د. محمود محيي الدين: مستقبل التنمية المستدامة يُحسم على المستوى المحلي
التحدي لم يعد نقص التمويل بل كيفية وصوله إلى أماكن التنفيذ
ألقى الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة، الكلمة الرئيسية الافتتاحية لليوم الأول من مؤتمر بلباو للتمويل التنموي (Bilbao Bootcamp)، الذي تنظمه كل من الصندوق المشترك لأهداف التنمية المستدامة، وحكومة إسبانيا، ومنصة الأمم المتحدة “المحلي 2030” (UN Local2030).والمنعقد بمدينة بلباو الإسبانية، تحت عنوان «إحداث التغيير: إطلاق التمويل المؤثر على نطاق واسع»، وذلك بمشاركة ممثلين عن الحكومات والمؤسسات الدولية وشركاء التنمية.
وأوضح أن المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية، الذي عُقد مؤخراً في إشبيلية، أكد حقيقة أساسية مفادها أن نجاح الالتزامات العالمية يعتمد على ترجمتها إلى استثمارات ومؤسسات وآليات تنفيذ على المستوى المحلي، مشيراً إلى أن مؤتمر بلباو يمثل أحد الاختبارات العملية الأولى للانتقال من الالتزامات الدولية إلى التنفيذ على مستوى الأقاليم والمجتمعات المحلية.

الدول النامية تواجه فجوة تمويلية سنوية تتجاوز 4 تريليونات دولار
وأشار الدكتور محيي الدين إلى أن نحو 17% فقط من أهداف التنمية المستدامة تسير حالياً على المسار الصحيح، في حين تواجه الدول النامية فجوة تمويلية سنوية تتجاوز أربعة تريليونات دولار، في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد الضغوط المالية، وارتفاع مستويات الدين، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتفاقم آثار تغير المناخ.
وأكد أن التحدي لم يعد يتمثل في تعبئة الموارد المالية فحسب، بل في إعادة تصميم منظومات التمويل بحيث تتمكن رؤوس الأموال من الوصول إلى الأماكن التي تتحقق فيها التنمية المستدامة فعلياً، مشدداً على أن تنفيذ أهداف التنمية يتم على المستوى المحلي في المدن والبلديات والأقاليم، وليس في مراكز صنع القرار الدولية.
الفجوة الأساسية تكمن في استمرار انفصال منظومة التمويل عن منظومة التنفيذ
وأوضح أن العالم لا يعاني من نقص في التجارب الناجحة، بل من عجز في توسيع نطاق هذه النجاحات، لافتاً إلى أن الفجوة الأساسية تكمن في استمرار انفصال منظومة التمويل عن منظومة التنفيذ، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور فجوات تنموية متزايدة.
كما شدد على أهمية عدم انتظار اكتمال إصلاح النظام المالي العالمي، مؤكداً ضرورة الاستفادة من الأدوات والمؤسسات القائمة مع العمل في الوقت نفسه على تطويرها، وعدم جعل السعي إلى الكمال عائقاً أمام التقدم.
وأشار محيي الدين إلى أن الجزء الأكبر من الإنفاق العام المرتبط بأهداف التنمية المستدامة يتم على المستوى دون الوطني، حيث تتحمل الحكومات المحلية مسؤولية قطاعات التعليم والصحة والمياه والنقل والخدمات الحضرية والتكيف مع تغير المناخ، في حين لا تحصل إلا على حصة محدودة من التمويل التنموي الدولي.
الحكومات المحلية لا تحصل إلا على حصة محدودة من التمويل التنموي الدولي
واستعرض عدداً من التجارب التي ساهم فيها الصندوق في دعم البلديات والمناطق المحلية، من خلال تمويل النظم المؤسسية والرقمية وآليات تخفيف المخاطر، بما ساعد على تعبئة استثمارات إضافية وتعزيز الجاهزية التمويلية للحكومات المحلية في عدد من الدول.
وأكد أن ضيق الحيز المالي وارتفاع أعباء الديون يفرضان تحديات متزايدة على الدول النامية، موضحاً أن قضايا الديون وتمويل التنمية وتمويل المناخ وتوطين التنمية أصبحت مترابطة بشكل متزايد، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة.
تكلفة تمويل الاستثمارات الخضراء في الدول النامية لا تزال أعلى بكثير من مثيلتها في الاقتصادات المتقدمة
كما أشار إلى أن تكلفة تمويل الاستثمارات الخضراء في الدول النامية لا تزال أعلى بكثير من مثيلتها في الاقتصادات المتقدمة، موضحاً أن البيانات الفعلية لا تبرر بالكامل هذه الفجوة، وأن جزءاً مهماً منها يرتبط بالتصورات السائدة حول المخاطر.
وأكد محمود محيي الدين أن العديد من الحكومات المحلية ما تزال غير مرئية للأسواق المالية، ما يحول دون قدرتها على جذب التمويل، مشدداً على أن تعزيز الشفافية وتحسين جودة البيانات ورفع الجاهزية الاستثمارية تمثل متطلبات أساسية لربط المستوى المحلي بمصادر التمويل.
وفي سياق حديثه عن الأمن المائي، أوضح الدكتور محيي الدين أن المياه لم تعد تُعامل باعتبارها قطاعاً منفصلاً، بل نظاماً متكاملاً يرتبط بالأمن الغذائي والصحة والطاقة والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، مؤكداً أن إدارة هذه التحديات تتم في نهاية المطاف على المستوى المحلي.
وأشار إلى أهمية العلاقة بين المواطنين والمؤسسات العامة، موضحاً أن إعادة استثمار الإيرادات المحلية بصورة ملموسة في الخدمات العامة يسهم في تعزيز الثقة وتحسين الامتثال الضريبي وتقوية العقد الاجتماعي.
وأوضح أن التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية وأنظمة المتابعة الفورية، تتيح فرصاً جديدة لتعزيز كفاءة إدارة الموارد وربط التمويل بالنتائج التنموية، إلا أن التكنولوجيا لا يمكن أن تحل محل الثقة والمؤسسات القوية.
جذب رؤوس الأموال المؤسسية يتطلب بناء خطوط استثمار متكاملة وليس الاكتفاء بالمشروعات المنفردة
وأكد الدكتور محيي الدين أهمية الانتقال من التعهدات إلى إعداد مشروعات قابلة للاستثمار، مشيراً إلى أن جذب رؤوس الأموال المؤسسية يتطلب بناء خطوط استثمار متكاملة وليس الاكتفاء بالمشروعات المنفردة.
كما دعا إلى إصلاح هيكل المقترضين على المستوى الدولي، مشيراً إلى أن الحكومات المحلية ما تزال غائبة إلى حد كبير عن المناقشات المتعلقة بالحصول على التمويل، رغم تأثرها المباشر بنتائج تلك المناقشات.
وشدد كذلك على ضرورة دمج تمويل المناخ وتمويل التنمية، موضحاً أن قضايا الأمن المائي، والمرونة الحضرية، والطاقة، وفرص العمل، تمثل في الوقت ذاته أولويات مناخية وتنموية.
وفي ختام كلمته، طرح محمود محيي الدين خمس أولويات للعمل خلال المرحلة المقبلة، تشمل إدماج الالتزامات في الموازنات العامة، وبناء محافظ استثمارية متكاملة، وتعزيز قابلية الحكومات المحلية للوصول إلى التمويل، ودفع الإصلاحات الهيكلية، وربط المساءلة بالتمويل.










