ENB2021_900x90

ماهر عشم يكتب.. مزاج السوق

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية _ من أساسيات علم الاقتصاد أن الأسواق تتحرك وفقًا لقوى العرض والطلب وتشكل نقطة التلاقي بينهما سعر أي سلعة. تتحرك قوى العرض والطلب حسب الاحتياج لكن الأمر يختلف في أسواق المال إذ إن قوى العرض والطلب تتحرك وفقًا لتوقعات متخذي قرارات البيع والشراء.

وتتأثر تلك القرارات بمؤثرات عديدة منها الأخبار ومنها توقعات الخبراء لما يمكن أن يحدث في المستقبل وإن كان إيجابيًّا أو سلبيًّا. فان كان إيجابيًّا تتجه معظم الآراء بالسوق إلى الشراء فتتقوق الرغبة الشرائية في الكم على الرغبة البيعية وبالتالي ترتفع الأسعار ويرمز للسوق في تلك الحالة بالثور الهائج المندفع. أما إذا حدث العكس وكانت الرؤية ضبابية أو سلبية يتفوق البيع على الشراء وتنهار الأسواق ويرمز لها بالدب البطيء الحذر.

للسوق مزاج منقاد بالمزاج البشري فلو كان التفاؤل يسود عليه انتقل نفس التفاؤل للأسواق وأصبحت شارية والعكس صحيح من طرائف التاريخ الحديث صعود البورصة المصرية في اليوم التالي لحصول الفريق القومي المصري على كأس الأمم الإفريقية عام 1998 بعد غيابه 12 عامًا عن اللقب. ولم تكن هناك أسباب جوهرية يومها تدفعه إلى الصعود إلا مزاج السوق. والأمثلة كثيرة من كل بلدان العالم.

ومزاج السوق شديد التأثر بالاحتمالات قليل التأثر بالواقع. فالأسواق تتحرك ارتفاعًا مع زيادة احتمالات ظهور الضوء في نهاية النفق المظلم قبل حل المشاكل فعليًّا بكثير والعكس صحيح.

حتى نهاية الألفية الماضية كانت الأخبار معلومة المصدر والخبراء ذوو السيرة الذاتية التي تؤهلهم للمنصب عبر الصحف ووكالات الأنباء هم مصدر الأخبار والآراء التي تتحكم في مزاج الأسواق. تغير الأمر كليًّا بظهور التواصل الاجتماعي وبيع وكالات الأنباء عدة مرات لجهات منها ما قد يمثل تضاربًا في المصالح الاقتصادية بين الأخبار والتحليلات وتأثيراتها.

ظهر ذلك جليًّا في أحداث مصر عام 2010 والسنوات التالية لها وعالميًّا في كثير من الأكاذيب التي أثرت على مزاج السوق لمصلحة طرف معين.

شكلت وسائل التواصل الاجتماعي منابر متعددة لكل من يظن أن له من الخبرة لإصدار التصريحات والتحليلات وزادت تأثيرات الآراء والتحليلات بشعبية الشخص بغض النظر عن الخبرة أو المعرفة فكان أيضًا لها ما لها من التأثيرات على مزاج الأسواق.

بنفس الطريقة ساهمت برامج التوك شو في إبراز تلك الآراء والتحليلات مما ساهم في ضخامة تأثيراتها في بعض الأحيان.

وشهد المناخ الاقتصادي بمصر تغيرات عديدة بالأسبوعين الماضيين أهمها تلك التي طالت قيادة البنك المركزي. لن أعلق هنا على أداء القيادة السابقة ولكن نظرًا للدلالات والمؤشرات الخطيرة من شبح الكساد وتوقف الإنتاج نتيجة للسياسات النقدية والقرارات التي صدرت عنه قابلت تلك الإعلانات مثلي مثل السوق بنظرة تفاؤل لسببين.

السبب الأول هو أن تلك التغيرات تعلن أن هناك أملًا في سياسة نقدية جديدة دافعة للنمو والاستثمار بدلًا من تلك السياسة الدفاعية التي كادت أن تقتل الأب والأم والجنين معًا ودفعت قطاع الصناعة الوطني خاصة إلى مواجهة شبح التوقف التام.

والسبب الثاني هو خبرة المصرفي المخضرم حسن عبد الله المحافظ الجديد والذي بدأ فورًا بإصدار قرارات تبشر بتغييرات في السياسات النقدية.

وإن كان البنك المركزي لا يعزف إيقاعًا منفردًا وليست لديه العصا السحرية التي ينتظرها العامة في مجابهة التحديات الاقتصادية الجسيمة إلا أنه أثبت خاصة في الأيام القليلة السابقة أن لديه من الأدوات التي لم تستخدم أو نادرًا ما تم استخدامها ما يمكنه أن يحدث فروقًا حقيقية في المعاملات المالية والمصرفية وانعكاس الثقة وإن جاز التعبير مزاج السوق سواء من أدوات عمليات السوق المفتوح أو قرارات تغيير حدود السحب والإيداع.

قابلت الأسواق تلك القرارات والتغيرات بتفاؤل مما انعكس على قوى الشراء بالبورصة المصرية وأدى إلى ارتفاعات قياسية في الأيام الأخيرة. زادت الأسواق تفاؤلًا باختيارات المحافظ الجديد لمستشاريه المعروفة خبرتهم ومؤهلاتهم وإنجازاتهم.

نتمنى كل التوفيق للمحافظ الجديد في مهمته الصعبة وتركته الثقيلة كما نشكر القيادة السابقة على مجهودها ومحاولاتها وإن كان قد جانبها التوفيق من وجهة نظري أحيانًا.

أخيرًا أتمنى أن يطال التغيير السياسات الضريبية وسياسات إطلاق فرض الرسوم والتعقيدات التي تعوق الاستثمار حتى تتوحد السياسات الضريبية مع المالية في تشجيع الاستثمار عامة والقطاع الخاص على وجه الخصوص؛ لأن ذلك سيساهم في استمرار القوى الإيجابية لتشكيل مزاج السوق كما أنه سيساهم في إزالة العوائق والتحديات المحاربة لنمو الاقتصاد الذي لا غنى عنه لمستقبل أفضل وحياة كريمة.

الرابط المختصر