حان الوقت لنسترد منابرنا

CairoBank

د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية _ عانت الثقافة والفن والأدب قبل بدايات القرن الماضي وفي مطلعه، وكان عصر الهبوط نتيجة الحكم العثماني والعزلة التي فرضها العثمانيون على مصر والدول التي وقعت تحت سيطرتهم حتى بدأت بوادر النهضة الفكرية والثقافية ببعثات بدأت في عصر محمد علي وظهرت نتائجها بقوة في القرن الماضي الذي أفرز لنا أعظم ما لدينا من شعراء وأدباء ومطربين وممثلين، وكان مميزًا بالإنتاج الغزير والجمهور الذواق للإبدع وأرقى ما أنتجت تلك الحقبة وعظمائها مثل أحمد شوقي ونجيب محفوظ ويوسف وهبي وأم كلثوم .

من أبرز عوامل نهضة الثقافة في تلك الفترة انتشار المدارس والطباعة والمكتبات والصحف والجمعيات العلمية والأدبية -والتي تعادلها منظمات المجتمع المدني الآن- وكلها منابر أو قنوات اختارت أن تحمل المحتوى الراقي وتشعل به ثقافة منطقة بأكملها وكانت مصر المحطة الرئيسية التي لا بد لأي فنان عربي يريد الانطلاق أن يبدأ منها. كان الفنان مثالًا يحتذى بمظهره ولغته وسلوكه مما دفع أجيالًا أن تقتدي بهم ويكفي أن ترى جمهور أم كلثوم أو أي مباراة لكرة القدم في منتصف القرن الماضي لتتأكد من ذلك.

حاضرنا الأدبي والفني والثقافي غير مشرف إذا ما قارناه بالماضي ويكفي أن تقارن صور أي جمع في الستينتيات بما يعادله الآن لأسباب كثيرة وأهمها من وجهة نظري: العزلة الفكرية التي فرضها العامة على أنفسهم بالخضوع لمحتوى فكري وثقافي متخلف مدفوع الثمن أوقف محاولات الفكر المستنير وانتشر وأثر حتى على تحيتنا الصباحية ومظهرنا. والثاني هو ترك المثقفين والمستنيرين منابرهم وعدم التصدي بصورة كافية لتلك القوى الجبارة المدعومة بالأموال.

أنتجت تلك الحقبة التي بدأت في أوائل السبعينيات نوعين صارت لهم شعبية جارفة بين كل الطبقات الأول أخذ شكلًا دينيًّا والثاني أخذ شكلًا فنيًّا ونتج عنهما من يقتدي بكلاهما فسمعنا عن جرائم كراهية وجرائم طعن كأحد ممثلي الأفلام الهابطة. وأفردت المنابر الإعلامية والثقافية وحتى أرقى الجامعات مساحات لهؤلاء للظهور وبث المحتوى الهابط والتأثير على المزيد من ضعاف الفكر والحجة والاستنارة.

في علم الاتصال هناك مرسل ومستقبل ومحتوى وقنوات لتوصيل ذلك المحتوى من المرسل وإلى المستقبل. وفي عصرنا الرقمي صارت القنوات متاحة للجميع لصاحب المحتوى الجيد تماما كالرديء وفقدت أي جهة السيطرة على التحكم في المحتوى الذي يمكن أن يصل لمن هم تحت مسؤوليتها ويشكل فكرها ابتداء من الأهل في البيت والمدرسة ومرورًا بالأجهزة الرقابية والحكومات.

صار الهاتف الذكي في يد الجميع وصار لأي طفل أو راشد إمكانية الاختيار لما يريد تصفحه أو مشاهدته أو الاستماع إليه دون وصاية أحد. ولكن ظلت هناك منابر كثيرة مؤثرة جدًّا بل أكثر تأثيرًا متمثلة في المسجد والكنيسة والجامعة والمدرسة والبيت والإعلام والمجتمع المدني تحت أمر من يديرها. في ضمائرنا خلقت القدرة على التمييز بين المحتوي الجيد والرديء ولكن تشكل تلك الضمائر بالبيئة التي تنشأ فيها فإما تصقل قدرتها على التمييز واختيار الجيد أو تضعف تلك القدرة على التمييز.

لعقود عديدة تركنا منابرنا العلمية والثقافية فصارت مرتعًا لعناكب وفئران نشرت الأمراض حتى صارت العامة غير قادرة على التمييز بين الجيد والرديء ووصلنا لفن هابط وكلمات ومناظر لا تخدش الحياء فقط بل تقشعر لها وتشمئز منها الأبدان. أثرت على مجتمعنا وعلى شكله وفكره وسلوكه. علت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا موجة رافضة لبعض جوانب الفن والفكر الهابط أود أن أعتليها وأستخدم تلك المساحة في إبرازها.

نحن أمة شابة يتفوق فيها صغار السن على الكبار في العدد. أمامنا ضمائر قابلة للتشكيل لصقل قدرتها على التمييز لاختيار الجيد والجميل دائمًا. لدينا منابر لا نقدر أن نسيطر عليها وأخرى تحت سيطرتنا فلنستخدمها أولًا لإعلان رفضنا لكل ما هو هابط بغض النظر عن الثوب الذي يتستر خلفه ثم تقديم كل ما هو ممتع وجيد لاسترجاع الجمال والرقي الذي سلب منا.

صار لكل منا منبر مؤثر يتمثل في حساب أو صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي بخلاف القنوات الأخرى فلنحسن استخدامها. هذه رسالتي لكل مواطن أب وأم ومدرس ومدرسة وجامعة وناشر ومنتج وفنان راقٍ وشركة وجمعية ومؤسسة ووزارة وحكومة.

الرابط المختصر