عبير لهيطة: إغلاق مضيق هرمز يمثل أخطر نقطة اختناق للطاقة والتجارة الدولية
تحول جذري وفوري في بيئة المخاطر التشغيلية لقطاع النقل واللوجستيات
شاهندة إبراهيم وفاطمة أبو زيد ومحمد أحمد ويارا الجنايني _ قالت المهندسة عبير لهيطة، العضو المنتدب للشركة المصرية لخدمات النقل – ايجيترانس نوسكو، إن التصعيد العسكري الأمريكي الإيراني يشكّل اختبارًا حقيقيًّا لمدى مرونة وهشاشة سلاسل الإمداد في المنطقة، كما يمثل تحولًا جذريًّا وفوريًّا في بيئة المخاطر التشغيلية التي تحكم قطاع النقل واللوجستيات.
أشارت لهيطة في تصريحات لجريدة حابي، إلى أن قطاع النقل واللوجستيات يتأثر بشكل مباشر وأساسي، حيث إن أي تصعيد يُعيد تشكيل معادلة التكلفة بسرعة، بدءًا من الشحن والتأمين وصولًا إلى زمن العبور.

وفي الوقت نفسه، أوضحت أن درجة التأثير تظل مرهونة بطول أمد الحرب وطبيعة التسوية التي قد تليها، سواء كانت تسوية مستقرة أم هشة تترك الباب مفتوحًا لصدمات مستقبلية، وهو ما سيحدد ما إذا كانت هذه التحولات مؤقتة أم ستتحول إلى سمات هيكلية دائمة في بيئة الأعمال.
نوهت بأنه مع تحقيق الاقتصاد المصري معدل نمو يقترب من 4.7% خلال الربع الأول من عام 2026، يتحول التحدي الجوهري من الحفاظ على كفاءة العمليات في ظل ضغوط متصاعدة إلى القدرة على استمرارية الحركة.
وتابعت: بالتفاعل مع هذا التحدي؛ انتقلت شركات اللوجستيات من مرحلة التركيز على تحسين الهوامش الربحية إلى تبني منطق جديد قوامه تأمين الاستمرارية وضمان صمود سلاسل الإمداد، لا سيما في ظل حالة اللايقين المتزايدة التي تكتنف الممرات البحرية والجوية الحيوية في المنطقة.
ولفتت العضو المنتدب للشركة المصرية لخدمات النقل – ايجيترانس نوسكو، إلى أن موقع مصر خارج دائرة العنف المباشر يجعلها في وضع نسبي مغاير، إذ يمكنها استغلال ذلك لصالح جذب استثمارات وتدفقات تجارية كانت موجهة لأسواق أخرى أكثر اضطرابًا، بشرط الإدارة الحكيمة لهذه الميزة التنافسية.
وعن طبيعة القطاعات الأكثر تضررًا، ترى لهيطة أن قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية العابرة للحدود يأتي في مقدمة المتأثرين بسبب الارتفاع الفوري في أقساط التأمين وتكاليف التشغيل، خاصة إذا ما استمر التصعيد لفترة طويلة دون أفق واضح للحل.
وأشارت إلى مواجهة قطاع الصناعات التصديرية تحديات متصاعدة، نظرًا لأنها تلتزم بمواعيد تسليم دقيقة، وأي تأخير قد يؤدي إلى خسائر تعاقدية وزيادة رأس المال العامل، وتزداد حدة التأثير إذا تحولت الاضطرابات إلى نمط مستدام يعيد تشكيل طرق التجارة العالمية.
كما لفتت إلى أن الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة تتعرض لضغوط كبيرة في ظل تقلبات أسعار الطاقة وصعوبة تأمين الإمدادات، بينما تظل القطاعات الموجهة للسوق المحلية والأقل ارتباطًا بالاستيراد أقل تضررًا نسبيًّا، مضيفة: «هذا التفاوت يعيد توجيه الاستثمارات في عام 2026 نحو الأنشطة الأكثر استقرارًا والأقل عرضة للصدمات الجيوسياسية».
وعن انعكاس وقف إمدادات الغاز على القطاع الصناعي، قالت: في ظل التصعيد العسكري الراهن يمثل وقف أو اضطراب إمدادات الغاز صدمة طاقة حقيقية تُعيد رسم خريطة الإنتاج الصناعي في مصر والمنطقة.
وأوضحت أن الأزمة لا تتوقف عند مجرد تأخير التوريد، بل تخلق تحديات هيكلية تبدأ بارتفاع عالمي في تكلفة الطاقة، وقد تصل إلى تعطل جزئي أو كلي لخطوط إنتاج كاملة، ما يفرض ضغوطًا شديدة على الشركات الصناعية.
وفي السياق نفسه، أشارت إلى أن الآثار المرتقبة ترتبط مباشرة بمدة استمرار الحرب ومدى استقرار التسويات المستقبلية، فإذا ظلت الحلول هشة، سيضع ذلك أسواق الطاقة تحت ضغط علاوات مخاطر مرتفعة.
كما توقعت لهيطة في تصريحاتها، أن تتأثر مصر فورًا بأي اضطراب، ما ينعكس في زيادة الأسعار العالمية والمحلية للغاز، ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه مصر لزيادة واردات الغاز المسال بنحو 26% في 2026 لتصل إلى 11.1 مليون طن.
زيادة تكلفة الطاقة قد ترفع أسعار مدخلات الإنتاج الصناعي بين 25% و40%
وتابعت: زيادة تكلفة الطاقة قد ترفع أسعار مدخلات الإنتاج الصناعي بين 25% و40% في القطاعات كثيفة الاستهلاك، ما يدفع بعض الشركات إلى تقليص الإنتاج أو نقل العبء إلى المستهلك النهائي، وقد تتآكل هوامش الربح بدرجة لا تحتملها بعض المصانع.
نوهت بأن القطاعات الأكثر عرضة للضغط تشمل الأسمدة والحديد والأسمنت والبتروكيماويات، حيث قد يضطر بعضها إلى خفض الإنتاج أو حتى الإغلاق الجزئي، ما يهدد التصدير ويؤثر على تدفق العملة الأجنبية.
الأسمدة والحديد والأسمنت القطاعات الأكثر عرضة للضغط
ولفتت إلى أن قطاع النقل واللوجستيات لن يكون بمنأى عن التأثير، إذ سترتفع تكاليف تشغيل الأساطيل والتخزين والتبريد، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة سلاسل الإمداد بالكامل، ويتسبب في زيادة أسعار السلع الاستهلاكية، لينعكس الأمر في موجة تضخمية جديدة تضغط على القوة الشرائية.
وعن تأثر حركة التجارة العالمية بإغلاق مضيق هرمز، قالت: لا يُنظر إلى هذا الأمر على أنه حادث عابر، بل يمثل زلزالًا جيواستراتيجيًا يضرب قلب التجارة العالمية، حيث تمر عبر هذا المضيق نحو 20% من النفط العالمي وقرابة ربع تجارة الغاز المسال، ما يجعله أخطر نقطة اختناق للطاقة والتجارة الدولية.
ارتفاع مرتقب في تكاليف الشحن بين 50% و100% على خطوط آسيا – أوروبا
وأوضحت أن أي تعطيل لحركة المضيق سيؤدي مباشرة إلى قفزة حادة في أسعار الطاقة، ويطلق موجة تضخمية عالمية، مع ارتفاع تكاليف الشحن بين 50% و100% على خطوط آسيا – أوروبا، وزيادة أقساط التأمين، وإطالة الرحلات البحرية حول رأس الرجاء الصالح بما يصل إلى 10- 14 يومًا.
إطالة الرحلات البحرية حول رأس الرجاء الصالح بين 10- 14 يومًا
وأكّدت لهيطة، على أن هذا الوضع يربك جداول التسليم ويضغط على رأس المال العامل للمستوردين والمصدرين، وفي الوقت نفسه شددت على أن حجم هذه التداعيات واستدامتها سيعتمدان على طول فترة الإغلاق ونوعية التسوية السياسية التي تعقبه، فالإغلاق المؤقت يختلف جذريًّا عن التحول طويل الأجل في طرق التجارة العالمية.
جيواستراتيجيًّا، قالت إن إغلاق المضيق سيعجل بتفتيت عولمة الطاقة، ويدفع القوى الكبرى مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادرها، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وخلق تحالفات لوجستية جديدة.
وبالنسبة لمصر، نوهت العضو المنتدب لشركة ايجيترانس نوسكو، بأنها تستورد نصف احتياجاتها النفطية تقريبًا، وسيؤدي أي إغلاق إلى زيادة فاتورة الواردات بمليارات الدولارات والضغط على الاحتياطي الأجنبي.
تابعت: ستتأثر أيضًا حركة التجارة عبر قناة السويس، أحد أهم الممرات الملاحية عالميًا، والتي تعتمد على تدفق السفن بين آسيا وأوروبا، موضحة أن أي تراجع في حجم التجارة العالمية سيؤدي إلى انخفاض أعداد السفن العابرة، ما يقلل إيرادات القناة ويؤثر على قدرتها في خدمة الشحن الدولي.
وحذّرت من أن هذا التراجع قد يضاعف الضغوط الاقتصادية على مصر، ويؤثر على الأمن الغذائي في الدول العربية نتيجة ارتفاع تكلفة شحن الحبوب والسلع الأساسية.
وبالرغم من هذه التحديات، أكّدت على أن موقع مصر خارج دائرة الصراع المباشر يمنحها فرصة استثنائية لتقديم نفسها كمركز لوجستي إقليمي آمن، وكمركز للصناعة وإعادة التصدير وشحن البضائع عبر مسارات بديلة.
أوضحت أنه يمكن لمصر استثمار موقعها لتكون جزءًا من الحل من خلال تعزيز دورها في تسييل الغاز وإعادة تصديره، واستغلال موانئها لاستقبال الحركة التجارية البديلة، والمشاركة في تحالفات إقليمية جديدة تهدف لتقليل الاعتماد على المضايق المهددة.
وترى أن إغلاق هرمز يُعد نقطة تحول جوهرية تفرض على مصر تسريع خطط التخزين الإستراتيجي للنفط، وتوسيع شراكات الغاز المسال، وتعزيز دورها كمركز لوجستي إقليمي، لتحويل التحديات إلى فرص استثمارية طويلة الأجل.













