مجدي طلبة: الصناعة تحتاج تعميقًا حقيقيًّا ومساندة حكومية عاجلة

تأخر المستلزمات يضغط على الإنتاج وزيادة الدولار ليست الأزمة

فاطمة أبوزيد _ قال المهندس مجدي طلبة، رئيس شركة (T&C) للملابس الجاهزة، إن مناقشة واقع الصناعة المصرية في ظل الظروف الحالية لم تعد ترفًا، بل ضرورة لكشف حجم التحديات أمام المصانع، وفهم مسارات الخامات، والتمويل، وتكاليف التشغيل. وأوضح أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بارتفاع الدولار، بل بطريقة تحركه، كما أن المصدرين لا يتضررون من ارتفاع منطقي ومستقر، بينما القفزات المفاجئة والتذبذب الحاد ينعكس مباشرة على كفاءة الإنتاج وحسابات التسعير.

أضاف طلبة في تصريحات خاصة لحابي، أن زيادة قيمة الدولار حين تكون في إطار طبيعي تمنح قطاع التصدير ميزة تنافسية، لكنها تحتاج في المقابل لسياسات واضحة لتعميق الصناعة وزيادة الاعتماد على المكوّن المحلي.

E-Bank

وأشار إلى أن قطاعًا كبيرًا من المصانع ما زال يعتمد على خامات مستوردة بنسب مرتفعة، وهو ما يجعل أي هزة في سلاسل الإمداد تتحول إلى أزمة في خطوط الإنتاج.

أكد طلبة أن الصناعة المحلية لن تستفيد من أي حركة لسعر الصرف ما لم يتم التوسع في الإنتاج المحلي لمستلزمات التصنيع، موضحًا أن التصدير بنسبة 90% من خامات مستوردة لا يُعد قيمة مضافة حقيقية.

وتابع: إن عددًا من المصانع بدأ بالفعل خفض نسبة الاعتماد على الاستيراد من 65% إلى 50%، مع خطط للتخفيض التدريجي، لكن ذلك يحتاج إلى وقت واستثمارات وخبرات فنية متراكمة.

أشار إلى أن الأحداث الجارية في المنطقة أسهمت في زيادة فترات توريد مستلزمات الإنتاج القادمة من جنوب شرق آسيا، إلا أن مصانع التصدير الكبيرة تتعامل دائمًا بمبدأ «المخزون الوقائي»، عبر الاحتفاظ بمستلزمات تكفي لشهرين أو ثلاثة، ما ساعدها حتى الآن في امتصاص جزء كبير من تداعيات التأخير.

تابعنا على | Linkedin | instagram

وأضاف مجدي طلبة أنه حتى اللحظة لا يوجد نقص مؤثر، لكن استمرار الوضع قد يخلق ضغوطًا إضافية.

تابع: إن الصناعة ليست نشاطًا يمكن أن يتحول بين يوم وليلة، فلا يمكن إنشاء مصنع جديد يعوض خامة مفقودة خلال شهور قليلة، بل يحتاج الأمر إلى تخطيط علمي وتمويل واستقرار في السياسات، لذلك، يرى أن التوسع في الصناعة المحلية لمستلزمات الإنتاج لن يتحقق إلا عبر رؤية طويلة المدى بين الحكومة والقطاع الخاص.

وفيما يتعلق بتكاليف الإنتاج، قال طلبة إن العنصر البشري يظل الأكثر تأثيرًا في الصناعات كثيفة العمالة، موضحًا أن كلفة العمالة لا ترتبط بالرواتب فقط، بل بنظام التأمينات، كفاءة التشغيل، والقدرة على الالتزام بجودة الإنتاج.

أضاف أن أي زيادة غير مدروسة في الحد الأدنى للأجور في ظل بقاء نسب التأمينات والضرائب عند مستوياتها المرتفعة قد تتحول إلى عبء يصعب على المصانع تحمله وحدها.

وشدد على ضرورة مشاركة الحكومة في تكلفة الزيادة لضمان عدم انتقال العبء كاملًا للمستثمرين، موضحًا أن الهدف ليس معارضة تحسين مستوى معيشة العمال، بل خلق معادلة متوازنة تحافظ على استمرارية الإنتاج، وتمنع خروج المصانع من السوق في وقت تحتاج فيه الدولة إلى ضخ استثمارات جديدة.

وأشاد طلبة بالأداء الحالي للجهاز المصرفي، موضحًا أن فتح الاعتمادات المستندية وتدبير العملة يتمان بدرجة من الانضباط والاستقرار، بفضل إدارة هادئة وسياسات نقدية واضحة.

أضاف مجدي طلبة إن البنك المركزي يتعامل بعقلانية بعيدًا عن التصريحات الحادة أو الوعود غير الواقعية بشأن سعر الصرف، وهو ما أسهم في خلق بيئة أكثر توازنًا للقطاع الصناعي.

الزيادات في أسعار النقل والتأمين البحري تأثرت بشدة بالأحداث الإقليمية

وأشار إلى أن الزيادات في أسعار النقل والتأمين البحري تأثرت بشدة بالأحداث الإقليمية، خاصة الواردات القادمة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، موضحًا أن تكلفة الوقت أصبحت عنصرًا إضافيًّا لا يمكن تجاهله.

أوضح أن المصانع التي تعتمد على توريد من مصادر قريبة، مثل تركيا، تتأثر بدرجة أقل مقارنة بالمصانع التي تستورد من الصين أو شرق آسيا.

وفيما يتعلق بالأسعار، أكد مجدي طلبة أنه لا يمكن للمصنع تغيير أسعار التصدير في منتصف الموسم، لأن العملاء العالميين يضعون أسعارًا ربع سنوية أو نصف سنوية ويعرفون بدقة تكلفة كل خامة.

وقال إن تعديل الأسعار لا يتم إلا عند الدخول في موسم جديد، وفي نطاق محدود، لأن هامش الربح في التصدير ليس كبيرًا كما يعتقد البعض.

فرص تصديرية واعدة لمصر رغم التراجع العالمي في الطلب

أضاف أن القدرة الشرائية عالميًّا تشهد تراجعًا، لكن تلك الفترة قد تمثل فرصة لمصر لاقتناص حصص سوقية من دول تواجه اضطرابات أو ارتفاعًا حادًا في تكاليف التشغيل.

وأوضح أن مصر تمتلك عناصر استقرار سياسي وأمني تجعلها أكثر جذبًا للمشترين الدوليين في فترات الأزمات إذا أحسنت إدارة الملف الصناعي والتصديري.

تابع: إن الربع الثاني من عام 2026 لا يمكن التنبؤ به بشكل دقيق، لكن المؤشرات الحالية لا تعكس حالة ذعر، بل حركة أقرب إلى «الاستقرار الأفقي”.

وقال طلبة إن ما يقلقه فعليًّا ليس الطلب أو السوق العالمية، بل فرض أعباء جديدة على المصانع قد ترفع التكلفة بشكل مفاجئ.

ندعو لمراجعة شاملة لأسعار الأراضي وإصلاح ملف المطور الصناعي

وفيما يخص القرارات الحكومية المطلوبة، دعا إلى مراجعة شاملة لأسعار الأراضي الصناعية والخدمات المقدمة للمصانع، مؤكدًا أنها من أعلى الأسعار في المنطقة، وأن استمرار الوضع الحالي يُضعف قدرة الدولة على جذب استثمارات جديدة، موضحًا أن إصلاح ملف المطور الصناعي أصبح ضرورة عاجلة.

وأكد طلبة أن مجتمع الأعمال في مصر يحتاج إعادة هيكلة كاملة ليصبح شريكًا حقيقيًا للحكومة، مشيرًا إلى أن الاستمرارية في المواقع القيادية لعشرات السنين تُضعف القدرة على التجديد وصنع مسارات جديدة للصناعة والتصدير.

وأكد أن المرحلة الحالية تحتاج بيت خبرة حقيقيًّا يجمع الحكومة والمصنعين على طاولة واحدة لإدارة الأزمة وتحويلها إلى فرصة للنمو.

 

الرابط المختصر