د.محمود محيي الدين: التكيف ليس عملًا خيريًا.. وتكلفة التقاعس لا يمكن تعويضها

ضبط السياسات وتقليل المخاطر شرط لجذب القطاع الخاص لمشروعات التكيف

حابي_ طرح الدكتور محمود محيي الدين، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة والمكلف برئاسة فريق الخبراء المعني بتقديم حلول لأزمة الدين العالمية، رؤية استراتيجية شاملة بشأن التحديات الجذرية التي تواجه منظومة التمويل المناخي العالمية، مؤكدًا ضرورة الانتقال العاجل من مرحلة التعهدات إلى التنفيذ الفعلي، ومحذرًا من أن تأجيل الاستثمار في الوقاية وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ، بدعوى الانشغال بالأزمات الاقتصادية الكلية، سيؤدي إلى تداعيات يصعب تداركها.

E-Bank

جاء ذلك خلال مشاركته في جلسة نقاشية بعنوان «التوافق من أجل تحقيق الأثر: التمويل من أجل مستقبل مستدام»، ضمن فعاليات مؤتمر «الابتكار من أجل المرونة: التمويل لمستقبل مستدام» الذي نظمه البنك المركزي المصري بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي ومبادرة 30by30، وبدعم من الوزارة الاتحادية الألمانية للبيئة والعمل المناخي وحماية البيئة والسلامة النووية ومبادرة المناخ الدولية.

وأشار محيي الدين إلى أن النظام العالمي الذي تأسس منذ الحرب العالمية الثانية يشهد تراجعًا ملحوظًا، في ظل اتجاه الدول إلى صياغة قواعد جديدة تعتمد على حلول إقليمية ومحلية مبتكرة. وشدد على أهمية عامل الوقت، وعدم تكرار أخطاء الماضي عندما جرى تهميش قضايا الاستدامة والمناخ لصالح التركيز الحصري على الأزمات العاجلة مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف.

أجندة شرم الشيخ تمثل نهجًا متكاملًا للتعامل مع تغير المناخ

وأكد أن قضايا التكيف يجب أن تُعالج بالتوازي ووفق نهج متكامل، منوهًا إلى «أجندة شرم الشيخ للتكيف» التي أُطلقت خلال مؤتمر الأطراف السابع والعشرين، باعتبارها نموذجًا متكاملًا للتعامل مع ملف التكيف المناخي.

تابعنا على | Linkedin | instagram

وانتقد محيي الدين منظومة التمويل المناخي والتنموي الحالية، واصفًا إياها بأنها غير كافية وغير فعالة وغير عادلة، محذرًا من اتساع الفجوة التمويلية بصورة خطيرة. وأوضح أن مبلغ 1.3 تريليون دولار المطلوب سنويًا لتمويل العمل المناخي يعكس حجم الأزمة، كما لفت إلى أن مساهمة القطاع الخاص في مشروعات التكيف لا تتجاوز ما بين 3% و5% من إجمالي التمويل.

وفيما يتعلق بالقارة الأفريقية، أشار إلى أن التقديرات الوطنية غالبًا ما تقلل من التكلفة الحقيقية المطلوبة للعمل المناخي خشية الضغط على الموازنات العامة، بينما تُظهر التقييمات المستقلة أن القارة تحتاج إلى عشرة دولارات مقابل كل دولار يتم حشده، مقارنة بخمسة دولارات فقط وفق التقديرات الرسمية.

تحذير من تداعيات آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية على اقتصادات المنطقة

وحذر المبعوث الأممي من التداعيات الاقتصادية لآلية تعديل حدود الكربون (CBAM) التي يطبقها الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، معتبرًا أنها تعادل زيادة تعريفية أحادية الجانب تتجاوز 15% على بعض القطاعات الصناعية في دول المنطقة، داعيًا الحكومات والجهات التنظيمية للقطاع المصرفي إلى الاستعداد الفوري لحماية الصادرات والوظائف من آثارها المحتملة، والتي قد تقود إلى أزمات اقتصادية وهجرة قسرية.

وربط محيي الدين بين التغير المناخي وحماية المكتسبات الوطنية، موضحًا أن الاستثمارات الضخمة التي أُنفقت على البنية التحتية تتطلب إجراءات عاجلة للوقاية والصيانة، إلى جانب توفير تغطية تأمينية كافية. كما أشار إلى التأثير المباشر للتدهور البيئي على رأس المال البشري وصحة المواطنين والمنشآت التعليمية، مؤكدًا أن الاستثمار في المرونة المناخية يمثل جزءًا أساسيًا من حماية مؤشرات الاقتصاد الكلي.

وأوضح أن جزءًا كبيرًا من الفجوة التمويلية يعود إلى نقص المشروعات القابلة للتمويل المصرفي، مؤكدًا أن القطاع الخاص لن يضطلع بدور خيري، ولن يستثمر في مشروعات التكيف ما لم تكن مجدية تجاريًا ومدروسة المخاطر.

وشدد على أهمية التوسع في آليات التمويل المشترك لتقليل الاعتماد على الاقتراض، وتعزيز دور قطاع التأمين في تقييم وتسعير المخاطر المناخية كمعيار رئيسي لمنح الائتمان.

وأشاد محيي الدين بالمبادرات الناجحة لسد فجوة المشروعات، وفي مقدمتها المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية في مصر، التي تُعقد تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي أسفرت منذ إطلاقها بالتزامن مع مؤتمر الأطراف السابع والعشرين بشرم الشيخ عن حشد أكثر من 20 ألف مشروع، تتجاوز نسبة مشروعات التكيف فيها 35%، بما يعكس قدرة مصر على تعبئة الموارد محليًا. كما نوه بمبادرة المنصات الإقليمية لمشروعات المناخ، التي نجحت في تطوير عدد كبير من المشروعات القابلة للتنفيذ والتمويل على المستوى الدولي.

واختتم كلمته بالتأكيد على ضرورة الاستفادة المثلى من المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي، لتسريع تحقيق الأهداف وتفادي أزمة ديون جديدة، محذرًا من أن الفشل في تحقيق التكيف مع التغيرات المناخية سيدفع العالم إلى مرحلة الخسائر والأضرار، مؤكدًا أن صناديق التعويضات لن تكون كافية إذا لم يتم العمل على خفض الانبعاثات وتعزيز الصمود المناخي، وأن فقدان الأرواح البشرية جراء الكوارث المناخية لا يمكن تعويضه بأي ثمن.

وشارك في الجلسة كل من عثمان ديون، نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، وإثيوبيس تافارا، نائب رئيس مؤسسة التمويل الدولية لشؤون أفريقيا.

الرابط المختصر