هاني جنينة: تسارع معدلات التضخم في المدى القصير
إنتاج الغاز الطبيعي من المرجح أن يتضاعف خلال الأعوام الأربعة القادمة
باره عريان _ قال هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، إن معدلات التضخم ستشهد تسارعًا في المدى الزمني القصير، والذي يقصد به شهري مارس وأبريل، مرجعًا ذلك إلى عدة أسباب، أولها ارتفاع أسعار الشحن بمعدلات كبيرة منذ بدء الأحداث، فقد تم التواصل مع بعض المصنعين الذين أكدوا ذلك، منوهًا إلى أن هذا الأمر من شأنه رفع أسعار السلع.
أضاف جنينة أن السبب الثاني يتمثل في زيادة أسعار السلع الأساسية التي تدخل في إنتاج العديد من المنتجات، وليس البترول فقط، منوهًا إلى أن تأثير ارتفاع أسعار البترول لا يقتصر على الوقود، بل يمتد ليشمل الكيماويات التي تدخل في صناعة البلاستيك، مثل الحاويات، والزجاجات، والعبوات، وكذا منتجات التغليف، حيث تتأثر كل هذه المنتجات.

ونوه إلى أن هذا الأمر ينعكس أيضًا على أسعار الألومنيوم الذي يستخدم في صناعة عبوات المشروبات على سبيل المثال، لا سيما في ظل الارتفاعات التي يشهدها سعر هذا الخام، مما قد ينعكس على أسعار المشروبات والمنتجات التي تستخدم الألومنيوم في التعبئة.
أشار إلى أن السبب الثالث هو سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، والذي ارتفع بنسبة تتراوح بين 6% و7%، فضلًا عن ارتفاع أسعار البترول، التي ألقت بظلالها على أسعار السلع المحددة إداريًّا في بعض الدول، مثل مصر، فقد أسفر ذلك عن التوجه لرفع أسعار الطاقة.
وقال هاني جنينة، إن هذه القنوات الأربع من شأنها التأثير على معدلات التضخم في الأمد القصير، فهي قد تشهد تسارعًا من المستويات الحالية التي تبلغ نسبتها 13%، إلى معدلات تتراوح بين 15% و16% خلال شهري مارس وأبريل من العام الجاري.
الغاز الأوروبي سينخفض بنسبة 40% وصولًا إلى 10 دولارات العام المقبل
وتابع: “توقعاتنا للفترة المتبقية من العام تستند إلى ما نراه من توازنات في العرض والطلب على السلع الأساسية في العالم، وقد كشف تقرير حديث أن إنتاج الغاز الطبيعي من المتوقع أن يتضاعف خلال الأربعة أعوام القادمة المنتهية في عام 2030، حيث سيشهد كل عام منها إدخال طاقات إنتاجية جديدة، وهو ما يعد أمرًا مطمئنًا، كما أشار تقرير صادر عن بنك أوف أمريكا منذ أيام إلى أن سعر الغاز الأوروبي سينخفض من حوالي 50 يورو للميجاوات ساعة، أي ما يعادل 17 أو 18 دولارًا للمليون وحدة حرارية، إلى ما يوازي 10 دولارات للمليون وحدة حرارية في العام القادم، وهو ما يعني حدوث خفض بنسبة 40%”.
وأوضح أن الغاز الطبيعي الأوروبي يعد بمثابة حجر الزاوية في تسعير اليوريا في مناطق كثيرة على مستوى العالم، ومنها أوروبا، منوهًا إلى أن اليوريا تعتبر مدخلًا أساسيًّا من مدخلات الإنتاج الزراعي، يليه في ذلك الصناعات الغذائية، فإذا ظلت أسعار اليوريا مرتفعة بسبب سعر الغاز الطبيعي، فهذا يعني حدوث تضخم في مؤشرات الغذاء في العالم، لافتًا إلى أن مصر تعتبر من الدول المستوردة للغذاء، الأمر الذي سيجعل صورة التضخم بها سيئة.
وأكد جنينة أن هذا ليس ما يراه، وما يحدث بالفعل، حيث توجد فوائض من الغاز الطبيعي، خاصة الغاز الأمريكي، فقد أصبحت أمريكا تمثل ما يتراوح بين 30% و35% من إنتاج الغاز الطبيعي في العالم، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا منه يتم تصديره، سواء من خلال خطوط الأنابيب إلى المكسيك وكندا، أو عند طريق تصدير الغاز الطبيعي المُسال، والذي أصبح يمثل 60% تقريبا من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي، مما يعكس تحول القبلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة اعتماد أوروبا على الغاز الأمريكي، الذي يتسم بكونه رخيصًا، بعد أن كانت تعتمد على روسيا في ذلك.
90 % من الغاز الطبيعي المسال الوارد إلى مصر يأتي من الولايات المتحدة
أضاف أن 90% من الغاز الطبيعي المسال الوارد إلى مصر يأتي من الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي يبرهن على أن تصدير الغاز الأمريكي يشهد زخمًا كبيرًا جدًّا، لافتًا إلى أن أمريكا تقوم بتصدير أسعار طاقة منخفضة لجميع أنحاء العالم، وعلى رأسها القارة الأوروبية، والتي تعد أحد أكبر الدول المنتجة للمحاصيل الزراعية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
الرؤية للتضخم في أسعار الغذاء تتسم بكونها متوازنة
وأوضح أنه استنادًا على ذلك، فإن الرؤية للتضخم في أسعار الغذاء تتسم بكونها متوازنة، وهو ما يعد أمرًا رئيسيًّا، فعلى سبيل المثال من المُلاحظ أن سعر طن القمح بلغ 220 أو 230 دولارًا مؤخرًا، علمًا بأنه في أعقاب الأزمة الروسية الأوكرانية، كان سعر طن القمح يبلغ 420 أو 440 دولارًا، كما أنه كسر هذا الحاجز في بعض الأوقات، وهو ما يعكس أن الأسعار تتداول حاليًا بقيم تعادل نصف ما تم الوصول إليه خلال تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
نتوقع انهيار أسعار البترول حال وقف الحرب على إيران
وقال هاني جنينة إنه فيما يتعلق بالبترول، الذي يعد أساس الأزمة، حيث يشهد تحركات بين 80 و100 دولار للبرميل، يجب الالتفات إلى وجود فائض ضخم من البترول في العالم، موضحًا أن ما يحدث الآن يعتبر أزمة لوجستية، وليس أزمة في الإنتاج، منوها إلى أنه في حال تم وقف الحرب ستشهد أسعار البترول انهيارًا، وليس مجرد انخفاض.
أشار إلى أنه وفقًا لبيانات الوكالة الدولية للطاقة، كان من المتوقع ارتفاع الطلب السنوي على النفط بنحو 1% قبل التداعيات الأخيرة، أي ما يعادل 103 ملايين برميل يوميًّا تقريبًا، لافتًا إلى أن المعروض لهذا العام كان من المتوقع أن يكون 106 ملايين برميل يوميًّا، وذلك وفقًا للمعطيات ما قبل اندلاع الحرب، وبالتالي كان سيتوفر فوائض في حدود 2.5 إلى 3 ملايين برميل يوميًّا، منوهًا إلى أن الدول تحصل على هذه الفوائض لبناء مخزوناتها.
أضاف أن هذا الأمر يعني أنه حال تم وقف الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، ستكون السوق مليئة ومُتخمة بالبترول، وهو ما سيسفر عن العودة إلى انخفاض سعر البترول، وعليه فإن التضخم الذي سيشهده شهرا مارس وأبريل سيعكس اتجاهه تماما إلى انخفاض الأسعار، بدلًا من ارتفاعها.
وتابع: “خلال تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، كان هناك تهديد بحجب نحو 3 ملايين برميل بترول يوميًّا عن الأسواق العالمية، وذلك من صادرات روسيا، وحينها ارتفعت أسعار البترول من مستوى 90 دولارًا للبرميل، إلى ما يقارب 130 دولارًا خلال شهر من اندلاع الحرب، مما يعكس ارتفاعا قدره 35 دولارًا في البرميل، علمًا بأن هذا كان رد فعل لتوقع لم يحدث”.
ونوه جنينة إلى أنه خلال التداعيات الحالية، تم حجب 20 مليون برميل يوميًّا، باستثناء بعض السفن القليلة التي تعبر، واستثناءات قليلة واردة من خط الأنابيب الذي يمر إلى ميناء ينبُع، بالإضافة إلى خط الفُجيرة الخاص بالإمارات، لافتًا إلى أنه إذا لم يتم الأخذ بعين الاعتبار هذين الخطين، فهذا يعني أن هناك 13 أو 14 مليون برميل يوميًّا تم حجبه بالفعل، وليس مجرد توقعات، وذلك في منطقة مُتخمة بآبار البترول والاحتياطيات، وكذلك منصات الإنتاج، ومعامل التكرير، ومعامل تصدير الغاز الطبيعي المُسال.
أشار إلى أن البنية التحتية للبترول والغاز الطبيعي في العالم، تتسم بكونها متركزة في تلك المنطقة، وعلى الرغم من كل ذلك يُلاحظ أن سعر البترول يجد صعوبة شديدة جدا في كسر حاجز 100 دولار، وهو ما يعد مؤشرًا كبيرًا على أنه لا يوجد أحد من المستثمرين يجرؤ على إتاحة البترول بقيمة تفوق ذلك، نظرًا لكونهم يعلمون حقيقة الأمر، وهي أن هناك الكثير من البترول، لذا فإن من سيتخطى هذه القيمة سيواجه تداعيات ذلك وحده.
وقال إن الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة بدعم من مجموعة السبع G7 اتفقت على ضخ نحو 400 مليون برميل من النفط من احتياطاتها الإستراتيجية، مؤكدًا أنه إذا حدث ذلك في الموعد المحدد، وبصورة منتظمة ومستمرة، دون حدوث أي مشاكل لوجستية، أو بالنقل، فهذا الأمر سيسفر عن سد الفجوة الناتجة عن غلق مضيق هرمز، وذلك لمدى زمني يصل إلى 30 أو 40 يومًا تقريبًا.
عدم تخطي برميل النفط 100 دولار مؤشر جيد.. وتوقعات بوصوله إلى 50 – 60 دولارًا خلال العام القادم
أضاف أن كل هذه المعطيات تظهر أن النظرة متوسطة الأجل لأسعار البترول تتسم بكونها كارثية، لافتًا إلى وجود دليل آخر على ذلك وهو أسعار العقود المستقبلية، حيث إن التسليمات خلال مايو ويونيو ويوليو في مستوى 90 دولارًا للبرميل، في حين أن تسليم ديسمبر 2026 في مستوى 73 أو 75 دولارًا.
وحول رؤيته لمعدلات التضخم في مصر، نوه هاني جنينة إلى أنه استنادًا إلى كل ما سبق، يتبين أن هناك توقعات بانخفاض أسعار الغاز الأوروبي الذي تعتمد عليه الأسمدة، وهو ما يعد أمرًا جيدًا لأسعار الغذاء في مصر، منوهًا إلى أن وجود توقعات بوصول سعر البترول إلى 50 أو 60 دولار للبرميل بنهاية العام الجاري، أو خلال العام القادم، يتسم بكونه مؤشرًا إيجابيًّا، لا سيما أنه يتم الاستناد على مستويات سعرية للبترول في الموازنة تتراوح بين 70 و80 دولارًا للبرميل.
لا يوجد شُح في السلع الغذائية الأساسية على مستوى العالم
وعلى مستوى أسعار السلع الغذائية، أكد على عدم وجود أي شُح في السلع الغذائية الأساسية على مستوى العالم، حيث إن محاصيل القمح تتسم بكونها جيدة ووفيرة، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالذرة وفول الصويا، لافتا إلى أن الجانب الوحيد الذي يشهد مشكلة طفيفة للغاية، هو زيت النخيل الوارد من ماليزيا وإندونيسيا، نتيجة عدة عوامل منها وجود طلب مرتفع عليه، كما أن الإنتاج الخاص به وصل إلى طاقته القصوى، فضلًا عن وجود تحالفات تسيطر على هذا الأمر في تلك الدول، لذا فهي أحيانًا تقوم “بتعطيش” السوق، منوهًا إلى أن هذا الشق يختص بجزء محدد في مصر، وهو صناعة زيوت الطهي، كما أنه كان يُستخدم في صناعة الجبن الأبيض في مصر بالشركات الكبرى مثل دومتي وعبور لاند وغيرهما، مؤكدا أن هذا الأمر لا يدعو للقلق.
نرجح عودة الأموال الساخنة إلى الأسواق الناشئة
وقال إنه من المرجح عودة الأموال الساخنة إلى الأسواق الناشئة، كما ستهدأ وتيرة تحرك الدولار، حيث من المتوقع أن يعود للانخفاض أمام الجنيه، وهو ما تظهره حركة الدولار حاليًا، والتي تتسم بكونها ضعيفة، فهي لا تعبر عن انهيار في العملة، مؤكدًا أن التحركات الأخيرة تمثل حركة استباقية جيدة من البنك المركزي، متوقعًا عودة الأسعار للانخفاض مرة أخرى.
التحركات السعرية الأخيرة للدولار خطوة استباقية جيدة من البنك المركزي
وأوضح أنه عند حدوث ذلك، ستكون الأسعار تحت السيطرة بصورة أكبر، وبالتالي سيتم العودة إلى معدلات تضخم أحادية خلال النصف الثاني من العام الجاري، مما يتماشى مع مستهدفات البنك المركزي المصري في هذا الإطار، متوقعًا الوصول لذلك سريعًا في حالة انتهاء الحرب، الأمر الذي سيسفر عن انهيار في الكثير من الأسعار.
تثبيت مرتقب لأسعار الفائدة في اجتماع لجنة السياسة النقدية القادم
ويتوقع جنينة أن تقوم لجنة السياسة النقدية بتثبيت أسعار الفائدة في اجتماعها القادم، لافتًا إلى أن البنك المركزي قد يتخذ خطوة استباقية إذا تطورت الأحداث بشكل سلبي -لا قدر الله- وذلك من خلال اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة، لجذب المستثمر الأجنبي، كما أن ذلك من شأنه مساعدة البنوك على طرح شهادات استثنائية، تجنبًا لأي تدهور في التوقعات الخاصة بسعر الصرف، وهو ما قد يستمر لفترة قد تصل إلى 3 أشهر كحد أقصى.
عودة أسعار الصرف للانخفاض.. سيناريو محتمل حدوثه بنسبة تصل إلى 20%
وأوضح أن هذا السيناريو من المحتمل حدوثه بنسبة 10% أو 20%، فهو ليس السيناريو الرئيسي، مؤكدًا أن الجميع يترقب حاليًا ما سيحدث خلال الفترة القادمة، لافتًا إلى أن كل المؤشرات تظهر أن هذه الحرب لن تستمر طويلًا، لأنها تضر الفاعل، أكثر من إضرارها بالضحية.













