ثلاثة علوم نحتاج بشدة إليها

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية – بالمناهج التعليمية علوم كثيرة بعضها يندر استخدامه ويطويه النسيان سريعًا بعد دراسته، وأحيانًا ينسى الطلبة في نهاية الفصل الدراسي ما درسناه في أوله فأذكرهم باستمرار حتى يتم تثبيت المعلومة في أذهانهم. فإن بدأوا حياتهم العلمية وجدوها حاضرة في أذهانهم لتطبيقها واستخداماتها، وإلا فلا فائدة أو نفع من المجهود الرهيب الذي يبذله الطالب في المذاكرة والتعليم.

تابعت في الأشهر القليلة الماضية تطورات العمل بمصر الجديدة وسافرت بالخارج قبل تشغيل الطرق الجديدة وكنت أتابع عدم رضا أهلها وشكواهم من التغيير ونتيجته بعد شكواهم من كيفية تنفيذ المشروع الذي نقصته كثيرًا معايير السلامة والاهتمام بالجمال وراحة المواطنين.

وعند عودتي ونظرًا لارتباطي بذلك الحي الذي كان جميلًا وجدتني أمام كل مرة أتحرك فيها من نقطة لأخرى بمصر الجديدة كالتلميذ أمام مسألة في الرياضة يجب أن تحل قبل النزول. والفرق هو عدم وجود أي وسائل مساعدة سوى الاستعانة بالأصدقاء الذين عرفوا سبل تلك المناطق بالتجربة.

لاحظت أيضًا ما لم أشاهده في أي مدينة في العالم وهو أن معظم الطرق الجانبية مسموح فيها بالقيادة في اتجاه واحد وهو نفس الاتجاه الذي يصب في المحاور الرئيسية وعادة ما تتقاسم تلك الشوارع الاتجاهين كوسط القاهرة مثلًا حتى تسهل الوصول من مكان لآخر دون إضاعة الوقت وحرق الأموال في صورة وقود مهدر.

هنا حضرت في ذهني علوم ثلاثة كنا قد درسناها وكان يمكن أن تجنبنا كثيرًا من سلبيات مشروع تطوير مصر الجديدة ومشروعات أخرى فوددت أن أشارك بها لعل ذكرها يكون مفيدًا للمحليات والمرور والقائمين على الطرق وفي العموم.

أولًا: علم المحاكاة ( Simulation ) وهو علم تطور كثيرًا باستخدام التكنولوجيا الحديثة. علم المحاكاة هو ببساطة إعادة تجربة ما أو عملية ما في ظروف صناعية مشابهة إلى حد كبير للظروف الطبيعية بهدف بناء نماذج بالتكنولوجيا الحديثة أو برمجيات لتقليد نظام حقيقي قائم ومخطط إنشاؤه بهدف دراسة النتائج المترتبة على ذلك حتى يمكن الوصول بالمخطط لأفضل النتائج قبل تطبيقه في الواقع.

وللمحاكاة استخدامات كثيرة أشهرها في التدريب على الطيران حيث يتدرب الطيارون على أنظمة مطابقة لتلك الطيارات لتجنب الخسائر. والمحاكاة للتغيرات التي حدثت لمصر الجديدة كانت ممكنة لأن لدينا الآن كاميرات في الشوارع متصلة ببرامج قادرة على إمدادنا ببيانات شبه دقيقة عن عدد السيارات التي تمر كل وحدة زمنية من كل شارع واتجاهاتها إلى آخره.

تلك البيانات إن حللناها وطبقناها على نماذج للمحاكاة كان يمكن أن تعرفنا بسلبيات التخطيط قبل التنفيذ فنعدل المخططات حتى نصل للنتيجة الأفضل.

ثانيًا: علم بحوث العمليات ( Operation Research ) وهو علم قديم جدًّا ويعتبر فرعًا من فروع الرياضيات درسته في البكالوريوس وتم تطويره أيضًا باستخدام التكنولوجيا حتى أطلق عليه البرمجة الرياضية. تستخدم في بحوث العمليات طرق النمذجة الرياضية والتحليل الإحصائي للوصول للحل الأمثل واتخاذ القرارات.

فمثلًا لو كانت هناك مصلحة حكومية كالشهر العقاري وعرفنا متوسط الوقت اللازم لخدمة المواطنين وكم مواطنًا يحتاج للخدمة كل يوم وساعات وأيام الذروة إلى آخره من بيانات موجودة.

نقوم بترجمة تلك المعطيات والبيانات إلى نموذج رياضي قادر على التنبؤ وبدقة بعدد الموظفين اللازمين لإنهاء تعاملات المواطنين بأقصى سرعة. ذلك العلم نحتاجه وبشدة لضبط المدد الزمنية لكل إشارة مرورية مثلًا للوصول لأقل مدة انتظار وهي شبكة مترتبة على بعضها البعض لو قرر أحد المسؤولين عن تشغيلها خروج واحدة منها ثم تشغيلها منفردة طبقًا لتصوره أضر بالمنظومة كلها ووجب تشغيلها معًا من جديد.

أخيرًا علم التواصل ( Communication ) وما أسهل التواصل الآن باستخدام التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي فالحكومة والمحليات تعمل ليلًا نهارًا لتحسين أحوال المواطن وإن تم التواصل مسبقًا على الخطط المتوقع تطبيقها والمزمع أن تؤثر على حياة المواطن اليومية واستقبال الآراء والأخذ بها واطلاع المواطنين على ما سيكون بعد تنفيذ تلك المشروعات بفترة كافية لكان وقع تلك التغيرات على الموطنين أخف وكان التنفيذ أفضل.

أما المفاجأة في التطبيق والنتائج جعلتنا نحس بأننا ضيوف على تلك المحليات والحكومة في مدينتهم التي يخططون لها بمعزل عنا وكما قال جبران «بين منطوق لم يُقصَد، ومقصود لم يُنطَق، تضيع الكثير من المحبة».

لا قيمة للعلم يا سادة دون تطبيقه وأتمنى أن تكون لتلك المقالة مفعول إزالة الغبار عن تلك العلوم لاستخداماتها إذ إننا في أشد الحاجة لها ولغيرها حتى نرجع مصر إلى المكانة اللائقة بحضارتها وتاريخها ونزيد بدلًا من أن نقلل من مؤشر السعادة لدى المواطن مع الوصول لنفس الأهداف والنتائج المرجوة من المشروعات.

الرابط المختصر