مصطفى شفيع: الذهب أصبح الملاذ الآمن الأول للبنوك المركزية مع تراجع الدولار
مشروع بنك الذهب الإفريقي يمنح إفريقيا وزنًا أكبر في التسعير بدلًا من الاعتماد على المراكز الخارجية
يارا الجنايني _: يرى مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث المالية بشركة أكيومن لإدارة الأصول، أن توقيت قرار إنشاء بنك إفريقي للذهب مثالي في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الراهنة، مشيرًا إلى أن الاتجاه العالمي السائد حاليًا يتمثل في قيام البنوك المركزية بزيادة احتياطاتها من الذهب بوتيرة متسارعة، باعتباره الملاذ الآمن والأهم لحفظ القيمة، مقارنة بالعملات الأجنبية وبالدولار على وجه الخصوص.
أوضح شفيع أن الدولار يواجه في المرحلة الحالية ضغوطًا واضحة وانخفاضات أمام سلة العملات الرئيسية، ما دفع البنوك المركزية عالميًا إلى إعادة هيكلة مكونات احتياطياتها، عبر تقليص الاعتماد على الدولار وتعزيز حيازة الذهب، باعتباره أصلًا حقيقيًا قادرًا على التحوط ضد تقلبات أسعار الصرف والتضخم.

وأشار إلى أن الاتفاق بين المركزي المصري وأفريكسيم يستهدف إنشاء بنك للذهب يكون مقره مصر، ضمن منظومة متكاملة تشمل مصاف معتمدة لتكرير الذهب، ومرافق آمنة للتخزين، إلى جانب تقديم خدمات مالية واستثمارية مرتبطة بالذهب، مثل التداول والمبادلة والتسعير.

أضاف أن هذه المنظومة تعكس توجهًا إستراتيجيًّا نحو تعظيم استفادة القارة الإفريقية من ثرواتها المعدنية، مؤكدًا أن تجميع الذهب الإفريقي وتكريره وتخزينه داخل مصر من شأنه أن يمثل صمام أمان للبنوك المركزية الإفريقية، عبر تمكينها من زيادة مخزونها ما يوفر حماية من الصدمات العالمية، ويعزز من قوة العملات المحلية للدول الإفريقية.
وبيٌن شفيع، أن أحد الأبعاد الجوهرية يتمثل في إعادة تشكيل قواعد تسعير الذهب، إذ أن القيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الخام، وإنما في السيطرة على حلقات سلسلة القيمة بالكامل، بداية من التكرير والتقييم، مرورًا بالتخزين، ووصولًا إلى التداول وتقديم الخدمات المالية المرتبطة بالذهب. وتابع أن هذا التحول من شأنه أن يمنح القارة الأفريقية وزنًا أكبر في تحديد قواعد تسعير الذهب، بدلًا من الخضوع لمراكز تسعير خارج القارة، وهو ما يُحدث تغييرًا جذريًا في الشكل العام لسوق الذهب الإفريقي.
قال إن المبادرة تحقق هدفين متوازيين؛ أولهما تمكين الحكومات والبنوك المركزية من تعزيز احتياطياتها السيادية من الذهب، وثانيهما إعادة تشكيل سوق الاستثمار في الذهب، سواء من حيث أدوات التسعير أو الأدوات المالية والاستثمارية المرتبطة به.
إنشاء بنك للذهب يفتح الباب مستقبلًا أمام تطوير منتجات مصرفية واستثمارية مرتبطة بالمعدن الأصفر
أضاف أن إنشاء بنك للذهب يفتح الباب مستقبلًا أمام تطوير منتجات مصرفية واستثمارية مرتبطة بالمعدن الأصفر، سواء على المستوى المؤسسي أو على مستوى الأفراد، في ظل امتلاك القارة الأفريقية ومصر على وجه الخصوص موارد ذهبية كبيرة، ما يسمح بوضع قواعد واضحة لإدارة الصناعة من المنبع إلى المصب، وتقديم خدمات استثمارية متطورة تعزز من عمق الأسواق المالية.
وأكد شفيع، أن بناء مخزون منظم من الذهب ينعكس بشكل مباشر على استقرار العملات، ويحد من تعرضها للصدمات المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف العالمية. وأضاف أن الموقع الجغرافي المتميز لمصر، ودورها كحلقة وصل بين أفريقيا وأوروبا والشرق والغرب، إلى جانب قناة السويس، يجعلها «رمانة الميزان» في حركة التجارة وسلاسل الإمداد، ما يمنح المشروع أبعادًا اقتصادية ونقدية واضحة تصب في صالح الاقتصاد المصري.
بناء احتياطيات قوية يعزز مرونة السياسات النقدية ويحد من مخاطر التعويم
وأوضح أن وجود احتياطي قوي من الذهب يسهم في تعزيز مرونة السياسات النقدية، عبر توفير غطاء يحمي العملات من الصدمات، ويقلل من احتمالات اللجوء إلى تعويم أسعار الصرف، بما يحد من الضغوط التضخمية، ويمنح صانعي السياسات النقدية مساحة أوسع للتحرك.
وفيما يتعلق بالتحديات المحتملة، لفت شفيع، إلى أن المشروع يُعد مشروعًا إستراتيجيًّا بامتياز، في ظل كون القارة الإفريقية محل تنافس ومطمع للقوى الاقتصادية الكبرى، سواء من الغرب أو من بعض دول الشرق، مؤكدًا أن التحكم في مورد استراتيجي مثل الذهب قد يواجه تدخلات أو ضغوطًا خارجية، نظرًا لأهمية المشروع وتأثيره المحتمل على موازين القوى الاقتصادية.
وأكد أن الأثر طويل الأجل لبنك الذهب الأفريقي لا يقتصر على الذهب فقط، بل قد يمتد ليشمل معادن نفيسة أخرى مثل الألماس، فضلًا عن موارد الطاقة.












