ماهر عشم يكتب.. في التأني السلامة

CairoBank

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية _ تصدر هيئة الرقابة المالية تقارير دورية غنية بالبيانات المهمة والتي تخبرنا عن إحصاءات السوق في مجالات سوق المال والتأمين والتمويل غير المصرفي وأحب أن أشيد بموقع الهيئة المنظم والمتجدد دائمًا والغني بالمعلومات الخاصة بتلك الأسواق.

في تقريره الأخير عن الربع الأول من العام الحالي وفي القسم الخاص بالتمويل متناهي الصغر يخبرنا التقرير بأن بمصر مليونًا وثلاثمئة ألف مستفيد أو عميل لقرابة ألف شركة وجمعية تعمل بهذا المجال وبزيادة عشرة بالمئة عن العام الماضي. يقدر إجمالي قيمة التمويل الممنوح لهؤلاء بـ 11.58 مليار جنيه وبزيادة قدرها خمسة وعشرون بالمئة عن العام السابق وهي زيادة كبيرة ولو قورنت بالأعوام السابقة لوجدنا أنها زيادة مركبة .

التمويل متناهي الصغر له أهمية كبرى في إنشاء مشروعات تجارية وخدمية وزراعية وإنتاجية تكافح الفقر وترتقي بحياة أهالينا الأقل حظًّا خاصة في المناطق التي قد تندر بها فرص العمل المتاحة. بالإضافة لما سبق ترفع عن كاهل الدولة عبء توفير فرص العمل لهؤلاء وتساهم في زيادة إجمالي الناتج المحلي. ولو دققنا النظر بالتقرير لوجدنا أن اثنين وستين بالمئة من العملاء هم من الإناث ويتم تمويلهم بنحو ثمانية وأربعين بالمئة من أرصدة التمويل.

ومع نمو المشاكل الاجتماعية والأسرية تكثر السيدات التي تنتهي بهن ظروفهن إلى الاضطرار أن يكن عائلات لأسرهن. ومع وجود أطفال بالأسرة وعدم وجود دور حضانة بالمناطق الريفية وانعدام القدرة المادية تجد هؤلاء السيدات طوق النجاة في المشروعات متناهية الصغر التي تمكنهن من كسب الرزق مع التواجد بالمنزل للاهتمام بالأطفال واحتياجات العائلة. فبجانب البعد الاقتصادي والسياسي نجد أن للتمويل متناهي الصغر بعدًا اجتماعيًّا غاية في الأهمية.

صدر مؤخرًا قراران من هيئة الرقابة المالية بخصوص التمويل متناهي الصغر الأول لحماية هؤلاء المقترضين من بطش قلة من المقرضين الذين يستغلون الاحتياج ويمارسون أشكالًا عديدة من الإقراض المفترس الذي ينتهي إثقال المقترض بالأعباء والشروط وكثيرًا ما تنتهي بعجزه عن السداد ونهايته بالحبس.

من تلك الأشكال الضمانات التي يوقعها المقترض كإيصالات الأمانة والتي يتمادى البعض في تحريرها على بياض واستكمال البيانات بحسب الحاجة. وللمقرض الحق في اتخاذ ما يضمن مخاطر الائتمان لكن دون التعدي على حقوق المقترضين. منع القرار الأخير التعامل بهذه الطريقة وأوجد الحل في التأمين على مخاطر الائتمان متناهي الصغر والذي لم يكن متوفرًا من قبل شركات التأمين المصرية وهو حل مثالي يضمن للمقترض والمقرض علاقة هادئة نسبيًّا بعيدة عن المحاكم ويزيح عن كاهل القضاء هذا العبء أيضا.

كما صدر قرار آخر مبني على قرار السيد رئيس الوزراء رقم 1776 لسنة 2020 بشأن تنظيم وسائل الدفع غير النقدي الصادر بالقانون رقم 18 لسنة 2019 والذي يلزم جميع العاملين بالإقراض متناهي الصغر من سبتمبر المقبل بالتعامل غير النقدي مع المقترضين في صف القروض التي تزيد على 2000 جنية وقبض الأقساط التي تزيد على خمسمئة جنيه أي معظم القروض إن لم يكن جميعها.

والقرار يضمن دخول ما يزيد على 23 مليار جنيه مرة واحدة إلى وسائل التعامل اللانقدية وهذا هدف قومي لفوائد اللانقدي قي خدمة الاقتصاد ومكافحة الفساد والجريمة. ومع إعجابي الشديد بالقرار الأول واقتناعي بوجوب تطبيق القرار الثاني إلا أنه لدي ملاحظتان مهمتان من وجهة نظري:

أولًا: تكلفة التأمين على مخاطر الائتمان يجب أن تكون على عاتق المقرض وهي صغيرة نسبيًّا وأقل من تكلفة القضايا التي كان يقوم برفعها لاسترداد المتأخرات ولا يجب أن تكون على عاتق المقترض الذي يدفع فائدة مرتفعة لا تقل عن عشرين بالمئة. أما عن تكلفة التعامل مع شركات المدفوعات فهي مرتفعة للغاية ولن تقل عن خمسة بالمئة إضافة إلى الفائدة مما قد يثقل كاهل المقترض أو يدفع المقرض إلى اللجوء لتقسيم الأقساط لتلافي تلك التكلفة مما يزيد الأعباء الإدارية ولا يحقق الهدف.

ثانيًا: يندر وجود مقدمي خدمات الدفع الإلكتروني بالمناطق اللامركزية وإن وجدوا ستكون هناك مشكلة توافر السيولة اللازمة في أوقات الصرف. فأي بقال أو كشك بالصعيد يمكن أن يتوافر لديه مئات الآلاف من النقدية للصرف؟ كما أن معظم المقترضين لا يحملون هواتف ذكية ولا يمكنهم التعامل مع التطبيقات ولا توجد أفرع للبنوك بقراهم.

بناء على ما سبق أعتقد أنه من المهم إعادة النطر في موعد تطبيق ذلك القرار المهم بعد التأكد من توافر سبل الدفع اللانقدي لصغار المقترضين وبتكلفة معقولة ومع ضمان السيولة في أوقات الصرف حتى لا نزعزع نمو واستقرار تلك الخدمات المالية المهمة اقتصاديًّا واجتماعيًّا.

 

الرابط المختصر
اقرأ ايضا