إبراهيم النمر يكتب.. بورصة مصر وإرث الإسكندرية

بقلم إبراهيم النمر رئيس قسم التحليل الفني بشركة نعيم القابضة للاستثمارات _ بعد أكثر من ستة عقود على إغلاق بورصة الإسكندرية للقطن، تستعد مصر لاستعادة مكانتها الرائدة في أسواق المشتقات المالية، حيث تعتزم البورصة المصرية إطلاق تداول المشتقات المالية قريبًا، في خطوة تاريخية تعيد إلى الأذهان عصرًا ذهبيًا كانت فيه الإسكندرية منافسًا عالميًّا لنيويورك وليفربول.

إرث منسي: عندما كانت الإسكندرية تُسعّر العالم

E-Bank

قليلون يعرفون أن مصر كانت من رواد أسواق المشتقات المالية في التاريخ الحديث، فقد تأسست بورصة الإسكندرية رسميًّا عام 1861، مع نشاط تداول غير رسمي للعقود المستقبلية يعود إلى عام 1849، لتصبح بذلك أول بورصة عقود مستقبلية للقطن في العالم، متفوقة على نيويورك نفسها.

لم تكن الإسكندرية مجرد سوق محلية، بل لاعبًا رئيسيًّا على الساحة الدولية، بحلول نهاية القرن التاسع عشر، احتلت مكانها بين أبرز خمس بورصات للعقود المستقبلية للقطن عالميًّا، إلى جانب نيويورك وليفربول ولو هافر ونيو أورليانز، وفي ذروة مجدها خلال الثلاثينيات والأربعينيات، صُنفت ضمن أكبر خمس بورصات سلعية في العالم من حيث التأثير والحجم النسبي.

سر التفوق: القطن المصري طويل التيلة

كان السر وراء هذه المكانة الاستثنائية هو تفوق مصر في إنتاج القطن طويل التيلة وإكسترا لونج ستيبل، الذي يمثل نسبة ضئيلة من الإنتاج العالمي لا تتجاوز 3%، لكنه الأعلى جودة وقيمة. فخلال معظم القرن العشرين حتى الخمسينيات، كانت مصر توفر أكثر من 60% من الإنتاج العالمي لهذا النوع النادر من القطن.

تابعنا على | Linkedin | instagram

أصناف أسطورية مثل سكلاريدس وجيزة 45 وكرنك حملت اسم مصر إلى أرقى بيوت الأزياء الأوروبية، حيث استُخدمت في إنتاج المناديل السويسرية الفاخرة والأقمشة الراقية، هذا التفوق النوعي منح القطن المصري «بريميوم سعري» عالميًّا، وجعل من أسعار بورصة الإسكندرية المرجع الأساسي لتسعير القطن الفاخر في أوروبا بأكملها.

مركز عالمي للتجارة والتمويل

في مبنى البورصة الشهير بميدان محمد علي، اجتمع سماسرة وتجار من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والهند وأمريكا، في مشهد كوزموبوليتان يعكس مكانة الإسكندرية كمركز مالي عالمي، ظهر المبنى في البطاقات البريدية والكتب السياحية والتقارير الاقتصادية الدولية، رمزًا للرأسمالية المصرية في عصرها الذهبي.

خلال الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، عندما انقطع القطن الأمريكي عن الأسواق العالمية، تضاعف تصدير القطن المصري أكثر من الضعف، مما عزز مكانة الإسكندرية كبديل إستراتيجي وأداة تحوط فعالة ضد تقلبات الأسعار العالمية.

ساهمت البورصة في بناء ثروات «ملوك القطن» المصريين، ووفرت للمزارعين والمصدرين أداة متطورة للتحوط من المخاطر، مما قلل من تقلبات الأسعار مقارنة ببلدان أخرى كانت تفتقر لمثل هذه الآليات.

اعتراف متأخر بريادة مصرية

رغم هذا الإرث الثري، لم تحصل بورصة الإسكندرية على الاعتراف الكافي في الأدبيات الاقتصادية الغربية، التي غالبًا ما نسبت ريادة أسواق المشتقات إلى نيويورك أو ليفربول، متجاهلة حقيقة أن الإسكندرية سبقتهما في التداول المنظم للعقود المستقبلية.

أُغلقت البورصة عام 1961 في أعقاب التأميمات والتحولات السياسية، لتنتهي بذلك حقبة استثنائية امتدت لأكثر من قرن، لكن إرثها يبقى شاهدًا حيًّا على أن مصر كانت رائدة في الابتكار المالي قبل أكثر من قرن ونصف.

عودة إلى المستقبل

اليوم، مع استعداد البورصة المصرية لإطلاق تداول المشتقات المالية، تبدو الخطوة وكأنها عودة إلى جذور تاريخية عريقة، فالمشتقات المالية الحديثة، سواء كانت عقودًا مستقبلية أو خيارات، تستند إلى نفس المبادئ التي طبقتها بورصة الإسكندرية منذ القرن التاسع عشر: إدارة المخاطر، التحوط ضد تقلبات الأسعار، وتوفير السيولة للأسواق.

الفارق الوحيد هو أن مصر اليوم لن تتداول القطن طويل التيلة، بل أصولًا مالية متنوعة تعكس احتياجات اقتصاد حديث ومتطور، لكن الروح الريادية نفسها التي جعلت من الإسكندرية مركزًا عالميًّا لتسعير القطن، قادرة على أن تعيد وضع القاهرة على خريطة المراكز المالية الإقليمية والدولية.

دروس من الماضي لبناء المستقبل

يقدم إرث بورصة الإسكندرية دروسًا قيّمة للمرحلة المقبلة، فقد نجحت البورصة التاريخية لأنها بُنيت على أساس متين من الجودة (القطن المصري الفاخر)، والشفافية (نظام تداول منظم)، والانفتاح على الأسواق العالمية (مشاركة دولية واسعة)، هذه العوامل نفسها ستكون حاسمة لنجاح سوق المشتقات الجديد.

كما أن التوقيت مناسب: فمصر اليوم تشهد إصلاحات اقتصادية عميقة، وتسعى لتعميق أسواقها المالية وجذب الاستثمارات الأجنبية، إطلاق المشتقات المالية سيوفر أدوات تحوط متطورة للمستثمرين، ويعزز كفاءة تسعير الأصول، ويضيف عمقًا وسيولة للسوق المصرية.

من الإسكندرية التي سعّرت القطن للعالم، إلى القاهرة التي تستعد لإطلاق مشتقات مالية حديثة، تواصل مصر كتابة فصول جديدة في تاريخها المالي، والرهان اليوم هو أن يكون المستقبل بقدر مجد الماضي.

الرابط المختصر