ماهر عشم يكتب: من الذكري إلى الإلهام

CairoBank

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية _ أكثر من نصف المصريين ولدوا بعد انتصارات أكتوبر وسمعوا عنها ولم يعاصروها. ألهمت تلك الانتصارات كثيرًا من المبدعين الذين شاركوا في أعمال غنائية ومسرحية وسينمائية رائعة. كنا ننتظر ونحن صغار تلك الفترة لمشاهدة تلك الأعمال التي جسدت بطولات شعب في صناعة المستحيل. تُوِّجَت تلك الانتصارات من وجهة نظري بالسلام الذي هو الهدف الأسمى لأي معركة.

إضغط لتحميل تطبيق جريدة حابي

مرت بخاطري تلك الأفكار وأنا مار بالأمس بجوار مقر أحد الأحزاب في منطقة قريبة من بيتي حيث أقيمت احتفالات في الشارع كان المشاركون بها من الشباب الذين سمعوا فقط عن تلك الحقبة ولم يعاصروها. كم هو ممتع ورائع أن نتذوق الانتصار حتى في مباراة لكرة القدم. شعور يبعث السعادة والبهجة في القلوب إن استمر.

بالنسبة لي في العام الماضي أضيفت إلى ذكريات أكتوبر تجربة فريدة ملهمة بقدر ما هي مؤلمة للغاية في حياتي برحيل أمي الحبيبة. حياة أمي كانت تجسيدًا مستمرًّا لمعارك عنيفة ومتتالية اختارت أن تخوضها وانتصرت في جميعها. أعرف بعضها ولا أعرف الكثير منها وأسرد القليل على سبيل المثال.

ففي مرحلة الدراسة بكلية الأمريكان بأسيوط اختارت أن تحارب الفقر والجهل والمرض بالريف من خلال زيارات مستمرة لقرى أسيوط مع معلماتها وزميلاتها وتعليم أهالينا وإمدادهم بالإمكانيات اللازمة. حاربت أيضًا الإدمان بكل أنواعه من خلال رئاستها لإحدى منظمات المجتمع المدني بأسيوط ثم القاهرة. بالإضافة لما سبق تبنت مناطق عديدة فقيرة بالعشوائيات وأسست بها مشروعات للاهتمام بالفتيات المراهقات وتعليمهن واحتياجاتهن وإبراز قيمتهن في أعين المجمتع المحيط بهن من خلال كنيستها.

توجت أمي آخر انتصاراتها في معارك شرسة مع تحديات جسدية في السنوات الأخيرة ولم تستسلم لها ولا مرة واحدة ولم تثنها عن خوض أي من المعارك الأخرى. انتصرت أمي وعبرت ومن الذكرى أستمد الإلهام والقوة التي تحفزني كل مرة أواجه حافة الهزيمة فأرجع لأرض المعركة مقاتلًا شرسًا.

مقالي ليس سياسيًّا أو عسكريًّا لكنه شخصي بالدرجة الأولى وألهمتني الذكريات بالتفكير في كيفية إعادة انتصارات أكتوبر في حياتي وحياة كل شخص منا. فلدينا الكثير من المعارك التي يجب خوضها حتى نعبر إلى العالم الأفضل ونحسن من واقعنا. وإن لم يمهلنا القدر إلى معاصرة الواقع الأفضل الذي ساهمنا في تغييره على الأرض نكون قد أكملنا معاركنا منتصرين.

أود أن أسرد بعض المعارك التي يمكن أن نخوضها كل يوم ولن تسمح لي المساحة بسردها كلها ولكن أكتفي بالبعض منها:
1 – معركة االجودة والإتقان في العمل فبدونهما في الحرب باتت الخسائر مؤكدة. للأسف ثقافتنا تدهورت من بناء الأهرامات والاستعانة بالمصري لبناء القصور وصناعة المستحيل إلى مبدأ «على قد فلوسهم» لذلك فمثلًا لا توجد علاقة مستوية في القاهرة الجديدة مثلًا بين طريق تم رصفه حديثًا في تقاطعه مع الطريق القديم. في كل المجالات يمكننا إنتاج ما هو أجود إن انتصرنا في تلك المعركة مع أنفسنا في كل عمل نؤديه.

2- معركة الابتكار فنصر أكتوبر لم يكن ممكنًا إن لم يبتكر اللواء باقي زكي يوسف إزالة الساتر الترابي بالماء مثلًا فالمستحيل يصير ممكنًا أمام الابتكارات. وفي مطلع الألفية الحالية ابتكر وزير المالية الأسبق طرقًا ضاعف بها الحصيلة مع تخفيض الضرائب. ويمكن لكل منا أن يحقق نتائج غير متوقعة إن ابتكر وأبدع في عمله مهما كان بسيطًا.

3- معركة الصمود فكل قوى الشر تتحد لتثني عزيمة من يسعى إلى الانتصار على الظلام ولكن الصلابة والصمود التي جسدتها انتصارات أكتوبر والتي تعلمتها من أمي الغالية هي مفتاح الانتصار فكلما اشتدت حدة المعارك بات النصر وشيكًا إن صمدنا.

4- معركة الإمكانيات فنقص الإمكانيات والمعدات والآليات لا يمكن أن تكون سببًا أو مبررًا للهزيمة إن توفر الابتكار والإرادة والصمود. فلم تكن لأمي إمكانات غير محدودة وغير متوفرة لكثيرين مثلها لكن لم تنتظر أبدًا إلى توفر المزيد منها حتى تحدث التأثير الذي نجحت في تحقيقه بل إن العزيمة والإصرار والابتكار كانت أسلحة فتاكة أمام الاحتياج إلى إمكانات أعظم لإحداث التأثير المطلوب وكذلك علمتنا ذكرى انتصارات أكتوبر في كثير من القصص التي سردها الأبطال الراحلون والمعاصرون.

الذكرى مؤلمة لو جميلة لا قيمة لها إن لم نسترشد بها وإن لم تمدنا بالإلهام والطاقة إلى تحقيق المستحيل. من الأبطال الراحلين نتعلم كيف ننتصر في معاركنا وخاصة ونحن في أوج شدتها عند مفترق طرق النصر والهزيمة فنتخذ من سيرتهم وذكراهم قدوة تشحذ من هممنا وتقودنا إلى الانتصارات حيث انتهى مشوارهم وبقي عطرهم فواحًا ونورهم مرشدًا فشكرًا لك يا أمي في ذكراك الأولى على كل ما علمتِني إياه وعلى كل مرة كنت معي في هذا المفرق الصعب.

خصم خاص بنسبة 50% على خدمات بوابة حابي

الرابط المختصر
اقرأ ايضا