د. ماهر عشم يكتب.. أزمة أم فرصة؟

بقلم د. ماهر عشم رئيس شركة كومتريكس للتجارة الإلكترونية _ينتاب العالم وخاصة منطقة الشرق الأوسط موجات متفاوتة من القلق والخوف والخسائر والاضطرابات بسبب الحرب الدائرة، والتي امتدت لتشمل دولًا كثيرة في المنطقة بحسب موقعها الجغرافي والسياسي اللذين يحددان مدى التأثر بها.

ومع أننا لسنا طرفًا في النزاع الدائر إلا أن اقتصادنا تأثر فورًا بتداعيات تلك الحرب وتباينت التأثيرات بين انخفاض مباشر للعملة الوطنية، وارتفاع سعر الوقود وبالتالي بداية موجة تضخمية جديدة بعد أن كانت السياسات النقدية قد حققت نجاحًا كبيرًا في حصار الموجة العنيفة التي كانت قد سبقتها في أعقاب الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

E-Bank

كان البنك المركزي المصري قد أعلن نسبة 7 بالمئة كمستهدف التضخم للسياسات النقدية هذا العام. وحسب بيان الاجتماع الأخير للجنة السياسات النقدية بتاريخ 12 فبراير من العام الحالي؛ كان قد تم الإفصاح على وصول التضخم العام إلى 11.9% من نسبة 12.3% في ديسمبر 2025. والآن ارتفعت نفس النسبة مجددًا لتصل إلى 13.4% بحسب موقع المركزي المصري.

في أعقاب تلك الأحداث تعالت الأصوات بالتحذير من عواقب الحرب أن طالت وتأثيراتها السلبية على ارتفاع الاسعار وانخفاض قيمة العملة. وتكلم كثير من الخبراء عن أن الاعتماد على الأموال الساخنة مجرد مسكن لعارض المرض وليس علاجًا له. وأن العلاج الوحيد يكمن في الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد الحقيقي للمنتج ليكون اقتصادًا قويًّا يتحمل الصدمات التي صارت أكثر تتابعًا وأقوى تأثرًا في العقدين الأخيرين.

وبالرغم من اتفاقي مع بعض هذه التحليلات والآراء، إلا أني أنأى بنفسي قليلًا عن تلك الموجة التشاؤمية وأحاول في مقالي استعراض فكر إيحابي عن كيفية الاستفادة من الوصع الراهن لقيادة اقتصادنا الوطني نحو مستهدفات التضخم المنخفضة ومعدلات النمو في الناتج المحلي المرتفعة.

فمصر دولة ذات موقع سياسي وجغرافي فريد في منطقة الشرق الأوسط، مما يتيح لها فرصًا كبيرة لاستقطاب الاستثمارات في ظل الأزمات الراهنة، كالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وبينما تشهد المنطقة حالة من الاضطراب نتيجة الصراعات العسكرية والسياسية المستمرة، والتي تترك أثرها على الاستقرار الاقتصادي. إذ تؤثر الحروب والصراعات على حركة التجارة والاستثمار، مما يسبب الانكماش الاقتصادي في الدول المتضررة. أما مصر فتتمتع بالمميزات الآتية:

تابعنا على | Linkedin | instagram

أولًا: الأمن والأمان فمن نعم الله وبفضل إدارة رشيدة وحكيمة على رأسها سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بمصر حالة مختلفة من الأمان، وقد تندرت وسائل التواصل الاجتماعي بها متمثلة في حفل الإفطار السنوي بالمطرية والذي تضمن حضورًا دبلوماسيًّا واسعًا متمثلًا في سفراء العديد من دول أوروبا ومشاركاتهم الطريفة على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بسفاراتهم، والتي أبرزت انخراطهم مع سكان أكثر المناطق الشعبية في احتفال سنوي بأمان وسعادة. فمصر تسعى إلى الحفاظ على سياسة عدم الانحياز في الصراعات الإقليمية، مع التركيز على تعزيز الأمن والاستقرار الداخلي. كما تعتبر مصر لاعبًا رئيسيًّا في أي مفاوضات سلام محتملة، ولها علاقات قوية مع معظم القوى الكبرى في المنطقة.

ثانيًا: الموقع الجغرافي الفريد إذ تقع مصر عند ملتقى الطرق بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، مما يجعلها نقطة إستراتيجية في التجارة العالمية. كما تمر خلال وبجانب مصر الكابلات البحرية التي تربط أوروبا وأمريكا بشرق وجنوب إفريقيا والخليج وجنوب شرق آسيا.

ثالثًا: السوق الكبير الناتج عن عدد السكان وتنوع مقومات وقطاعات وموارد مصر إذ تضم سوقًا محليًّا واسعًا مما يعزز الطلب على السلع والخدمات.

رابعًا: الكوادر البشرية فمصر دولة شابة تعتمد أساسًا على الكوادر البشرية المحلية وهي مصدرة لها بعكس الكثير من دول المنطقة التي تعتمد على كوادر أجنبية.

تشكل تلك العوامل متزامنةً مع الأحداث عناصر قد تكون جاذبة لاستثمارات تبحث عن أماكن أكثر أمنًا واستقرارًا في قطاعات عديدة في مختلف المجالات الخدمية والصناعية والزراعية والخدمات اللوجيستية والتجارية وتكنولوجيا معلومات ومراكز بيانات إلى آخره. ويمكن فرد مقالات لكل من تلك الأنشطة الاقتصادية.

وحتى نتمكن من ذلك نحتاج بشدة إلى تغيير إعادة تموضع مصر (repositioning) وما قد يتضمنه هذا من إعادة صياغة القيمة للعلامة التجارية. وعادةً ما يلجأ خبراء التسويق إلى ذلك عند تغيير الأوضاع بالسوق او رغبتهم في اجتذاب عملاء جدد.

نحتاج إلى مشروع قومي تتضافر فيه كل الوزارات والجهات ذات الصلة لتسويق مصر بذكاء مع التركيز على المزايا التنافسية لمصر عند جذب الاستثمارات كوجهة آمنة للاستثمار. في نفس الوقت نحتاج إلى العمل الدائم والجاد والحقيقي على تحسين بيئة الأعمال عن طريق تطوير القوانين والتشريعات لتكون مشجعة للمستثمرين. وتسهيل الاجراءات وتمتلك مصر الفرصة لتكون وجهة استثمارية رائدة في ظل الظروف الراهنة. من خلال استغلال موقعها الفريد ومزاياها الفريدة، يمكن لمصر أن تصبح محورًا للاستثمار في المنطقة فعلينا البدء فورًا في مشروع قومي سريع على أعلى مستوى لتحقيق هذا الهدف.

الرابط المختصر