الدب أخطر كثيرا من الفيروس

CairoBank

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية _ من أساسيات الاقتصاد أن السعر هو نقطة تلاقي العرض بالطلب وكلما زاد العرض وقل الطلب انخفضت الأسعار والعكس صحيح.

ومن أساسيات الأسواق أيًّا كان نوعها أنها تتحرك بناء على توقعات المتاجرين بها فلو كانت الأخبار مبشرة بالخير زاد الطلب على السلع وزاد الإقبال نظرًا لإيجابية التوقعات وأملًا في الأرباح الناتجة عن زيادة النشاط المتوقع في حركة السوق، ولو كانت الأخبار سلبية قل الطلب وزاد العرض وانهارت الأسعار والأسواق.

إذن فهناك أخبار توجه التوقعات التي تتحكم في آليات العرض والطلب التي تؤدي إلى الانتعاش أو الكساد. تلك التوقعات لها محركان لا يعملان معًا بل عندما يعمل أحدهما يسكت الآخر وهما الطمع والخوف.

ومن أدبيات الأسواق أيضًا الرمز للأسواق المنتعشة التي تحركها الأطماع في المزيد من المكاسب بالثور المندفع بغض النظر عن المخاطر التي تحدق به والرمز لمرحلة الخوف والكساد والذعر في الأسواق بالدب الذي يتحرك ببطء وحذر شديدين.

بدأت أشهر وكالات الأنباء منذ نحو مئة وخسمين عامًا مثل وكالة رويترز التي كان الغرض من إنشائها نقل الأخبار للأسواق في بريطانيا مباشرة من المستعمرات المنتجة كمصر والهند معتمدة على الحمام الزاجل. فإن كانت أخبار المحاصيل كالقطن مبشرة انتعشت الأسواق والعكس.

ثم تطورت تلك الصناعة بتطور الاتصالات واختراع التلغراف ثم التليفون والكوابل البحرية الرابطة للقارات والإنترنت. وأخيرًا أخذت منحى مختلفًا تمامًا غير وجه الكون باختراع الهواتف الذكية إذ إنها مكنت كل حامل لها بأن يكون مراسلًا متحركًا وناقلًا للأخبار.

بدأت صناعة اأخبار بالرغبة الخالصة في نقل الحقائق وبسرعة وتطورت بعد إنشاء الدول لوكالات الأنباء الخاصة بها لنقل ما تريد الحكومات أن تنقله وفي العقود الأخيرة تحكم رأس المال المالك لتلك الوكالات والمحطات في المحتوى المنقول بغض النظر عن الحقيقة والمصداقية.

كلنا عاصرنا نقل أحداث كاذبة في محطات ووكالات دولية عن شوارع كنا نمر بها ونرى حقيقتها مقارنة بالأكاذيب التي كنا نشاهدها في الأحداث التي مرت بها بلادنا منذ 2011.. وظهرت ساحة جديدة للمعارك بين الدول على الإنترنت عن طريق بث محتوى قد يمثل حقيقة أو نصف حقيقة أو توقعًا على أنه حقيقة أو كذبة أو شائعة.

كل نوع مما سبق يمثل رسالة تعكس غرضًا معينًا لمرسليها وتأثيرًا معينًا على مستقبليها. زاد الطين بلة ما يسمى بالأثر المضاعف “ Ripple Effect “ وهو أن يتلقى إنسان خبرًا ويضيف عليه قبل نقله فيكون تأثير أو وقع الخبر أكبر على المتلقي التالي الذي يدلو بدلوه قبل نقل الخبر لآخر إلى آخره. كما انتشرت أيضًا عادة نقل الأخبار أو الشائعات دون التحقق من التاريخ أو المصدر قبل الإضافة والنقل.

يسود العالم توتر كبير بسبب فيروس كورونا الذي لا أدعي العلم بتطوره وسبل الوقاية الكاملة منه إلا أنه كان له بالغ الأثر على جميع أسواق ودول العالم. حرك ذلك الفيروس الخطير كثيرًا من الخبراء جنبًا إلى جنب مع مدعي الخبرة الآملين في مزيد من الشهرة والأضواء والذين ينشط عملهم في تلك المواسم حراكًا بالغًا في إطلاق التحذيرات والتنبؤ بالتأثيرات الاقتصادية والصحية والتي هي بطبيعة الحال سلبية ومخيفة. كان لهؤلاء بالغ الأثر لإطلاق الدب بعد حقنه بكل أنواع المنشطات ليثير الذعر. استجاب كثير من المسؤولين واتخذوا قرارات بالغة في الحيطة ونابعة من أصوات تلك الدببة المندفعة في كل اتجاه.

خبرة كورونا ليست جديدة على كوكبنا فمن قبلها مررنا بسارس وأنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير وجنون البقر إلى آخرها من أوبئة. مرت أيضًا علينا أزمات اقتصادية كالأزمة العالمية التي بدأت في أمريكا عام 2008. في كل مرة انتشرت التحذيرات المطلقة للمخاوف الهادمة للاقتصاديات والأسواق وحقق القلة من ورائها المبالغ والثروات الطائلة.

في رأيي المتواضع أن كورونا هو فيروس ليس أكثر فتكًا بالمصريين مثلًا من حوادث الطرق وهو ليس الأخطر على الكوكب وسيوجد له العلماء الأدوية والأمصال المناسبة كما فعلوا من قبل. هو بالتأكيد خطر يجب أن نحتاط منه دون أن نخاف ونبالغ في رد الفعل من دافع الخوف الذي هو أكبر أثرًا من دافع الحيطة والحذر فنضر أنفسنا واقتصادنا وكما قال الرائع صلاح جاهين في إحدى رباعياته: «حاسب من الأحزان وحاسب لها.. حاسب على رقابيك من حبلها.. راح تنتهي ولا بد راح تنتهي.. مش انتهت أحزان من قبلهـا؟ عجبي !”

الرابط المختصر