محور النمو الاقتصادي الصيني حاليًا وهو ما حول الصين إلى أكبر سوق للمدفوعات الإلكترونية في العالم أما العامل الثالث فهو ما وصلت إليه تقنيات تحليل البيانات الكبيرة Big Data Analysis ووفقًا للتقرير يستغل البنك بيانات الدفع في الوقت الفعلي ونظام إدارة المخاطر لتحليل آلاف المتغيرات المتعلقة بعملية الإقراض .

أسعدني كثيرًا أن أرى هذا الاتجاه حاليًا كرؤية حقيقية تقوم بها مصر كنتيجة لتطوير بنية الدولة ضمن عملية التحول الرقمي لأجهزتها، فخلال جلسة المؤتمر الوطني السابع للشباب تم إطلاق مبادرة التحول الرقمي، في ظل تأكيد رئيس الجمهورية على أن عملية التحول الرقمي للدولة هي مسألة “أمن قومي” وأن التأخر في التحول الرقمي، ترتب عليه التراجع في عدة مجالات، وإن مصر ستكون قادرة من خلال هذه المنظومة الجديدة على رؤية الواقع وتحسين أداء الدولة بشكل يليق بمصر خلال السنوات القليلة المقبلة.

في ظل هذه الخطوات عالميًّا واتجاه مصر للحاق بها يجب أن يدرس بدقة هذه التجربة في ظل التقدم الذي برز مؤخرًا في مجال المعاملات المصرفية الإلكترونية خاصة في مجال الإقراض فالبنك الجديد يقدم معاملاته من خلال الهاتف المحمول والمقترضون يستلمون النقود فورًا حال الموافقة، وهذه العملية إلكترونيًّا تستغرق 180 ثانية (ثلاث دقائق) في غياب تام للعنصر البشري من جانب المصرف الذي سجل عملاؤه معدل تخلف عن السداد يبلغ 1% .

كما إن معدل الموافقة على القروض لدى “ماي بنك” أعلى بأربعة أضعاف المقرضين التقليديين، الذين يرفضون عادة 80% من طلبات القروض للشركات الصغيرة ويستغرق الأمر منهم نحو 30 يومًا لمعالجة الطلبات المقدمة لهم وذلك كله وفقًا لتقرير بلومبرج والذي أرجع ذلك صراحة لحصول “ماي بنك” وأقرانه على بيانات جديدة باستمرار عبر أنظمة الدفع ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المصادر، فإنهم يشعرون بمزيد من الراحة والأمان تجاه المقترضين الصغار علمًا بأنه وفقًا للتقرير السابق فإن المصرف يخطط لمضاعفة قائمة المقترضين خلال السنوات الثلاث المقبلة، ويشير إلى أن التكلفة التشغيلية للبنك الذي يتخذ من هانغتشو مقرًّا له تبلغ ثلاثة يوانات للقرض الواحد، مقابل 2000 يوان لدى المنافسين التقليديين.

إن الأمر يحتاج الآن إلى إعادة نظر شاملة في الإمكانيات التي تحتاج إليها مصر حاليًا لاستخدام البيانات الضخمة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتقديم القروض حيث يستلزم ذلك إلى البيئة التنظيمية التي تسهل توليد كمية هائلة من البيانات وأتصور أن ذلك أمر ليس بعيد المنال في ضوء الخطوات الحالية التي تقوم بها مصر في هذا المجال خاصة إذا تزامنت تلك المتغيرات مع صدور بنك الاستثمار العالمي مورجان ستانلي حول الاقتصاد المصري مشيرًا إلى أن الاستهلاك لم يعد هو قائد النمو كما كان الوضع حتى 2015.

ولكن مع ارتفاع سعر صرف الجنيه في 2019 وانتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي، تبدأ معدلات الاستهلاك في التعافي، كل هذا جعل مصر قصة إصلاح اقتصادي عظيمة في عيون الأسواق العالمية مع الإشارة إلى التفاؤل بمستقبل الاقتصاد المصري الذي تجاوز مرحلة الإصلاح المالي، ما يتيح مساحة أكبر لدعم وتحسين تنافسية القطاع الخاص، خاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ونحن نعتقد أن مصر في طريقها لانطلاقة أكبر.

كما أنه وفقاً لتقرير وزارة التخطيط فإن العمالة غير الرسمية في مصر تشكل نحو 40% من المشتغلين، وقد سعت الدولة لدمج القطاع غير الرسمي القيام بوضع نظام ضريبي مبسط للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وقانون تنظيم وسائل الدفع غير النقدي، إلى جانب قانون الإجراءات الضريبية الموحدة، فضلًا عن مبادرة الشمول المالي وتطبيق الفاتورة الضريبية الإلكترونية، مع القيام بوضع حزمة من الحوافز للعمالة غير المنتظمة في قانون التأمينات الجديد إلى جانب إتاحة تمويل بحوالي 60 مليار جنيه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وهو ما يعني أن البداية قد انطلقت نحو تحويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى محور فاعل في الاقتصاد إلا أنه يجب أن يتكامل ذلك مع سياسات ضريبية وآليات تراخيص ومراقبة تهدف لتنمية هذا القطاع ودمج القطاع غير الرسمي من خلال سياسات نمو احتوائي حقيقية .

ومن هذا المنطلق فإن المشهد الاقتصادي المصري الحالي لا يحتمل استمرار ارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول، فالتضخم ما زال مدفوعًا بشكل أساسي بالتكلفة وليس بارتفاع الطلب على السلع والخدمات أو ارتفاع الدخول المتاحة للإنفاق، وبالتالي تبقى قدرة أسعار الفائدة المرتفعة على تحجيم هذا النوع من التضخم محدودة، ولا بد من إعادة النظر في أسعار الفائدة كما أن ذلك يأتي في ظل تحسين مناخ الاستثمار المستهدف من الحكومة المصرية بالاعتماد على تكنولوجيا المعلومات في تهيئة بيئة عمل محفزة وخلق منظومة متكاملة من عدة حلول ومزايا، تهدف إلى الإسراع بتنمية القطاع وتمكينه وتسهيل إجراءاته الحكومية وتشجيعه على الاستثمار على كافة مراحل تطور الصناعات الصغيرة والمتوسطة، بدءًا من نشأة فكرة المشروع، مرورًا بمرحلة البدء فى المشروع ثم تعظيم فرص نجاحه، والعمل على تذليل العقبات التي تواجه المشروعات المتعثرة فى قطاع الأعمال بالإضافة إلى التشجيع على الدخول في القطاع الاقتصادي الرسمي.

من الهام وضع خطة عمل لزيادة معدلات التوعية المصرفية من ناحية خاصة للأفراد مع إطلاق حملات توعية مكثفة على مستوى الجمهورية لزيادة الوعي والتثقيف المالي وتوضيح أهمية استخدام البنوك في كافة التعاملات المالية للمواطنين وكذا التعريف بنظام المدفوعات الإلكترونية في كافة الخدمات التي تقدم من الدولة لتقليص عملية السداد النقدي تدريجيًّا، مع تدشين برنامج متكامل لزيادة عدد فروع البنوك وماكينات الصرف الآلي وتفعيل دور مكاتب البريد وفروع بنك التنمية والائتمان الزراعي في تنفيذ هذه الخطة مع تخفيف شروط وإجراءات ورسوم فتح الحسابات المصرفية بالبنوك مع ضرورة تطوير البنية التحتية لمنظومة تكنولوجيا المعلومات بالبنوك كذا لشبكات الاتصالات مع الاستمرار في زيادة أعداد نقاط البيع وتنشيط تنفيذ الخدمات المصرفية عبر شبكات الإنترنت والمحمول.

ويستلزم هذا وضع برنامج زمني يعقب هذه المرحلة لبدء تخفيض استخدام الكاش في الجهات غير الحكومية وتشجيع عملية المدفوعات الإلكترونية مع ربط كافة خدمات الكروت الإلكترونية بكارت واحد فقط (التموين – المعاشات – صرف المرتبات الحكومية – التأمين الصحي)، على أن تتزامن تلك الخطوات مع ضرورة تفعيل برنامج تقنين الملكيات العقارية والأنشطة التجارية من خلال تبسيط إجراءات قيد وشهر كافة العقارات غير المسجلة واللجوء لنظام القيد بنظام السجل العيني وليس بالنظام المستخدم حاليًا وكذا تبسيط إجراءات القيد بالسجل التجاري مع أهمية البدء بفاعلية في خطوات ضم الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي بإطلاق القانون الخاص بإدماج القطاع غير الرسمي والذي يتضمن تقديم حوافز تمويلية بفائدة مميزة إلى جانب تسهيلات في إجراءات استخراج التراخيص والتنظيم الضريبي لحفز هذا القطاع الذي يعد المصدر الرئيسي للاقتصاد النقدي بمصر على الانضمام للمنظومة الإلكترونية الجديدة. .

الرابط المختصر