الحاجة لموجة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية

CairoBank

بقلم محسن عادل نائب رئيس الجمعية المصرية لدراسات التمويل والاستثمار _ منذ أيام قليلة قال المتحدث باسم صندوق النقد الدولي، جيري رايس، إن مصر تحتاج إلى موجة جديدة من الإصلاحات، تهدف إلى تنشيط القطاع الخاص وزيادة فرص العمل مضيفًا أن صندوق النقد الدولي مستعد لدعم مصر في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة، بجميع الطرق الممكنة وعبر  عن اعتقاده بأن مصر تشاركه نفس الرأي، بحاجة البلاد لمزيد من الإصلاحات التي تدعم دور القطاع الخاص، وتزيد من فرص العمل في البلاد وذكر أن البرنامج الذي نفذته مصر كان ناجحًا في جلب الاستقرار للاقتصاد المصري وانتعاش النمو وتراجع التضخم وعجز الميزانية لكنها بحاجة لمواصلة إصلاح الشركات منوهًا إلى أن هناك مباحثات لتحديد نوعية تدخل الصندوق المناسب أكثر لمصر مستقبلًا.

القراءة المتأنية للتقرير الذي أصدره البنك الدولي مؤخرًا بعنوان «الارتفاع إلى آفاق أعلى: تشجيع المنافسة العادلة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» تكشف عن تطورات هامة على مستوي الاقتصاد المصري لعل ابرزها أن متوسط التسهيلات الائتمانية والقروض الممنوحة للشركات الخاصة بلغ 22% فقط من إجمالي التسهيلات الائتمانية والقروض المحلية خلال السنة المالية 2019 (أقل قليلًا من السنة السابقة).

المؤشر الذي أشار إليه التقرير من انخفاض حجم الائتمان الممنوح للقطاع الخاص من قبل القطاع المصرفي كنسبة من إجمالي الائتمان كان عاملًا حاكمًا في انخفاض التمويل المتاح للقطاع الخاص للاستثمار في القطاعات الإنتاجية والإنشائية وأنشطه التطوير والتمويل العقاري الداعم للإسكان وغيرهم مما كان عامًا حاكمًا في انخفاض معدلات الاستثمار خاصة الأجنبي، لهذا سيظل قطاع النفط والغاز والتعدين الهدف الرئيسي لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر على المدى القصير في ضوء الاكتشافات الجديدة إلا أن انخفاض أسعار الفائدة وتنامي ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد المصري من شأنه أن يدعم تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى القطاعات الأخرى.

ومع ذلك فإن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلة تحتاج إلى أكثر من مجرد تحسن في أسعار الفائدة فهناك حاجة إلى إصلاحات هيكلية إضافية تعالج العوائق الاستثمارية، بما في ذلك الجهود المبذولة لتحسين بيئة الأعمال، ومرونة سوق العمل ومكافحة البيروقراطية وزيادة الشراكة مع القطاع الخاص ونتيجة لذلك فيجب تبني منهج متكامل لآليات تنشيط الاستثمار الأجنبي بدءًا من استكمال إصلاح البيئة التشريعية بحيث تصبح أقل تعقيدًا وأكثر شفافية بجانب تشجيع المزيد من الاستثمارات الأجنبية والمحلية، مع توفير حوافز تشجيعية في إطار قانون الاستثمار الجديد وإعطاء أولوية لتنمية المناطق الواعدة.

قد يمثل أحد محفزات الاستثمارات استبدال التشريعات العديدة الخاصة بالأراضي بقانون موحد ومبسط لإدارة أراضي الدولة. بجانب زيادة مخصصات هيئة التنمية الصناعية من الأراضي لطرحها على المستثمرين وفق آليات موضوعية وشفافة وأن يرتبط دعم الصادرات أو استبدال الواردات بمجموعة من الحوافز غير النقدية، مثل تخصيص الأراضي وترفيقها، وتدريب العمالة، وحوافز جمركية وضريبية، وتشجيع إدخال تقنيات إنتاج حديثة، وتعديل نظام المساندة التصديرية بما يضمن تعميق الصناعة ومنح الدعم لمن يستحق.

يجب أن تعمل مصر على تحفيز الاستثمار الداخلي مع الأجنبي في ظل عدم وضوح الرؤية بالنسبة لحركة التجارة العالمية والاستثمارات، فيجب التركيز على الصناعات التي يتم استهلاك مخرجاتها داخليًّا مع عدم إغفال الصناعات التصديرية حتى لا يتأثر الميزان التجاري وسعر صرف الجنيه المصري، خاصة إذا ما وضعنا في اعتبارنا أن حدوث أزمة اقتصادية من الممكن جدًّا أن يؤثر على استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية وهو ما قد يؤدي إلى العودة إلى نفس الأزمة السابقة إذا لم يتم تحفيز الإنتاج عمومًا وخاصة الاستثمار الرأسمالي ويستدعي ذلك صياغه استراتيجية فعالة لتحفيز نمو القطاع الخاص تتضمن المزيد من المحفزات. خاصة المالية والمصرفية مع السعي الجاد لخفض تكلفة الإنتاج المحلي في مختلف القطاعات وزيادة قدراته التنافسية من أجل فتح آفاق رحبة للنفاذ بقوة للأسواق العالمية.

ينبغي هنا في هذه الاستراتيجية الإصلاحية إدراك أن التحدي الأساس للاستثمار ليس في الحصول فقط على ترتيبات متقدمة في مؤشرات التنافسية ولكن في تحقيق التحسن المستمر في هذه الجوانب، مع إدراك حقيقة تدفق الاستثمارات للاقتصاد، فرغم أن المؤشرات قد تقدم انطباعًا جيدًا، إلا أن الأهمية الحقيقية تكمن في قدرات الاقتصاد نفسه على منح المستثمرين عوائد إيجابية في ظل مناخ استثماري محفز.

كما يجب الأخذ في الحسبان أن الحكومة تبذل جهودًا كبيرة لتحسين مناخ الاستثمار وتيسير أداء الأعمال وتذليل العقبات التي تُواجه القطاع الخاص لجعل القطاع الخاص له دور أكبر في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة مستقبلًا إلا أنه يجب أن تدرك الدولة أنها لا تستطيع وحدها خلق الوظائف الضرورية، وأن التحسن الحالي الذي تحقق على مستوى البنية التحتية والحالة الأمنية والتشريعية يسهم إذا أحسن استغلاله في اجتذاب مستثمري القطاع الخاص خاصة أن التحسن في بيئة الأعمال والذي تم تسهيله من خلال الإجراءات والبرامج الحكومية التي أدت إلى تعزيز النمو الاقتصادي، ساعد في بروز موقع مصر على خريطة الاستثمار العالمية.

ويتبقى أن هناك ضرورة لقيام البنك المركزي المصري بتدشين حملة مكثفة لبرنامج لتقديم تمويل منخفض التكلفة بالنسبة لشراء الآلات والمعدات الرأسمالية مع توسيع قاعدة البرنامج ليشمل تطوير وتحديث الطاقات الإنتاجية الحالية وتطويرها كما أنه من الهام في ظل المتغيرات الحالية إعادة النظر في القيود المفروضة على مساهمة البنوك في رؤوس الشركات الجديدة وهو ما يحد من تنويع العملية التمويلية

إننا نقترب الآن من الموجة الثانية من الإصلاحات الاقتصادية، والتي تستهدف إطلاق طاقات الاستثمار، وتتوسع في برامج الحماية الاجتماعية فالموجة الثانية تختلف عن الأولى، لأنها تحتاج إلى إصلاح المناخ المؤسسي وتحتاج أيضًا إلى تطوير دور الدولة في النشاط الاقتصادي بجانب التوسع في الشراكات مع القطاع الخاص فالإصلاح في مجالات مثل الحوكمة والتمويل المحلي والخارجي والتجارة وأسواق المنتجات والعمالة قد يحقق مكاسب على المدى المتوسط وهي إصلاحات لا يستلزم معها تكاليف اقتصادية كلية قصيرة الأجل ويمكن أن تتحقق مكاسب كبيرة في الإنتاج والعمالة على المدى المتوسط ​​إلى الطويل.

هناك أهمية لمواصلة التحول الهيكلي لخلق بيئة أعمال مواتية للمنافسة، وتعزيز دور القطاع الخاص ليكون قادرًا على توليد وظائف أكثر وأفضل، مع تحسن البيئة العامة للاقتصاد الكلي في مصر كما يجب أن تعمل مصر على تحفيز الاستثمار الداخلي مع الأجنبي في ظل عدم وضوح الرؤية بالنسبة لحركة التجارة العالمية والاستثمارات، فيجب التركيز على الصناعات التي يتم استهلاك مخرجاتها داخليًّا مع عدم إغفال الصناعات التصديرية حتى لا يتأثر الميزان التجاري وسعر صرف الجنيه المصري، خاصة إذا ما وضعنا في اعتبارنا أن حدوث أزمة اقتصادية من الممكن جدًّا أن يؤثر على استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية وهو ما قد يؤدي إلى العودة إلى نفس الأزمة السابقة إذا لم يتم تحفيز الإنتاج عمومًا وخاصة الاستثمار الرأسمالي.

المؤشرات الاقتصادية تكشف عن أنه ينبغي على مصر تعزيز محركات نمو اقتصادي جديدة وتكثيف الإصلاحات الاقتصادية مع التأكيد على أن مصر لديها هامش مناورة كبير لمواصلة آلية النهوض الاقتصادي «فالمحركات القديمة للنمو تتأثر» لهذا تبرز أهمية تعزيز الابتكار وتشجيع التكنولوجيات الجديدة ولا سيما لتطوير الاقتصاد الرقمي وهو في خضم نموه حاليًا، مع ضرورة إلغاء العقبات التي لا تزال موجودة في الاقتصاد وتخفيف العقبات أمام المنافسة في السوق مع الاهتمام بتقديم دعم أكبر للشركات الصغيرة والمتوسطه وتدعيم سلاسل القيمة بصورة أكبر وتقديم محفزات لها.

الموقف الاقتصادي المصري يحتاج إلى مراجعة بعض النقاط الجوهرية مثل اتباع سياسات تحفيزية لعدد من القطاعات الاقتصادية والسعي لاستراتيجية توسعية لتنمية الصادرات والحد من تنامي الواردات مع السعي لزيادة معدلات اجتذاب الاستثمارات والاستمرار في تنشيط السياحة مع إجراء تعديل جوهري في سياسات الإقراض المصرفي ووضع آلية لإنهاء التعثر خاصة في المصانع ذات الأصول الإنتاجية.

إن التحدي الأساس للاستثمار ليس في الحصول فقط على ترتيبات متقدمة في مؤشرات التنافسية ولكن في تحقيق التحسن المستمر في هذه الجوانب، مع إدراك حقيقة تدفق الاستثمارات للاقتصاد، فرغم أن المؤشرات قد تقدم انطباعًا جيدًا، إلا أن الأهمية الحقيقية تكمن في قدرات الاقتصاد نفسه على منح المستثمرين عوائد إيجابية في ظل مناخ استثماري محفز مع وضع الخطط والسياسات التي تساعد على الابتكار وتوطين التكنولوجيا، وذلك بالتركيز على تطوير البحث العلمي.
(تمت الاستعانه في المقال بآراء ومقالات منشورة من مصادر متعددة)

الرابط المختصر