ماهر عشم يكتب.. متطلبات الانطلاق

CairoBank

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية _ كنت متابعًا جيدًا لسباقات الأوليمبياد كل أربع سنوات وكانت تبهرني فكرة الأرقام القياسية ووسط المشاغل وزحام الالتزامات قل تدريجيًّا اهتمامي بها لكن فكرة العدو مسافات طويلة ما زالت تستهويني.

فالعداء في تلك السباقات لا بد من أن يدرب على مهارات عديدة ويمر السباق بمراحل عديدة تحتاج إلى تلك المهارات وأهمها قوة التحمل والمرونة والسرعة.

سباق العشرة آلاف متر عبارة عن خمس وعشرين لفة حول الملعب وفي المرحلة الأولى للسباق وهي مرحلة التأسيس يحتاج العداء إلى أن يجري بسرعة منتظمة ويحافظ على لياقته متسلحًا بقدرته على التحمل والتي من دونها قد يضطر للخروج من السباق قبل النهاية.

وفي المراحل التالية يحتاج إلى التكتيك والمرونة والسرعة حتى ينطلق في اللفات النهائية للفوز بالسباق والتي دونهما يكون قد أهدر المجهود المبذول في المراحل السابقة.

مرت علينا في مصر فترة تقدر بثلاثة عشر شهرًا في ظل أزمة كورونا وكانت بمثابة مرحلة التأسيس في العدو والتي كانت في حاجة إلى القدرة على الصمود وتحمل الصدمات.. صمد الاقتصاد المصري ونجح في اختبار القدرة على التحمل فحافظت مصر على معدلات نمو مستقرة وإيجابية في حين تحولت تلك المعدلات إلى السالب في معظم دول العالم.

كما حافظت مصر على احتياطي قوي من النقد الأجنبي ولم تفقده أو تستنزفه في ظل الجائحة التي تسببت في توقف السياحة والحد من الاستثمار الأجنبي المباشر. كما لم تتوقف مصر عن المضي قدمًا في مشروعات البنية التحتية واللازمة لتشغيل الاقتصاد ونموه.

والآن في ظل الموجة الثالثة طل علينا اللقاح مبشرًا بإمكانية سرعة تعافي الكرة الأرضية من ذلك الوباء البغيض وغير المسبوق في العصر الحديث. في تلك المرحلة نحتاج إلى المهارات الأخرى للعداء حتى نحرز مركزًا أكثر تقدمًا في مضمار السباق العالمي. فالقدرة على الصمود تعطينا نقطة للانطلاق أفضل من اقتصاديات كثيرة أخرى وعلينا أن نحسن استغلالها فما هو الذي نحتاجه في تلك المرحلة الجديدة؟

أولًا: الاعتماد على الأدوات الرقمية الجديدة في دعم الانطلاق والحفاظ عليه. فالأزمة الراهنة أبرزت أهمية تلك الأدوات في إنجاز الأعمال بل غيرت الكثير من قواعد اللعبة ولن نتمكن الانطلاق دون الاحتراف في تطويع الوسائل التي توفرها التكنولوجيا.

فيجب الاعتماد على الحوسبة السحابية والتي تعني الاعتماد على موارد تقنية المعلومات حسب الطلب عبر الإنترنت بدلًا من بناء مراكز البيانات الفعلية وامتلاكها والاحتفاظ بها، مما يوفر الاستفادة من الخدمات التكنولوجية، مثل إمكانيات الحوسبة، والتخزين، وقواعد البيانات، بأسلوب يعتمد على الاحتياجات، وذلك من خلال جهة موفرة للخدمات السحابية.

ومصر مؤهلة بفضل موقعها الجغرافي وكوادرها البشرية للقيام بدور ريادي عالمي في تلك المجالات. كما يجب أيضًا أن نعتمد على الذكاء الاصطناعي وقدرته على تحليل البيانات في كل المجالات وأيًّا كان حجمها إذ تشكل البيانات ركيزة اختيار القرار الصائب وبوصلة تحدد لنا اتجاهات الانطلاق.

ثانيًا: نحتاج إلى اقتصاديات أكثر مرونة وليونة تستطيع أن تشكل مناخًا يتكيف بسرعة مع المتغيرات العالمية ويكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتوفير بيئة مريحة وجاذبة للقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي.

والاقتصاد المرن هو الذي لديه القدرة على الإبداع والتكيف مع الظروف لتحقيق أفضل النتائج بداية من التشريعات وحتى أدق التفاصيل. ولا نمو مستدام دون تشجيع القطاع الخاص والاستثمارات المحلية والأجنبية.

ثالثًا: نحتاج إلى آليات توفر سرعة الحركة وإمكانيات اتخاذ قرارات بسرعة مناسبة تتناسب مع تذبذب وعدم استقرار جميع مؤشرات الاقتصاد العالمي والتي زادت سرعة تغيرها بشدة في السنوات الأخيرة. فالسرعة تمكننا من الريادة.

رابعًا: نحتاج إلى اللامركزية والتنمية الشاملة فما زال صعيد مصر في احتياج إلى اهتمام أكبر ولديه مقومات هائلة ما زالت تفتقر إلى طرق جيدة ووسائل آمنة في التنقل والحركة والتي هي عماد أي نهضة اقتصادية وتنمية شاملة حتى يمكننا أن نوقف نزيف هجرة الكوادر البشرية الهائلة بتلك المحافظات إلى القاهرة بحثًا عن فرص العمل.

خامسًا: واختتم بتلك النقطة ليس لكونها النقطة الأخيرة فلا حدود للأفكار ولكن لأهميتها وهي قيمة الإنسان وأهميته في المرحلة القادمة. فالإنسان هو الهدف وليس المحرك وخدمة الإنسان هي العامل الحقيقي الذي يجعل الاقتصاد أكثر استدامة وصلابة ومرونة.

والإنسانية غاية لا وسيلة وخدمتها تبدأ من الاهتمام بالأمهات والارتقاء بهن. فالأم هي التي تشكل الإنسانية والاهتمام بها يعد شعبًا طيب الأعراق وقادرًا على التكيف والصمود والريادة.

مصر منذ فجر التاريح قادت العالم وفتحت عينيه على أعظم حضارة ملهمة ومبدعة ويتزامن كتابة المقال مع موكب مومياوات الملوك والملكات من الفراعنة ليذكرنا بتاريخنا العظيم وليشحذ من هممنا على استخدام أفضل ما لدينا لنستعيد مكانتنا في المقدمة ولنقود العالم لمستقبل أكثر نورًا وإشراقًا كما عوده تاريخنا العظيم.

الرابط المختصر
اقرأ ايضا