إعادة تعريف التعاون الدولي في عالم متغير: تأملات من مؤتمر ميونخ للأمن 2026

بقلم د. رانيا المشاط

  • الادعاء بأن التعاون الدولي و«النظام الدولي القائم على القواعد» قد انتهى لا يعكس الواقع الحالي بدقة، كما أن التقدم يظل مرهونًا بتكرار النماذج الناجحة.
  • تحقيق تقدم حقيقي يتوقف على الشراكات والتأثير الفعلي على أرض الواقع.
  • الروايات المتشائمة تحدّ من قدرتنا على بناء ممرات مستقبلية للطاقة والاقتصاد والتنمية.
  • التوترات الجيوسياسية تقتضي إعادة تشكيل الأسواق وأنظمة الطاقة وسلاسل الإمداد، ومن الضروري التفكير في كيفية التعامل معها.
  • يجب التركيز على الاستفادة من الميزة النسبية لتعزيز الحوار السياسي والالتزام بالتواصل الشفاف بين الشركاء.
  • العلاقة بين الأمن والتنمية وثيقة وجوهرية.
E-Bank

انعقد مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026 وسط نظام عالمي مُهدَّد. وبين مناقشات سلاسل إمداد الطاقة، والممرات الاقتصادية، والجدل الواسع حول مستقبل التعاون متعدد الأطراف، كشف المؤتمر عن مدى الترابط العميق بين المخاطر العالمية وكيفية الاستجابة لها.

حلف شمال الأطلسي

ورغم ما يشوب العلاقات الأمريكية-الأوروبية من توتر، فقد حمل المؤتمر العديد من الرسائل التي تؤكد أن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا ما تزال تكتسب أهمية كبيرة، ليس فقط لتعزيز الاستقرار والأمن، ولكن أيضًا لضمان استقرار الاقتصاد العالمي، وتعزيز التجارة والاستثمار، ودفع التقدم في مجالات البحث والابتكار.

ويمثل هذا التحول في الرسائل الصادرة عن مسؤولي الجانبين انتقالًا من منطق الانقسام إلى ضرورة تحقيق الاستفادة المتبادلة؛ إذ إن التفكير الأحادي يخلّف تكلفة اقتصادية واستراتيجية كبيرة، كما أن انعدام التنسيق يزيد من حالة عدم اليقين بشأن النظام العالمي بأكمله.

تابعنا على | Linkedin | instagram

وعمومًا، أشارت المحادثات خلال المؤتمر إلى استعداد متزايد من الولايات المتحدة وأوروبا للعمل معًا في مجالات أمن الطاقة، والسياسة الصناعية، والاستثمار، مع إدراك أن التحديات المشتركة تتطلب حلولًا مشتركة.

وإذا استمر التعاون عبر الأطلسي وفق مبادئ وأسس التعاون متعدد الأطراف، فإنه يمكن أن يكون ركيزة مهمة في عالم متزايد التقلب؛ فالتوافق بين الأسواق وسلاسل الإمداد يعزّز المرونة. ورغم ما تُحدثه التوترات الجيوسياسية من إعادة تشكيل للأسواق وأنظمة الطاقة، فإن الاستجابة المشتركة لها تظل ضرورة للتقليل من آثارها والحفاظ على ما تحقق من مكتسبات للنظام العالمي الحالي.

وفي المؤتمر أيضًا، استمرت الدعوات إلى إعادة إعمار قطاع غزة المدمَّر، حيث تتجاوز أزمته مجرد الاحتياجات الإنسانية، كما ارتفعت المطالبات بالتوصل إلى حل سلمي للحرب في أوكرانيا، بما يؤكد وحدة المصير المشترك، وأن انعدام الأمن يحمّل البشرية تكاليف اقتصادية وتنموية باهظة.

هل انتهى عصر التعاون متعدد الأطراف؟

إن الحديث عن انتهاء عصر التعاون متعدد الأطراف لا يعكس الواقع الحالي بدقة؛ فالأمر يتطلب تحليلًا واقعيًا ورؤية متوازنة للتحديات والضغوط التي يتعرض لها التعاون الدولي من أجل التعامل معها، مع التركيز في الوقت ذاته على جوانبه الإيجابية لتعظيمها وتكرار التجارب الناجحة.

وانصبّ التركيز في المؤتمر على كيفية أداء النظام العالمي وسط هذه الضغوط، سواء في مجالات الأمن، أو إمدادات الطاقة، أو الشراكات الاقتصادية، أو الاستجابة للتغيرات المناخية. والسؤال المطروح اليوم أمام القادة ليس ما إذا كان التعاون ما زال قائمًا، بل كيف يمكن أن يحقق نتائج ملموسة قابلة للقياس تنعكس على حياة الناس.

التعددية تتطور ولا تنتهي

إن وجود هذا النقاش في حد ذاته يؤكد أن التعاون متعدد الأطراف يمرّ باختبار ومرحلة تحول، لكنه لن ينتهي. فالشراكات الأمنية والاقتصادية وأجندة التنمية عمومًا تمر بمرحلة إعادة تصور لمواجهة التحديات الناشئة.

لذلك، فإن المطلوب في هذه المرحلة ليس التباكي على نظام عالمي سابق، بل التكيّف مع مرحلة جديدة تقوم على:

الاستفادة من المزايا النسبية ونقاط القوة لدى الدول والقطاعات المختلفة.

تعزيز الحوار حول السياسات من خلال تفاعل منظم يستبق المخاطر بدلًا من الاكتفاء بردّ الفعل.

تواصل شفاف يضمن وضوح التوقعات بين الحكومات وشركاء القطاع الخاص والمؤسسات.

تطوير آليات تنفيذ متعددة الأطراف تربط بين التمويل والحوكمة والتنفيذ لضمان تحقيق نتائج فعّالة.

وهذا يعني الانتقال من الحديث المتكرر عن انتهاء النظام العالمي إلى إبراز الأمثلة الناجحة والتركيز عليها؛ فالروايات المتشائمة تحدّ من قدرتنا على بناء مستقبل واعد في مجالات الطاقة والاقتصاد والتنمية.

التنمية والنمو والوظائف ركائز رئيسية للأمن

أحد أهم محاور النقاش في المؤتمر هذا العام كان التأكيد على العلاقة الوثيقة بين نتائج التنمية والأمن؛ فهي ليست علاقة هامشية، بل ارتباط جوهري وعميق.

وقد أبرزت هذه المناقشات حقيقة مهمة، وهي أن الأطر الأمنية التي لا تولّد نموًا اقتصاديًا وفرص عمل وآفاقًا حقيقية للبشر لن تكون قابلة للاستمرار. فأنظمة الطاقة، وممرات النقل، وسلاسل الإمداد ليست مجرد أصول، بل محركات للتحول الاقتصادي. وعندما تُصمَّم هذه المنظومة بشكل جيد، فإنها تحقق العديد من النتائج:

جذب استثمارات القطاع الخاص.

تعزيز سلاسل القيمة المحلية.

خلق فرص عمل متنوعة عبر مختلف المهارات والمناطق.

وعلى النقيض، فإن إساءة توظيف هذه المنظومة قد تؤدي إلى:

زيادة فجوات عدم المساواة.

تفاقم الضغوط الاجتماعية.

ترسيخ الهشاشة الاقتصادية.

ومن ثم، يجب التعامل مع النمو وخلق الوظائف باعتبارهما أهدافًا استراتيجية في حد ذاتهما، لا مجرد نتائج ثانوية. كما ينبغي أن يعمل التمويل التنموي، ورأس المال الخاص، والسياسات العامة، بشكل مشترك لضمان تحويل أمن الطاقة والممرات الاقتصادية إلى طاقات إنتاجية حقيقية، وصناعات قادرة على المنافسة، وفرص ملموسة للمواطنين، لا سيما الشباب.

غير أن تحويل هذا التوافق المتزايد إلى أثر فعلي يتطلب الانتقال من الطرح العام إلى تقييم أكثر دقة وتفصيلًا يحدد أيّ السياسات والشراكات والأدوات تحقق نتائج حقيقية على أرض الواقع.

نحو أجندة عالمية أكثر تفصيلًا

في أفضل حالاته، لم يكتفِ المؤتمر بتشخيص مواطن الخلل، بل سعى إلى فهم أسبابها وكيفية إصلاحها. فالتقدم الحقيقي يتحقق عندما يكون التحليل مفصلًا، يحدد الآليات والحوافز والشراكات التي تنتج نتائج ملموسة.

فالوصول إلى علاقات دولية قائمة على المنفعة المتبادلة التي تدعم الاستقرار والنمو المشتركين يتطلب من مؤسسات التمويل الدولية تصميم أدوات تمويل تمزج بين التمويل الميسّر والاستثمار الخاص، ومواءمة السياسات مع الأهداف التنموية الوطنية لكل دولة، وتخطيط مشروعات البنية التحتية بما يحقق مكاسب على صعيد العمل المناخي والاقتصادات المحلية.

وفي الوقت ذاته، يتعين على الاقتصادات الناشئة والنامية ألا تكتفي بدور المتلقي الذي يسعى إلى التأقلم مع المتغيرات، بل يجب أن تسهم في صياغة هذا التحول، من خلال حضور أقوى وصوت أكثر تأثيرًا، ليس فقط في المحافل الدولية، بل أيضًا داخل المؤسسات والأنظمة التي تنظم الاستثمار والتجارة والأمن.

رؤية تتطلع إلى المستقبل

العالم لا يسير وفق رواية ثابتة؛ فالتغيير مستمر، واستجاباتنا يجب أن تكون بالقدر نفسه من المرونة والديناميكية.

وإذا كنا نطمح إلى مستقبل يقوم على أمن طاقة مستدام، ومسارات تنموية قادرة على الصمود، وأنظمة اقتصادية أكثر شمولًا، فإن المطلوب هو بناء تعاون دولي يحقق أثرًا قابلًا للقياس في الواقع، لا الاكتفاء بالإعلان عنه أو الترويج له نظريًا.

 

الرابط المختصر