د. محمود محيي الدين يكتب.. النتائج الاقتصادية لحرب بلا استراتيجية
بقلم د. محمود محيي الدين الخبير الاقتصادي المصري نقلا عن الشرق الأوسط _ شرعتُ في كتابة هذا المقال وشاشات أسواق المال مغطاة باللون الأحمر انخفاضاً، وما كدت أنتهي منه حتى تبدَّلت مؤشراتها إلى اللون الأخضر ارتفاعاً، وإن لم تعوض خسائر أيام الحرب وتداعياتها الفورية.
أما ما بدَّل حالها فهو تنويه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أن الحرب قد توشك على بلوغ نهايتها، فانخفض سعر النفط إلى ما دون 90 دولاراً للبرميل، بعدما لامس سعر 120 دولاراً للبرميل، وسط تخوفات من أن امتداد الحرب سيجعل البرميل متجاوزاً سعر 147 دولاراً الذي وصل إليه عام 2008.

ولا يدري أحد كيف سيكون لون شاشات الأسواق عند قراءة هذا المقال، هل بحمرة الهلع؟ أم باخضرار لبدء رحلة تعويض ما مُنيت به من خسائر؟ الوحيد الذي يمكنه إيقاف الحرب في أي لحظة هو الرئيس ترامب، وبغض النظر عن نتائجها فلديه القدرة على الترويج لما سيعتبره انتصاراً مؤزراً.
ولا شك في أن وعود الرئيس ترامب لأنصاره عامل مهم هنا: فهو الساعي لنيل جائزة نوبل للسلام، وهو الذي نسب لنفسه نجاحات في منع وإيقاف حروب عدة حول العالم، فإذا به ينخرط في حرب لا يزيد عدد مؤيديها في بلاده على 27 في المائة، وفقاً لاستطلاع أجرته «رويترز»، وتصفها مجلة «الإيكونيميست» البريطانية بأنها «حرب بلا استراتيجية».
فقد تشابهت على المتابعين أهدافها: بين تقويض فرص إيران في تطوير قدراتها النووية العسكرية، والقضاء على أسطولها وأسلحتها الباليستية، وإسقاط نظام الحكم في طهران، وتصفية رأس نظامه؛ من دون اكتراث لما سيكون عليه رد الفعل للعمليات العسكرية، وتأثير الحرب على من ليس له في افتعالها ذنب أو مأرب، أو ما سيكون عليه اليوم التالي لنهاية الحرب. كما أن الرئيس ترامب أعلن عن رغبته في تخفيض قيمة الدولار لتيسير التصدير، وتحجيم الاستيراد، وزيادة التنافسية، فإذا به يرتفع على غير هواه، ويتم اللجوء إليه كملاذ آمن في الأجل القصير.
كما أنه ندد مراراً بعجز البنك الفيدرالي عن تخفيض أسعار الفائدة، لتشجيع المستثمرين، ودفع طلب المستهلكين، وإنعاش القطاع العقاري، فإذا به ينشئ وضعاً صعباً لتخفيضها لزيادة الأسعار تأثراً بارتفاع تكلفة الطاقة كوقود، وكمدخل حيوي في المنتجات المصنعة، فضلاً عن تأثيرها السلبي على أسعار الأسمدة والغذاء ونقله.
كما أن تغيُّرات أسعار الوقود وتقلباتها تستدعي أشباح البطالة والركود؛ في وضع تستاء منه البنوك المركزية، وهو «الركود التضخمي» الذي يخفض مرونتها في توجيه السياسة النقدية، أتقيِّدها كبحاً للتضخم؟ أم تيسِّرها إنقاذاً لسوق العمل الهشة، ودفعاً للنمو المهدد بالتراجع؟ وإن كنت أرجِّح أن البنك الفيدرالي سيترقب الموقف لفترة تسمح له بتقدير أفضل للأثر النهائي قبل اتخاذ قرار.
ويترتب على ذلك عزوف المستثمرين عن الاستثمار في الأصول المالية الأمريكية التي أمست مستلزمة تحوطاً أكبر ضد مخاطرها. هذا كله يحدث للاقتصاد الأمريكي، رغم أنه مُصدر صافٍ للغاز الطبيعي منذ 2017 وللنفط منذ 2020. ولكن ظروف الحرب سترفع تكاليف الأمن ومخصصاته في الموازنة، وتتراجع الإيرادات لتراجع نمو اقتصاد يهدده الركود، ليزداد عجزها على نسبة 6 في المائة من الناتج المحلي، فترتفع ديونها لتقترب من 40 تريليون دولار، أي نحو 125 في المائة من الناتج.
أما الاقتصادات الأوروبية والآسيوية فستواجه تحديات بارتفاع الأسعار، وانخفاض الكميات المصدرة إليها من النفط والغاز، وهي أكثر انكشافاً وتعرضاً لتقلبات أسعار الطاقة مقارنة بالولايات المتحدة، مع خطر تراجع الكميات. ويعتمد تأثر معدلات التضخم على ثلاثة عوامل: سرعة ارتفاع الأسعار، ومدى ارتفاعها، ومدة بقائها مرتفعة. كما يهدد تراجع المعروض من الطاقة معدلات النمو انخفاضاً.
وستتأثر الصين التي تستورد ما يزيد على 70 في المائة من استهلاكها من النفط، ولكن لديها من الاحتياطي ما يقيها، مع إمكانية زيادة وارداتها من الطاقة من روسيا، وكذلك ستفعل الهند كما فعلت من قبل. ومن المقدر أن يزيد معدل التضخم العالمي بمقدار نصف نقطة مئوية تقريباً لكل 10 في المائة من الزيادة في سعر النفط، مع تراجع في النمو والتشغيل.
تبرز في هذا قدرة ومدى تأثير اقتصادات دول الخليج العربية. فقد ضل تحليل من قالوا بأن الأثر العالمي لما حاقت بها من أضرار محدود، باعتبار أن نسبة الاقتصاد الخليجي لا تتجاوز 2 في المائة من الناتج المحلي العالمي، فإذا باضطرابات الاقتصادات والأسواق حول العالم إثر العدوان الإيراني على بلدان الخليج، تظهر قصور تقدير هؤلاء باختزالهم للواقع في نسبة لا تعبر عن امتداد تأثير اقتصادات الخليج. فقد أصبح الاقتصاد الخليجي أكثر تنوعاً وأكبر انخراطاً في قنوات الاقتصاد العالمي، تجارة واستثماراً وتمويلاً، وتطورت فيه مراكز البيانات.
كما أنه رقم صعب في حركة النقل واللوجيستيات والسفر والسياحة، واستقطاب العمالة الدولية، فضلاً عن أنه مصدر حيوي للطاقة نفطاً وغازاً، ومنتج مهم لمدخلات صناعية كالألمنيوم والصلب والبتروكيماويات، ومستلزمات زراعية كالأسمدة، كما تمر به تجارة الذهب والفضة. ومن المخجل أنه في لحظات فارقة تستلزم التضامن بين البلدان العربية المضارة من الحرب، تظهر دعاوى متهافتة تتبنى شعارات انتهازية، من نوع أن «مصائب قوم عند قوم فوائد»، متجاهلة أو جاهلة بأننا «قوم واحد»، فإما أن نَسلم من الشر جميعاً، وإما سنضار تباعاً.













