د. محمود محيي الدين يكتب.. هذا العالم!… عودة أخرى

بقلم د. محمود محيي الدين الخبير الاقتصادي المصري نقلا عن الشرق الأوسط _انهيار النظام العالمي، على النحو المشهود، لا يعني نهاية العالم، بل هي بداية لترتيبات نحو نظام جديد. فقد انتهى النظام العالمي القديم، الذي غُرست جذوره وأبرمت اتفاقاته قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدأ العمل به وفقاً لأوزان القوى الكبرى بعدها. والإدراك المبكر لنهاية «النظام الدولي المبني على قواعد»، حتمي لمن أراد التقدم.

قد يطيب لك وصف حالة التعاون الدولي الراهنة بما لخصه خبير العلاقات الدولية الأمريكي إيان بريمر بمصطلح «جي زيرو»، فالحرف الذي يلفظ «جي» باللغة الإنجليزية يرمز إلى التجمعات الدولية مثل مجموعة الدول السبع الصناعية، أو مجموعة الدول العشرين. وما شرحه بريمر في كتابه، الصادر في عام 2012، المعنون «كل دولة لذاتها فحسب: الرابحون والخاسرون في عالم جي زيرو» هو تراجع تأثير هذه البلدان منفردة أو مجتمعة في تحريك الأجندة الدولية أو توفير «السلع العامة العالمية» مثل الأمن وتأمين مسارات التجارة والملاحة والتصدي للأزمات. وعلى النحو الراهن من هشاشة في الحوكمة، والتفتيت الاقتصادي تتصاعد الأزمات الجيوسياسية وتتراجع القدرات المتنافرة عن التصدي للتحديات العالمية.

E-Bank

وقد تفضل وصف الاقتصادي السنغافوري داني كواه لحال العلاقات الدولية في عالم «جي ناقص»؛ بمعنى أن ينقص التجمع العالمي الولايات المتحدة، أو أي دولة أخرى لا ترغب في التعاون بغض النظر عن حجمها الكبير. ووفقاً لتساؤله عن أوضاع البلدان غير المنخرطة مباشرة في صراعات القوى العظمى: هل عليها الإذعان لإحدى القوى أم اختيار التوافق، أم التخفيف؟

ويقترح الاقتصادي كواه أن تلجأ مجموعة الدول المتوافقة الرؤى والأهداف إلى أن تتحرك مجتمعة متلمسة طرقاً في التعاون المشترك والتفاوض الجماعي. وقد انتقد لجوء الدول الأعضاء في تجمع «آسيان» للتفاوض الثنائي مع الولايات المتحدة بدلاً من التفاوض معها بصفتها كتلة واحدة، كما حث البلدان الآسيوية، مثل كوريا واليابان، على ألا تضيع الوقت في تفاوض بلا نتيجة، لتحسين شروط التجارة مع الولايات المتحدة، بأن تقوم بتحويل تجارتها بعيداً عنها بما يهددها بالعزل ويستحثها على التعاون مع من ظلوا متمسكين بالنظام الدولي، أو بالأحرى في رأيي بما تبقى من هذا النظام.

فمع سقوط «النظام» الدولي تلوح فرص كبرى للقوى الصاعدة وليس الوسطى فقط التي برزت أولوياتها على الساحة بعد أحاديث اجتماعات دافوس الأخيرة، وتشمل دولاً من حجم كندا والهند، وهما من دول مجموعة العشرين. وفرص القوى الصاعدة بأن تحصّن بدايةً أركان الدولة داخلياً بتمكين مؤسساتها، واحترامها لسلطة القانون، وأن تنضبط سياساتها العامة بتنسيق محكم وفقاً لأولويات تحقق الصالح العام بتوطين التنمية. فلا سبيل لتعاون خارجي مثمر لأي دولة وعقدها الداخلي منفرط أو مهدد بالانفراط؛ وإن هي حاولت لضاع جهدها هباءً، وصار في انفتاحها الخارجي مفاتح للنهب وسوء الاستغلال.

وعودة لمراجعة ظروف الصراع والحرب بين القوى الكبرى؛ إذ يشير الفيلسوف البريطاني برتراند راسل في كتابه المنشور في عام 1951 بعنوان «آمال جديدة لعالم متغير»، إلى أن أشد الصراعات ضراوة نجمت عن واحد أو أكثر من ثلاثة اختلافات: الاختلافات الاقتصادية، أو العرقية، أو الآيديولوجية. وكانت المصالح الاقتصادية هي سبب الصراع المؤدي للحرب العالمية الأولى؛ بينما تشابكت المصالح الاقتصادية والآيديولوجية لتأجيج نيران الحرب العالمية الثانية. أما الحرب العالمية الثالثة، إن اندلعت، فستتورط فيها المصالح الاقتصادية والبواعث العرقية والآيديولوجيات المتعصبة معاً.

تابعنا على | Linkedin | instagram

كتب راسل هذا بعد ست سنوات فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية منذراً من حدوث ثالثة. والسؤال حقيقة هو: لماذا لم تقم هذه الحرب رغم توفر مسبباتها، فلم نرَ إلا حرباً «عالمية» باردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي – الذي سقط بلا طلقة رصاص واحدة، ولم نرَ كذلك إلا مناوشات وحروباً بالوكالة أو حروباً مناطقية وليست عالمية؟ السبب يتمثل في تقديري في أمرين: الأول، الاكتواء بويلات الحربين العالميتين وما خلفتهما من ضحايا ودمار، ظلت الذاكرة حية بمصائبهما رادعاً ضد الحرب، فكان اللجوء للوسائل السلمية في تسوية المنازعات وفضها قبل استفحالها. والآخر، هو أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك النووية، التي تتمترس خلفها القوى العظمى، بما يجعل الحرب الثالثة حرب نهايات بلا بدايات بعدها بأحلام لإعادة البناء.

ومن العجيب أن يصف راسل زمنه في خمسينات القرن الماضي بأن أكبر عائق أمامه في سبيل عالمٍ صالح هو الخوف! خوف من الطبيعة الخارجية وويلاتها، وخوف من الآخرين وأفعالهم، وخوف من نزعات البشر الذاتية المؤدية للمهالك. ولا أدري بما قد يكون وصفه لعالم اليوم. كانت حياة الإنسان البدائي، لأسباب متفهمة قبل عصور العلم والتحضر والتقدم، تستحق الوصف الثلاثي لها بأنها كانت «بائسة، ووحشية، وقصيرة». وما زالت بقاع في عالمنا اليوم تعاني هذا الثلاثي البغيض بلا مبرر؛ فالعالم ينعم بموارد تفيض عن حاجته ولكنه يضل الطريق نحو الرخاء المشترك لسوء الاستغلال والنهب والفساد وتفاوت توزيع الثروات، وبما تقود إليه ما أطلق عليه «سياسة الحمقى واقتصاد السفهاء» بأسوأ ما تسببه الحروب والكوارث الطبيعية.

لمنتظري الخلاص والمنافع والهبات من نظام دولي تهاوى، عليهم انتظار من لن يأتي أبداً. وعليهم الاتعاظ بما كان عليه حالهم قبل سقوط النظام المزعوم؛ فهو حال من قنع بالفتات وشظف العيش بآمال في غدٍ أفضل حالاً أو أقل سوءاً، ومن الآمال ما قاد أصحابها إلى المهالك، وضل بهم عن سبيل التقدم الذي لا أرى له بديلاً.

الرابط المختصر