PHC 728X90

ما تحتاجه الشركات الصغيرة والمتوسطة

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية

تراهن الدولة في السنتين الأخيرتين على الشركات الصغيرة والمتوسطة وتهتم بها اهتمامًا خاصًّا لدورها الاستراتيجي في المساهمة في زيادة نمو إجمالي الناتج المحلي والذي وإن كان واحدًا من الأعلى والأفضل بين بلدان كثيرة إلا أنه لا يزال يلهث وراء معدلات الاستدانة المرتفعة.

والمشروعات الصغيرة والمتوسطة لها بعد اجتماعي مهم جدًّا فهي توفر الفرصة البديلة للزحام في سوق العمل الذي لا يوفر الكفاية للباحثين الجدد عن إهمال كل عام.

فمعدل زيادة السكان السنوية هو 2.5% أي أن نحو مليوني ونصف مواطن سيتقدمون للبحث عن فرص عمل جديدة سنويًّا. واهتمام الدولة هو اهتمام عالمي أيضًا فالبنك الدولي ومؤسسات دولية كبيرة أفردت إدارات ومؤتمرات خاصة بالشركات الصغيرة والمتوسطة لتحفيزها ومساعدتها وتقديم سبل النجاح لها.

فتلك المشروعات تمثل نحو 45% من إجمالي الناتج العالمي وتوظف من 50% إلى 60% من العمالة بالعالم. وتتميز تلك الشركات باستيعابها للعمالة الأقل كفاءة والتي لا تستوعبها الشركات الكبرى نظرًا لاعتمادها على تقنيات غير حديثة وأقل في متطلباتها من كبرى الشركات. كما تتميز بلا مركزيتها وانتشارها في جميع المحافظات بعكس الشركات الكبيرة التي تتمركز في المدن الصناعية والمدن الكبرى.

قدمت الدولة الكثير من أجل تحفيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة من تعديلات تشريعية واتفاقات دولية وأجهزة خاصة واهتم بها سيادة الرئيس وكان من أول المبادرين لحل مشكلة التمويل ووجه البنك المركزي للمبادرة الشهيرة لتمويل تلك الشركات بفائدة محفزة جدًّا.

كذلك ستخصص الدولة نسبة من المشتريات الحكومية مقتصرة على المشروعات الصغيرة والمتوسطة لتحفيزها بالإضافة إلى التعديلات المستمرة في التشريعات الخاصة بها.

إذن فهناك إرادة سياسية من أعلى سلطة في الدولة متمثلة في الرئيس ومحركة لكافة الوزارات والأجهزة لإنجاح وتحفيز تلك المشروعات ولا يمكن لها أن ترى النور دون ذلك. ولكن لا تزال بيئة الأعمال عامة وتلك الخاصة بالصغيرة والمتوسطة منها بالتحديد تواجه كثيرًا من الصعوبات والتحديات على أرض الواقع وأريد هنا أن أطرح بعض الأفكار التي تناقش تلك المتطلبات.

أولًا: التمويل، فبدون تمويل لا يمكن لأي مشروع أن يبدأ وإن بدأ بالتمويل الذاتي فإنه يحتاج إلى التمويل المصرفي للاستدامة والنمو. ومبادرة المركزي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تزال تفتقر إلى آليات للتنفيذ.

فالبنوك الموجودة بمصر معتادة على التعامل مع الشركات الكبرى والشركات الصغيرة تمثل بالنسبة لها نوعًا مختلفًا من المخاطر لا يمكن التعامل معه بنفس الطريقة التي تعامل بها عملاءها الكبار وهي ليست بالمرونة الكافية لتغيير سياساتها للتعامل مع تلك الشركات وإن أفردت إدارات خاصة. لذلك فإنه في تجارب الدول التي سبقتنا توجد بنوك متخصصة لإقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة تخضع لمعايير مختلفة من قياس المخاطر والمتطلبات والمستندات المطلوبة من تلك الشركات للحصول على تلك القروض. فيجب على البنك المركزي السماح بإنشاء بنكين على الأقل متخصصين في تمويل تلك المشروعات.

ثانيًا: يحتاج التمويل إلى تصنيف ائتماني والتصنيف الائتماني هو دراسة متخصصة ومستفيضة للتأكد من جدارة الشركة في الحصول على التمويل اللازم وقدرتها على السداد من خلال دراسة بيانات الشركة والبيئة المحيطة بها والنشاط الذي تعمل به.

ولا يوجد في مصر حتى الآن جهة مرخصة للقيام بهذا الدور نظرًا لاشتراطات غير مبررة تم العدول عن بعضها كحتمية وجود شريك أجنبي وما زال الآخر موجودًا دون سبب منطقي كرأس مال مرتفع لا احتياج أو سند له مرتبط بطبيعة عمل الشركة. وإسناد تلك المهمة لشركات تمارس هذا النشاط بصفة عامة وغير متخصصة سيؤدي لنتيجة مشابهة لتلك التي وصلت لها البنوك في التمويل.

ثالثًا: الضرائب، ما زالت الثقة شبه منعدمة بين مصلحة الضرائب وطريقة عملها والمستثمر وطريقة عمله ولا تزال السياسات الضريبية وتعدد الأوعية الضريبية التي تخضع لها الشركات غير محفزة إطلاقًا وتدفع الكثير منها إلى الدائرة الرمادية من الاقتصاد غير الرسمي.

فلن تنجح تلك الشركات وتصب في إجمالي الناتج المحلي والبيانات الرسمية إلا بالإصلاح الضريبي وبآليات إلكترونية واضحة وشفافة وخالية من التقديرات البشرية الجزافية وتغيير ثقافة تلك المصلحة التي كانت قد قطعت مسافة لا بأس بها في ذلك الاتجاه ثم تراجعت عنه بداية من عام 2011 .

رابعًا: المبادرات والمنصات التي تتيح التعريف بتلك الشركات وأنشطتها وتوفير معلومات عنها وعن منتجاتها وخدماتها وكيفية الوصول إليها وهذا دور الجهات العامة والوزارات المعنية كالاستثمار والصناعة وهو دور به كثير من الضوضاء دون قيمة حقيقية.

خامسًا: إزالة المعوقات الإدارية والبيروقراطية فلا أجد سببًا يجبر المستثمر للتوجه لاستخراج سجل تجاري كل ثلاثة أشهر للحصول على خدمات بنكية مثلًا. فكل ما يريده البنك التحقق ممن له حق التوقيع ويمكن لهيئة الاستثمار تقديم تلك الخدمة عن طريق الربط الإلكتروني مع البنوك وهناك الكثير من الأمثلة التي تحسن من بيئة الاستثمار التي ما زلنا بعيدين عنها خاصة للشركات الصغيرة التي لا تحتمل الأعباء الإدارية وتكاليفها التي يمكن تفاديها بالربط الإلكتروني.

هذه أمثلة قليلة لمعوقات ومحفزات يمكن أن تحقق مكاسب سريعة وسهلة نحو تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة لخدمة ونمو اقتصادنا القومي وتوفير المزيد من فرص العمل لمواطنينا.

الرابط المختصر