صالون حابي يناقش مستقبل نمو التمويل غير المصرفي
رسالة اللقاء الثاني والثلاثين من الصالون: «القلق الحميد» ضروري في القطاع المالي.. ولا نشاط بلا مخاطر
فتح اللقاء الثاني والثلاثون من صالون حابي، ملف فرص ومستقبل نمو التمويل غير المصرفي، خاصة في ظل حالة الجدل التي شهدتها قطاعات هذا التمويل في الفترة الأخيرة، والمخاوف التي أثيرت حول درجة مخاطره.

وعبر عشرات الأسئلة.. ألقى اللقاء الضوء على طبيعة القرارات المنظمة لعدد كبير من أنشطة التمويل غير المصرفي، وطبيعة اعتمادها على التمويل المصرفي، ومدى تأثرها بضوابط البنك المركزي الخاصة بإقراض الشركات غير المصرفية.
شارك في الصالون كل من: شريف سامي رئيس الشركة القومية لإدارة الأصول والاستثمار والرئيس الأسبق لهيئة الرقابة المالية والرئيس السابق للبنك التجاري الدولي، وعمرو أبو العزم الرئيس التنفيذي لشركة إرادة فاينانس، وحاتم سمير الرئيس التنفيذي لمجموعة جلوبال كورب.
وإلى تفاصيل اللقاء
أحمد رضوان: أهلًا وسهلًا بحضراتكم في لقاء جديد من صالون حابي. اليوم سنناقش مستقبل التمويل غير المصرفي، نظرًا لأن الفترة الماضية شهدت جدلًا واسعًا حول المخاطر المرتبطة بالنمو الكبير الذي حققه الكثير من قطاعات التمويل غير المصرفي.
أُرحب بضيوفنا اليوم وهم: الأستاذ شريف سامي، رئيس الشركة القومية لإدارة الأصول والاستثمار والرئيس الأسبق لهيئة الرقابة المالية والرئيس السابق للبنك التجاري الدولي، والأستاذ عمرو أبو العزم، الرئيس التنفيذي لشركة «إرادة» فاينانس، والأستاذ حاتم سمير، الرئيس التنفيذي لمجموعة شركات «جلوبال كورب»، وزميلتيّ رضوى إبراهيم وياسمين منير، مديرتي التحرير والشريكتين المؤسستين لجريدة حابي.
نبدأ حديثنا مع الأستاذ شريف سامي.. لا أود الحديث باستفاضة عن فكرة الجدل المثار خلال الفترة الماضية عن مستقبل التمويل غير المصرفي.

شريف سامي: الجدل المثار حول التمويل غير المصرفي أمر إيجابي في حد ذاته
شريف سامي: سأُقاطعك.. أيًّا كان الجدل المثار حول قطاع التمويل غير المصرفي، فإن القطاع دائمًا ما تدور حوله حوارات، وأرى أن الجدل في حد ذاته أمر إيجابي، لأنه يعكس أهمية القطاع. وأعتقد أن حديثنا اليوم سيتجاوز مجرد إشكالية الجدل.
أحمد رضوان: بالتأكيد، سنحاول من خلال هذا النقاش استشراف مستقبل القطاعات المختلفة للتمويل غير المصرفي، والتعرف على تحركات الشركات خلال الفترة الحالية، بجانب بحث الاتجاه العالمي الذي يسير إليه القطاع، ومدى كفاءة التشريعات والضوابط التي يتم إصدارها بصورة متسارعة.
ولعل أحد ضيوفنا في لقاء سابق أشار إلى أن قطاع التمويل الاستهلاكي يعد من أكثر القطاعات التي تشهد إصدارًا متواصلًا للتشريعات والقواعد والضوابط التنظيمية، بما يطرح تساؤلات حول أوضاع باقي قطاعات التمويل غير المصرفي.
ومن هنا، دعني أبدأ بسؤال عام: هل النمو الذي شهدته قطاعات التمويل غير المصرفي خلال الفترة الأخيرة يعد نموًّا طبيعيًّا، خاصة أن النشاط لا يزال حديثًا في غالبية قنواته وفروعه، أم أن التمويل غير المصرفي يشهد معدلات نمو استثنائية وغير عادية؟
شريف سامي: لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمعزل عن أوضاع الاقتصاد المصري، والقوة الشرائية للجنيه، وما شهدناه خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية، بجانب النمو السكاني.
وبحسب تصريحات الدولة نفسها، فإن مصر تستضيف نحو 10 ملايين وافد، وهي عوامل تفرض حجمًا معينًا من التعاملات ومتطلبات محددة على السوق.
تاريخ أقدم خدمة مالية في مصر يعود إلى أكثر من 150 عامًا
ومن المهم تذكر أن مصر تعد من أقدم دول المنطقة في تقديم الخدمات المالية؛ ويعود تاريخ أقدم خدمة مالية إلى أكثر من 150 عامًا، ممثلة في البريد المصري أو البوسطة، ثم ظهرت البورصة والبنوك وشركات التأمين وغيرها من الأنشطة المالية.
وللتوضيح للمشاهد الذي يتابعنا، يمكن مقارنة أعمار المؤسسات المصرفية في مصر؛ فالبنوك تعمل منذ ما يقرب من قرن أو أكثر، ويبلغ عمر البنك الأهلي المصري نحو 102 عام، فيما تأسس بنك مصر عام 1920 ليصل عمره إلى نحو 86 عامًا.
وبالتالي، استغرقت البنوك عشرات السنوات في النمو، حتى وصلت اليوم إلى التعامل مع ملايين الأفراد، سواء من خلال التمويل الاستهلاكي أو تمويل الشركات والمنشآت الصغيرة.
في المقابل، فإن النهضة المالية التي شهدتها مصر سواءً في سوق المال أو التأجير التمويلي أو التأمين وغيرها، يصل عمرها إلى نحو 30 عامًا، وخاصة أن الجزء الأكبر من هذا التطور حدث خلال آخر 15 أو 20 عامًا.
النمو القوي للتمويل غير المصرفي طبيعي.. والقطاع لا يزال في مراحل نموه الأولى
ومن الطبيعي أن تشهد الكيانات التي لا تزال ناشئة نسبيًّا معدلات نمو مرتفعة، فالنمو في المراحل الأولى يكون أسرع على غرار مراحل نمو الطفل الصغير، قبل أن يصل النشاط إلى مرحلة من النضج ويبدأ معدل النمو في الاستقرار تدريجيًّا.
وبالتالي، فإن نهضة وارتفاع أحجام أعمال العديد من الكيانات العاملة الناشئة نسبيًّا في التمويل غير المصرفي خلال الفترة الأخيرة يعد أمرًا طبيعيًّا.
ولو وجدت فرصة للحديث عن اتجاهات العالم في القطاع المالي، سنجد أن العالم نفسه يرى طفرة في أدوات التمويل، وبالتالي فإن مصر ليست بمعزل عن التطورات التي يشهدها القطاع المالي عالميًّا.
اعتماد البنوك في نشاطها على أموال المودعين يفسر اتسامها بدرجة أعلى من التحفظ
ومن المهم أيضًا عند مناقشة نمو التمويل غير المصرفي أن نقارن بين طبيعة عمل هذه الكيانات والقطاع المصرفي، باعتبار أن البنوك تمثل الأساس في النظام المالي. فالبنوك تعتمد في جانب كبير من نشاطها على أموال المودعين، ولذلك تتسم بطبيعتها بدرجة أعلى من التحفظ، لأن الحفاظ على الثقة في الودائع يمثل معيارًا أساسيًّا لاستمرارية عملها.
أما الكيانات الأخرى العاملة في قطاعات التمويل غير المصرفي، فإنها لا تتلقى الودائع، وهو ما يفسر إمكانية تحقيقها طفرات نمو كبيرة.
كيانات التمويل غير المصرفي الناشئة تحقق معدلات نمو مرتفعة.. ومصر تواكب طفرة التمويل عالميًّا
وحتى أختم الحديث في هذه الجزئية أود أن أذكر أن التأمين أيضًا يعد نشاطًا ماليًّا غير مصرفي، وبالرغم من أن شركات التأمين لا تتلقى ودائع، فإنها تتحمل التزامات مستقبلية تجاه العملاء، سواء في حالات الوفاة أو التقاعد وغيرها، وتلتزم بسداد التعويضات للعملاء.
ولهذا السبب، تفرض الهيئة العامة للرقابة المالية قيودًا أكثر تشددًا على نشاط التأمين مقارنة ببعض الخدمات المالية الأخرى، لأن العميل قد يشتري وثيقة تأمين على الحياة أو المرض، ولا تظهر حاجته إلى الحصول على مستحقاته إلا بعد 20 أو 30 عامًا.
وبالتالي، فإن طبيعة المخاطر تختلف من نشاط مالي إلى آخر، ومن الطبيعي أن يكون لكل نشاط مجموعة من القيود والضوابط الرقابية التي تتناسب مع طبيعة المخاطر المرتبطة به.
رضوى إبراهيم: صحيح أن شركات التمويل لا تتلقى ودائع، لكنها في المقابل تعمل بأموال الغير من خلال الاقتراض، حتى وإن لم تحصل عليها في صورة ودائع مصرفية.
شريف سامي: نعم، ولكن أود هنا أن أضيف جملة اعتراضية؛ فعندما أقرض شركة تأجير تمويلي أو شركة تخصيم، تكون هناك كوادر متخصصة وذات كفاءة عالية تدرس أوضاع الشركة قبل اتخاذ قرار التمويل.
أما المواطن الذي يضع أمواله في أحد البنوك، فلا يستطيع بنفسه دراسة الملاءة المالية للبنك أو التدفقات النقدية ومعدلات كفاية رأس المال، ولذلك يعتمد على وجود البنك المركزي، الذي يقوم نيابة عن المجتمع بدور الرقابة على أوضاع البنوك.
والأمر نفسه ينطبق على قطاع التأمين، إذ يصعب على الشخص غير المتخصص أن يجري مقارنة بين شركة تأمين وأخرى، ويحدد أيهما يتمتع بمركز مالي أقوى، خاصة أنه قد ينتظر 30 عامًا للحصول على مستحقاته التأمينية.
وبالطبع، فإن عمليات الإقراض تنطوي على مخاطر، ولكن من المفترض أنه عند القيام بالدور الرقابي والائتماني بصورة صحيحة، يتم إجراء دراسة شاملة للعميل، وفحص تاريخه في التعامل، وطلب مؤشرات مالية محددة، إلى جانب الاستعانة بالتصنيف الائتماني في بعض الحالات.
العمل في القطاع المالي لا يعرف مفهوم «صفر مخاطر»
وبالتأكيد هذه الإجراءات لا تلغي المخاطر بشكل كامل، لأن العمل في القطاع المالي لا يعرف مفهوم «صفر مخاطر»، لكنها تساعد على إدارة المخاطر وضبط المعادلة بصورة أفضل.

أحمد رضوان: إذن، وبناءً على خبرتك كرئيس سابق للهيئة العامة للرقابة المالية، بجانب خبرتك المصرفية الطويلة، هل ترى أن هناك ما يدعو للقلق بشأن النمو الذي يشهده قطاع التمويل غير المصرفي؟
شريف سامي: سأجيب عن هذا السؤال من زاويتين.
إذا لم يكن هناك أي قلق، فهذا يعني أن وظيفة إدارة المخاطر لا تعمل بالشكل الصحيح.
لذلك، يجب أن يكون هناك ما أسميه «قلقًا حميدًا»، وهو أمر ضروري حتى تسير الأمور بصورة سليمة.
أحمد رضوان: وهل «القلق الحميد» هو نفسه القلق الموجود في أي قطاع؟
ممارسة الدور الرقابي والائتماني بصورة صحيحة تساعد على إدارة المخاطر بصورة أفضل
شريف سامي: في القطاعات المالية تحديدًا، وجود هذا النوع من القلق أمر ضروري، ولكن ضمن معدلات مقبولة، وهو ما يطلق عليه مصطلحًا فنيًّا «شهية المخاطر»، أي تحديد مستوى المخاطر الذي يمكن للمؤسسة أو القطاع قبوله والتعامل معه.
ويمكن تبسيط الفكرة من خلال مثال من القطاع الزراعي؛ فمن يعمل في الزراعة يعرف أن وجود نسبة معينة من الإصابة بآفة زراعية في محصول ما أمر وارد وطبيعي، لكن ارتفاع هذه النسبة إلى مستويات كبيرة يمثل خطرًا حقيقيًّا.
وفي المقابل، لا يمكن القول إن وجود ثمرة أو اثنتين مصابتين يعني أن المحصول بالكامل قد تعرض للتلف، والأمر نفسه ينطبق على قطاع التمويل.
اختلاف طبيعة المخاطر يفرض عدم وضع أنشطة التمويل غير المصرفي في وعاء واحد
وأضيف إلى ذلك نقطة مهمة، وهي أنه لا يمكن وضع جميع أنشطة التمويل غير المصرفي في وعاء واحد، لأن طبيعة المخاطر تختلف من نشاط إلى آخر.
ومن أبسط التقسيمات، يمكن التمييز بين التمويل الموجه إلى الأفراد والتمويل الموجه إلى الأنشطة الاقتصادية والمنشآت، إذ تختلف طبيعة المخاطر في كل نوع عن الآخر، وهو ما يفتح الباب أمام تفاصيل أوسع عند مناقشة طبيعة المخاطر المرتبطة بكل نشاط.
ياسمين منير: أستاذ عمرو أبو العزم، نريد أن نتحدث بشكل أوسع عن نشاط التمويل متناهي الصغر، باعتباره من أقدم الأنشطة التمويلية التي حظيت باهتمام كبير في مصر، خاصة أنه يتم تقديمه من خلال كيانات متعددة، سواء جمعيات أو شركات، ويخاطب شرائح لا يصل إليها القطاع المصرفي. كيف ترى تطور هذا النشاط؟ وكم معدلات التعثر فيه، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها السوق خلال الفترة الحالية؟

عمرو أبو العزم: التمويل متناهي الصغر تحول إلى نشاط استثماري بعوائد جيدة.. والقطاع شهد نموًّا قويًّا خلال 15 عامًا
عمرو أبو العزم: أشكركم على الدعوة الكريمة، وعلى إتاحة الفرصة لي للمشاركة في هذا النقاش إلى جانب مجموعة من الزملاء والإخوة الكبار في القطاع، كما أشكركم على اهتمامكم بهذا الموضوع.
يعد قطاع التمويل متناهي الصغر، إلى جانب تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، من القطاعات التي تشهد زخمًا واهتمامًا متزايدًا ونموًّا متصاعدًا، خاصة خلال آخر 15 عامًا، وبشكل أكبر في السنوات التي سبقت عام 2023، قبل ارتفاع أسعار الفائدة.
وعند الحديث عن التمويل متناهي الصغر، من المهم العودة إلى التجربة العالمية لهذا النشاط، إذ لم يعد التمويل متناهي الصغر والصغير يقتصر على تحقيق أهداف مالية أو تنموية فقط، بل أصبح أيضًا نشاطًا استثماريًّا يحقق عوائد جيدة، وله مستثمرون وشركات وبنوك وجمعيات تواصل العمل في هذا القطاع، ويتمتع العديد منها بملاءة مالية واستمرارية.
التمويل متناهي الصغر والصغير والمتوسط يساهم في تحقيق 12 من أهداف التنمية المستدامة
كما يخضع النشاط لمنظومة من القواعد والضوابط التنظيمية، سواء من خلال الهيئة العامة للرقابة المالية، أو القواعد المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالبنك المركزي، فيما تخضع الجمعيات أيضًا لإشراف وزارة التضامن الاجتماعي.
ويتمتع قطاع التمويل متناهي الصغر أيضًا بمردود إيجابي للغاية من الناحية التنموية.
أعتبر نفسي محظوظًا للعمل في هذا القطاع
أعتبر نفسي محظوظًا للعمل في هذا القطاع، خلال مسيرتي المهنية التي تمتد لنحو 35 عامًا في المجال المصرفي، من بينها 20 عامًا في هذا النشاط، خاصة أنني أعمل في مجال يسهم بصورة مباشرة وغير مباشرة في تحقيق 12 هدفًا من أهداف التنمية المستدامة الـ17 للأمم المتحدة.
ويرتبط نشاط التمويل متناهي الصغر والصغير والمتوسط بعدد من الأهداف التنموية، من بينها تمكين المرأة، ودعم نمو المشروعات، وتوفير مصادر دخل إضافية، وخلق فرص العمل، فضلًا عن مساهمته بصورة غير مباشرة في تحسين فرص الحصول على خدمات صحية وتأمينية وحماية اجتماعية أفضل، خاصة للمرأة.
المرأة تستحوذ على 50% من تمويلات المشروعات متناهية الصغر.. والقطاع تضاعف 4 مرات خلال 10 سنوات
ويستحوذ تمويل المشروعات المملوكة للمرأة المصرية حاليًا على نحو 50% من إجمالي التمويلات المقدمة في هذا القطاع، كما نما حجم القطاع بمعدل أربعة أضعاف خلال السنوات العشر الماضية.
ولا يتحقق هذا النمو في التمويل متناهي الصغر من الناحية التمويلية دون المبادرات التي يطلقها البنك المركزي المصري، انطلاقًا من الوعي بأهمية هذا القطاع وضرورة توفير التمويل اللازم له من خلال الجهاز المصرفي.
وكانت إحدى هذه المبادرات قد بدأت بتحديد 20% من محفظة التمويلات لدى البنوك المصرية لتوجيهها إلى قطاع التمويل متناهي الصغر والصغير والمتوسط، سواء بصورة مباشرة من خلال البنوك أو بصورة غير مباشرة عبر شركات وجمعيات ومؤسسات متخصصة في تمويل هذا القطاع، قبل أن ترتفع هذه النسبة منذ نحو عامين إلى 25%.
البنوك توفر 80% من تمويلات القطاع.. و4 ملايين عميل يستفيدون من التمويل متناهي الصغر
وبالتالي، فإن نحو 80% من تمويلات هذا القطاع تأتي من الجهاز المصرفي المصري مثلما ذكر أستاذنا الدكتور شريف سامي، ما يجعل البنوك شريكًا قويًّا وداعمًا أساسيًّا في توفير التمويل للعملاء، بالتعاون مع منظومة التشريعات والقواعد المنظمة والقوانين المرتبطة التي تضعها الهيئة العامة للرقابة المالية.
وما يدعو إلى التفاؤل هو وجود تعاون مستمر بين البنك المركزي المصري والهيئة العامة للرقابة المالية، بهدف توفير البيئة المواتية لنمو هذا القطاع.
وبحسب أحدث البيانات، يصل عدد المستفيدين من قطاع التمويل متناهي الصغر إلى نحو 4 ملايين عميل، وهو ما يعني من المنظور التنموي استفادة نحو 16 مليون شخص بصورة مباشرة، ونحو 25 مليون مستفيد بصورة غير مباشرة.
10 ملايين عميل محتمل ينتظرون التمويل
وكانت الدكتورة منى ذو الفقار، التي تعد من أبرز الداعمين لهذا القطاع، تشير إلى وجود نحو 10 ملايين عميل وعميلة ينتظرون الحصول على التمويل.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول دقة هذا الرقم، فإنه يعكس حجم الطلب المحتمل على التمويل، وأهمية الدور الذي يؤديه القطاع في توفير مصادر الدخل وفرص العمل ودعم سبل الحياة الكريمة والاستدامة المالية.
وتشكل السيدات نحو 50% من المستفيدين من التمويلات، من بينهن نحو 15% من المعيلات اللاتي يتحملن مسؤولية الإنفاق على أسرهن بصورة مباشرة.
وهذه المرأة المصرية القوية هي التي تتحمل مسؤولية الإنفاق على أسرتها، وتفكر في توفير التعليم المناسب لأبنائها، وتسعى إلى إقامة مشروع يتيح لها مصدر دخل مستدامًا ويوفر لأفراد أسرتها فرصًا للحصول على خدمات صحية.
وبالتالي، فإن قطاع التمويل متناهي الصغر يجمع بين جانبين رئيسيين؛ الأول هو الجانب التنموي، والثاني هو الجانب المالي.

50 % من مستثمري شركات التمويل أجانب.. و75% من المصريين تحت 35 عامًا فرصة لنمو القطاع
أما على صعيد الجانب الاستثماري، فإذا نظرنا إلى وضع قطاع شركات التمويل حاليًا، سنجد أن هناك 24 شركة عاملة، ومن الناحية الاستثمارية، فإن نحو 50% من المستثمرين في هذه الشركات هم شركات ومؤسسات أجنبية، سواء خليجية أو عربية أو آسيوية أو أمريكية.
وهذا يعكس أن هذه المؤسسات رأت فرصًا للربحية والاستدامة المالية، إلى جانب وجود دعم من الدولة وبيئة مواتية لنمو هذا القطاع، خاصة أن نحو 75% من الشعب المصري تقل أعمارهم عن 35 عامًا، وبالتالي لدينا فرصة كبيرة في الشباب الموجود حاليًا، وكذلك الأجيال القادمة.
ولإعطائك مثالًا من شركتنا، فإن نحو 70% من العملاء تتراوح أعمارهم بين 21 و40 عامًا.
وبالإضافة إلى ذلك، هناك أكثر من 7 بنوك مصرية وأجنبية وعربية تساهم بصورة مباشرة وغير مباشرة في شركات التمويل العاملة في هذا القطاع، وهو قطاع قوي ومحترم يساهم في تحقيق التنمية وخلق فرص العمل، ولا يقتصر دوره فقط على تمويل المشروعات أو الحديث عن التمويل متناهي الصغر وطبيعته.
وأرى أن هذا الجانب التنموي مهم جدًّا، ويجب أن ننتبه إليه.
ياسمين منير: بالتأكيد، أستاذ عمرو. شهدت السنوات الأخيرة العديد من التغيرات الاقتصادية، فكيف أثرت هذه التطورات على نشاط القطاع، وفي الوقت نفسه على نسب التعثر؟
ارتفاع الفائدة والتضخم زادا المتأخرات.. و«إعادة الجدولة» دعمت المتضررين من الضغوط الاقتصادية
عمرو أبو العزم: خلال الفترة التي شهدت ارتفاعًا في أسعار الفائدة، إلى جانب زيادة أسعار المنتجات نتيجة ارتفاع معدلات التضخم، أدى ذلك إلى بعض المشكلات الاقتصادية لدى فئات من المجتمع، خاصة الفئات الأقل دخلًا والمنتجة.
وبالتالي، فإن تراجع الملاءة المالية لهذه الفئات أدى بطبيعة الحال إلى زيادة المتأخرات. وأنا لا أريد أن أسمي ذلك تعثرًا بالمعنى الكامل، ولكن بالتأكيد ارتفعت نسبة المتأخرات نتيجة هذه الضغوط الاقتصادية.
تزامنت التزامات الحياة اليومية مع التزامات المشروعات والأنشطة الاقتصادية، خاصة في ظل الأعباء التي فرضتها زيادة تكاليف التشغيل وتغيرات سعر الصرف، ما انعكس على العلاقة بين المقترضين أو أصحاب المشروعات والمؤسسات التمويلية.
تحسن طفيف في معدلات المتأخرات مع تغير الأوضاع الاقتصادية.. ولا يمكن تحديد نسبة موحدة للتعثر
ومن جانبنا كقطاع تمويل، أطلقنا عددًا من المبادرات الخاصة بإعادة جدولة التمويلات، خاصة أن بعض هذه التحديات تزامنت في بعض الأحيان مع تداعيات جائحة كورونا، قبل العراقيل الاقتصادية.
ونظرًا للدور التنموي الذي يقوم به قطاع التمويل، فقد تم إطلاق مبادرات مرتبطة بإعادة الجدولة، إلى جانب التعاون مع بعض المؤسسات الخيرية لدعم المشروعات التي ثبت احتياجها إلى مساندة اجتماعية، وليس التعامل معها باعتبارها حالات تعثر ناتجة عن امتناع العميل أو العميلة بشكل متعمد عن السداد أو تراكم المتأخرات.
وبالتالي، أصبحت هناك أعباء مالية إضافية على مؤسسات التمويل نتيجة التعامل مع بعض هذه الحالات.
ياسمين منير: كم هي حدود النسبة التي نتحدث عنها؟
عمرو أبو العزم: لا أستطيع تحديد نسبة معينة، لأن معدلات المتأخرات تختلف من قطاع إلى آخر، سواء قطاع التمويل متناهي الصغر أو التمويل الصغير والمتوسط، كما تختلف من شركة إلى أخرى، وبالتالي لا يمكنني التحدث عن نسبة تعكس القطاع بالكامل.
لكن بالتأكيد هناك ظاهرة ظهرت نتيجة ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم.
عودة تدريجية لمعدلات المتأخرات إلى وضع أفضل ولكنها لم تصل لمستوياتها الطبيعية
إلا أن الجيد أننا بدأنا نلاحظ مؤخرًا عودة تدريجية لمعدلات المتأخرات إلى مستويات أفضل. ولن أقول إنها عادت إلى المعدلات الطبيعية التي كنا نشهدها قبل العراقيل الاقتصادية التي مررنا بها خلال الفترة الماضية، ولكن مع التحسن الذي طرأ على الأوضاع الاقتصادية، بدأنا نشهد تحسنًا طفيفًا في هذا الملف.
رضوى إبراهيم: أستاذ حاتم سمير، أجدد الترحيب بحضرتك، وأود أن أطرح سؤالًا مباشرًا يقع في صميم القضية التي نناقشها. هل أسهمت القواعد التي أصدرها البنك المركزي في إعادة تنظيم العلاقة بين البنوك وشركات القطاع المالي غير المصرفي، أم أن تطبيق هذه القواعد انعكس على حجم التمويلات المصرفية المتاحة لتلك الشركات وأدى إلى انكماشها؟ وأنا لا أتحدث عن الهدف الذي استهدفه البنك المركزي عند إصدارها، وإنما أتحدث عن الأثر الفعلي الذي ترتب على تطبيق هذه القواعد.

حاتم سمير: قراراتِّ المركزي لم تؤد إلى انكماش التمويل غير المصرفي
حاتم سمير: دعينا نوضح الصورة بشكل أكثر دقة. في الأساس، غالبية القرارات الصادرة عن البنك المركزي لا تُوجَّه إلى شركات القطاع المالي غير المصرفي، وإنما تستهدف البنوك الخاضعة لرقابته وإشرافه المباشر، باعتبارها الجهات التي ينظم البنك المركزي نشاطها ويضع لها الأطر الرقابية.
غير أن بعض هذه القرارات تتصل بتنظيم العلاقة الائتمانية بين البنوك وشركات القطاع المالي غير المصرفي بصفتها جهات مقترضة. لكن قبل الحديث عن هذه القرارات، من المهم العودة خطوة إلى الوراء لتوضيح مصدر التخوف الذي صاحبها، والخلفية التي دفعت إلى إصدارها.
التمويل المصرفي يمثل أكثر من 95% من هيكل تمويل بعض الشركات
وكما أشار الأستاذ عمرو أبو العزم، فإن الهيكل التمويلي لغالبية شركات القطاع المالي غير المصرفي يعتمد بصورة شبه كاملة على التمويل المصرفي، وذلك بحكم طبيعة أنشطتها، فهي لا تعتمد على تلقي الودائع كمصدر للتمويل. وبطبيعة الحال، يوجد شق يتمثل في حقوق الملكية أو رأس المال، إلا أن المكون الأكبر من هيكل التمويل، والذي قد يتجاوز في بعض الحالات نسبة 95%، يتمثل في الاقتراض من البنوك.
ومع التوسع الملحوظ في عدد شركات التمويل غير المصرفي، وتزايد التراخيص، وتنوع الأنشطة التمويلية، ارتفع في المقابل حجم التسهيلات الائتمانية الممنوحة لهذا القطاع من جانب البنوك، وأصبح يمثل شريحة مؤثرة من محافظ الائتمان المصرفية، الأمر الذي استوجب إعادة تقييم الإطار التنظيمي الحاكم للعلاقة بين البنوك وهذه الشركات.
ويجب التأكيد على أن الجهة المختصة بالرقابة والإشراف على شركات القطاع المالي غير المصرفي هي الهيئة العامة للرقابة المالية، فهي المنوط بها إصدار الضوابط والقواعد المنظمة لممارسة تلك الأنشطة. أما البنك المركزي، فعندما يصدر تعليمات أو ضوابط تنظيمية، فإنه يوجهها إلى البنوك الخاضعة لإشرافه، وقد تتناول هذه التعليمات الجوانب المرتبطة بالتمويلات الممنوحة لشركات القطاع المالي غير المصرفي. ومن ثم، فإن القرارات التي صدرت لا تستهدف إعادة صياغة العلاقة بين البنوك وهذه الشركات، بل لتحديد نسب التركز الائتماني، والتقييم.
رضوى إبراهيم: لكن سؤالي ليس عن فلسفة البنك المركزي أو الأهداف التي استند إليها في إصدار هذه القرارات، فمن المؤكد أنها تستند إلى اعتبارات تنظيمية ورقابية لا خلاف عليها، بعيدًا عن الخوض في الدوافع. أنا أتحدث إليك بصفتك ممثلًا لشركات القطاع المالي غير المصرفي، ومسؤولًا عن شركة تمارس أكثر من نشاط داخل هذا القطاع. ومن المعروف أن البنوك والجهاز المصرفي يمثلان المصدر الرئيسي لتمويل أنشطتكم، إلى جانب حقوق الملكية بالطبع. لذلك أود أن أعرف كيف انعكست هذه الضوابط التنظيمية التي أصدرها البنك المركزي على أداء تلك الأنشطة؟
بعض أنشطة التمويل غير المصرفي حققت نموًّا تجاوز 80%
حاتم سمير: دعينا نتناول الأمر من منظور موضوعي يستند إلى البيانات. إذا اطلعنا على التقارير الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية، ونظرنا إلى معدلات نمو أنشطة التمويل غير المصرفي خلال الأعوام الثلاثة أو الأربعة الماضية، سنجد أن بعض الأنشطة حققت معدلات نمو تجاوزت 40%، بينما سجلت أنشطة أخرى معدلات تراوحت بين 75% و80%، وهو ما يرتبط بدرجة كبيرة بحداثة بعض هذه الأنشطة ودخولها إلى السوق.
التأجير التمويلي سجل متوسط نمو 45% خلال العام الماضي
أما نشاط التأجير التمويلي، باعتباره من أقدم أنشطة التمويل غير المصرفي، والذي بدأ العمل به منذ عام 1996، فقد سجل خلال العام الماضي متوسط معدل نمو بلغ نحو 45%.
ارتفاع التضخم ساهم في زيادة القيمة الاسمية للتمويلات
وصحيح أن جانبًا معتبرًا من هذا النمو يرتبط بمعدلات التضخم وتغير القوة الشرائية للجنيه، فضلًا عن أن جزءًا كبيرًا من عمليات التأجير التمويلي يرتبط بتمويل الأصول الرأسمالية، وبالتالي فإن ارتفاع تكلفة هذه الأصول ينعكس بصورة مباشرة على القيمة الاسمية للتمويلات الممنوحة.
لكن ما أود التأكيد عليه هو أن القرارات التنظيمية الصادرة عن البنك المركزي لم تؤدِّ إلى انكماش حجم التمويل أو تراجع معدلات نمو القطاع. وربما كان القطاع قادرًا على تحقيق معدلات نمو أعلى من ذلك.
رضوى إبراهيم: لا، أنا لا أتحدث عن معدلات النمو، حديثي ينصب على حجم التمويلات المصرفية المتاحة لشركاتكم؟
حاتم سمير: حسنًا، دعينا نتناول مثالًا محددًا. ففي عام 2024 أصدر البنك المركزي قرارًا يتعلق بنشاط التأجير التمويلي على وجه الخصوص، تضمن وضع أسقف ائتمانية لهذا النشاط، بحيث لا يتجاوز الحد الأقصى للتمويل الممنوح للشركة الواحدة نسبة 1%، وللقطاع ككل نسبة 5% من إجمالي محفظة القروض والتسهيلات الائتمانية للبنك.
رضوى إبراهيم: سواء كانت التمويلات مباشرة أو غير مباشرة، بما في ذلك التمويلات المرتبطة بعمليات التوريق.
حاتم سمير: صحيح، كما أن التمويلات غير المباشرة، بما في ذلك التمويلات المرتبطة بعمليات التوريق، أصبحت تدخل ضمن هذه الحدود الائتمانية. فما الذي حدث عمليًّا؟ شهدت السوق خلال الأشهر الأولى فترة من التباطؤ النسبي، قبل أن تعيد الشركات ترتيب أوضاعها.

رضوى إبراهيم: أي إنها استطاعت التكيف مع المتغيرات الجديدة.
شركات التأجير التمويلي تكيفت مع ضوابط المركزي وعاد النشاط إلى مستوياته الطبيعية
حاتم سمير: بالفعل، تمكنت الشركات من التكيف، وعادت وتيرة النشاط إلى مستوياتها الطبيعية. ويرجع ذلك إلى أن هذه الحدود ترتبط بحجم المحفظة الائتمانية للبنك، وكذلك بحجم قاعدته الرأسمالية، إذ تُحتسب الحدود كنسبة من المحفظة الائتمانية والقاعدة الرأسمالية. وبالتالي، طالما أن البنوك تواصل تحقيق الأرباح، وتنمو قواعدها الرأسمالية، وتتوسع محافظها الائتمانية، فإن الطاقة التمويلية المتاحة ترتفع تباعًا، وهو ما يحد من أي تأثير سلبي على معدلات النمو.
رضوى إبراهيم: أي أن ذلك ينعكس أيضًا على زيادة حجم التمويلات المتاحة لشركاتكم.
تنظيم القطاع يجب أن يستهدف النمو المستدام لا النمو فقط
حاتم سمير: صحيح، تزداد الحدود التمويلية المتاحة للشركات، لكن دعيني أميز بين نقطتين. وفي هذا السياق، لا أستطيع أن أفصل القرارات التنظيمية عن الاعتبارات التي تقف وراء إصدارها. فمن وجهة نظري، ينبغي أن يكون تنظيم أي نشاط مالي غير مصرفي والإشراف عليه قائمًا على نهج بنّاء، يستهدف تنمية القطاع، وتعزيز قدرته على استيعاب أدوات أكثر حداثة في إدارة المخاطر، بحيث يكون النمو مصحوبًا بالاستدامة، وليس مجرد نمو في المطلق. فالنمو الذي لا يستند إلى مقومات الاستدامة يظل نموًّا محفوفًا بالمخاطر.
وفي النهاية، نحن نتعامل بأموال الجهاز المصرفي، ومن الطبيعي أن يطمئن البنك إلى أن الشركة المقترضة، والتي تعيد توظيف هذه الأموال في منح التمويل للأفراد أو الشركات، تطبق أعلى درجات العناية المهنية لتقييم الأوضاع، والتنبؤات التي تعمل على أساسها.
الرقابة المالية تواصل تطوير الإطار الرقابي للقطاع المالي غير المصرفي
وأرى أن الهيئة العامة للرقابة المالية تؤدي دورًا بالغ الأهمية في تطوير الإطار الرقابي للقطاع، وتعمل بصورة مستمرة على تحديث منظومة العمل لدى الشركات الخاضعة لإشرافها.
تطبيق بازل 3 عزز الملاءة المالية وكفاءة إدارة المخاطر في الشركات
وأبرز دليل على ذلك ما قامت به الهيئة خلال العام الماضي، أو قبل نحو عامين، عندما أعلنت بدء الاستعداد لتطبيق متطلبات اتفاقية بازل 3 فلم تكتفِ بإصدار تعليمات ملزمة، وإنما بادرت بتنظيم ورش عمل، وندوات، وجلسات فنية مع الشركات، لشرح متطلبات الإطار الرقابي الجديد، وآليات التطبيق، وأبعاده المختلفة.
دراسة الأثر التنظيمي يجب أن تسبق أي قرارات رقابية مؤثرة
وبعد ذلك دخلنا في مرحلة التطبيق التجريبي (Trial Run)، حيث بدأنا في تنفيذ المتطلبات بصورة تجريبية، مع موافاة الهيئة، بشكل ربع سنوي، بنتائج التطبيق، وانعكاساته على القوائم المالية، والمؤشرات المالية، والأداء التشغيلي للشركات، وكانت الهيئة تتابع النتائج بصورة مستمرة، وتناقشها معنا أولًا بأول.
لذلك، فإن الهيئة العامة للرقابة المالية -من وجهة نظري- لا تتوقف عن تطوير أدواتها الرقابية أو تحديث متطلبات العمل داخل القطاع.
إشراك الشركات في مناقشة القرارات التنظيمية يحد من تداعياتها
أما ما أتمناه، فهو أنه قبل إصدار أي قرار تنظيمي مؤثر، يتم إشراك الأطراف المعنية في مناقشته، كما فعلت الهيئة العامة للرقابة المالية. فلم يحدث أن أعلنت الهيئة تطبيق متطلبات بازل 3 بصورة فورية، وإنما بدأت أولًا بحوار موسع مع الشركات، أوضحت خلاله أن هذه المتطلبات تستند إلى أفضل الممارسات الدولية، وأنها تسهم في تعزيز الملاءة المالية، ورفع كفاءة إدارة المخاطر، وإضافة قيمة للشركات، والحد من المخاطر. ثم أتاحت لنا فرصة اختبار هذه المتطلبات، وقياس آثارها العملية، قبل إلزام الشركات بالتطبيق الكامل.
وأتمنى أن يكون هذا النهج هو الأساس عند إصدار أي قرارات تنظيمية جديدة، بحيث تسبقها جلسات حوار مع الأطراف المعنية، تتضمن عرضًا واضحًا لدراسة الأثر التنظيمي، وقياس التداعيات المتوقعة على الشركات والقطاع.
رضوى إبراهيم: هنا حضرتك أوصلتني إلى النقطة التي كنت أريد الوصول إليها. أود أن ننتقل إلى تطبيق عملي يوضح كيفية تكيف الشركات مع القرارات التنظيمية. وقد استشهدت بنشاط التأجير التمويلي باعتباره نموذجًا.
حاتم سمير: وأنا ربما أكون أكثر من يستطيع الحديث عن ذلك، لأن شركتي تمارس غالبية أنشطة التمويل غير المصرفي.
رضوى إبراهيم: بالتأكيد، لكنني اخترت نشاط التأجير التمويلي تحديدًا لأنه أول نشاط وضع له البنك المركزي سقفًا للحدود الائتمانية منذ عام 2024، وبالتالي أصبح لدينا إطار زمني كافٍ لتقييم نتائج هذه الضوابط. وقد أشرت إلى أن القطاع تمكن من التكيف مع هذه القرارات، كما ذكرت أن متوسط معدل النمو في هذا النشاط يبلغ حاليًا نحو 45%.
حاتم سمير: هذا هو متوسط أداء القطاع، أما شركتي فقد حققت معدل نمو بلغ 70%.
رضوى إبراهيم: لا، أنا أفضل أن نتحدث عن متوسط أداء القطاع ككل، وسنعود لاحقًا للحديث عن أداء شركتكم.
حاتم سمير: متوسط معدل نمو القطاع يدور في حدود 40% إلى 45%
رضوى إبراهيم: وما متوسط معدل النمو الذي كان يحققه قطاع التأجير التمويلي قبل تطبيق هذه الضوابط التنظيمية؟
المتغيرات الاقتصادية الاستثنائية أثرت على جميع القطاعات خلال السنوات الأخيرة
حاتم سمير: المقارنة هنا ليست عادلة، لأننا نتحدث عن فترة استثنائية امتدت على مدار الخمس أو الست سنوات الماضية، وهي فترة شهدت تطورات غير اعتيادية. فكما أشار الأستاذ عمرو، بدأت تلك المرحلة بجائحة كورونا، التي أعقبها تباطؤ في معدلات النمو على مستوى الاقتصاد العالمي. ثم، على الصعيد المحلي، شهدت مصر عدة مراحل من تحرير سعر الصرف، تمت على مرتين أو ثلاث مرات وبدرجات متفاوتة، وهو ما انعكس بتأثيرات واسعة على العديد من القطاعات والأنشطة الاقتصادية.
رضوى إبراهيم: دعني أطرح السؤال بصورة أكثر مباشرة، ماذا لو كانت هذه القواعد قد أصبح الالتزام بها إلزاميًّا خلال هذا العام، كما حدث في باقي الأنشطة، وليس في عام 2024؟
الشركات ذات القواعد الرأسمالية الكبيرة أكثر قدرة على استيعاب القرارات التنظيمية
حاتم سمير: التأثير لن يكون متماثلًا على جميع الشركات، لأن الشركة التي تمتلك قاعدة رأسمالية محدودة تختلف عن تلك التي تتمتع بقاعدة رأسمالية كبيرة. كما أن الشركة التي تعمل في السوق منذ ثلاثين عامًا ليست كالشركة التي لم يمضِ على تأسيسها سوى خمس سنوات.
الشركات الأقدم في السوق أكثر تأثرًا بالحدود الائتمانية الجديدة
فالشركات الأقدم تكون قد استنفدت بالفعل معظم حدودها الائتمانية لدى البنوك، وأصبحت محافظها التمويلية كبيرة، وبالتالي تقل لديها القدرة على الحصول على تمويلات إضافية، وهو ما يجعلها أكثر تأثرًا بهذه القرارات مقارنة بالشركات الأحدث والأصغر حجمًا.
الشركات الحديثة تتمتع بمرونة أكبر في الحصول على التمويلات
رضوى إبراهيم: إذن، هل يمكن القول إن هذا النوع من القرارات يسهم في إعادة هيكلة السوق، بحيث تخرج الشركات غير القادرة على التكيف، بينما تتجه بعض الشركات إلى الاندماج أو تصبح هدفًا لعمليات الاستحواذ؟
حاتم سمير: لا أستطيع أن أتحدث عن دوافع إصدار هذه القرارات، لكن يمكنني الحديث عن نتائجها المحتملة. فالنتيجة الطبيعية قد تتمثل في حدوث حالة من إعادة هيكلة السوق، بحيث تجد بعض الشركات نفسها غير قادرة على الاستمرار بصورة مستقلة، نظرًا لأن حجم أعمالها لم يعد يسمح لها بذلك، في حين قد تضطر شركات كبيرة إلى إبطاء وتيرة نموها، لأن حدود التمويل المتاحة لها لم تعد تتماشى مع معدلات التوسع السريعة التي تستهدفها.
القرارات التنظيمية لا تنعكس بنفس الدرجة على جميع شركات القطاع غير المصرفي
ومن المهم أيضًا عرض الصورة بشفافية، فالتأثير لن يكون واحدًا على الجميع؛ فهناك شركات ستتأثر، وأخرى لن تتأثر. وفي جميع الأحوال، لا ينبغي أن تُبنى الشركات على افتراض أن أي قرار تنظيمي جديد سيؤدي إلى توقف أعمالها، بل يجب أن تمتلك قدرًا من المرونة والقدرة على التكيف والاستجابة السريعة للمتغيرات.
الضوابط التنظيمية قد تقود إلى إعادة هيكلة سوق التمويل غير المصرفي
رضوى إبراهيم: هذا هو المقصود، فالمعيار ليس كثرة عدد الشركات العاملة في السوق، وإنما وجود كيانات قادرة على الاستمرار، والصمود، وتقديم خدماتها بكفاءة وجودة عالية.

شريف سامي: وهذا تحديدًا هو ما يميز شركة عن أخرى.
أحمد رضوان: دعني أنتقل من هذه النقطة للحديث قليلًا عن موضوع آخر.
البنك المركزي لعب دورًا محوريًّا في تشجيع البنوك على تمويل القطاع متناهي الصغر
شريف سامي: لكن اسمح لي قبل أن نغادر هذه الجزئية، أن أروي في دقيقة واحدة قصة إقناع البنك المركزي بإدراج نشاط التمويل متناهي الصغر.
التمويل متناهي الصغر النشاط المالي الوحيد الذي تشارك فيه الجمعيات الأهلية
صدر القانون في 14 نوفمبر، ومنذ ذلك التاريخ بدأنا في منح التراخيص للجمعيات والشركات. وبالمناسبة، يُعد نشاط التمويل متناهي الصغر النشاط المالي الوحيد الذي تشارك فيه الجمعيات الأهلية إلى جانب الشركات.
وبحكم القانون، يشارك رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية في عضوية مجلس إدارة البنك المركزي، كما يشارك نائب محافظ البنك المركزي في مجلس إدارة الهيئة. وخلال عدة أشهر، كنت أعقد اجتماعات مع الجمعيات والشركات، بينما كانت البنوك لا تزال تتعامل مع الأمر بحذر وتتردد في الدخول بقوة، باعتبار أن هذا النشاط يستهدف مؤسسات صغيرة الحجم.
فتوجهت إلى محافظ البنك المركزي في ذلك الوقت، الأستاذ طارق عامر، وطلبت منه أن يعقد لقاءً مع عدد من الشركات والجمعيات العاملة في نشاط التمويل متناهي الصغر، حتى يستمع إليها ويتعرف على طبيعة عملها. ولم أطلب منه في ذلك الوقت أي إجراءات لدفع البنوك إلى التمويل أو تشجيعها على ذلك.
وتفضل مشكورًا وحدد موعدًا للاجتماع، الذي عُقد في قاعة الاجتماعات الرئيسية بالبنك المركزي. وقد حرصت على أن يضم اللقاء نماذج متنوعة من المؤسسات، فشارك فيه ممثلون عن شركات وجمعيات، من بينها جمعية تابعة للكنيسة الإنجيلية، وأخرى من صعيد مصر، وأخرى من أطراف الإسكندرية، وهي من أقدم المؤسسات العاملة في هذا المجال.
وخلال الاجتماع، بدأ كل مشارك في استعراض طبيعة نشاطه، وآليات منح التمويل، والفئات المستفيدة منه. وتحدثوا عن تقديم تمويلات صغيرة، بقيم تتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف جنيه، لسيدات يعملن في أنشطة بسيطة، مثل بيع الجبن في الأسواق، مع تحقيق معدلات سداد مرتفعة. كما أشاروا إلى النقطة التي تناولها الأستاذ عمرو في بداية الحوار، وهي أن النساء يمثلن النسبة الأكبر من المستفيدين من التمويل متناهي الصغر، وأن معدلات التعثر بينهن أقل من الرجال، نظرًا لارتفاع مستويات الالتزام بالسداد لديهن.
البنوك من أكبر المساهمين في كيانات التمويل غير المصرفي
لم أتدخل في النقاش خلال الاجتماع، واكتفيت بالاستماع، بينما كان محافظ البنك المركزي، ونوابه، وعدد من الوكلاء حاضرين. وبعد انتهاء اللقاء، التفت المحافظ إلى أحد الوكلاء، وأعتقد أنه كان المسؤول عن قطاع الرقابة على البنوك، وقال له: «لنرتب خلال الأسبوع المقبل اجتماعًا موسعًا، أظن أنه عُقد في فندق الماريوت، ندعو إليه جميع البنوك، إلى جانب الجمعيات، حتى نوسع دائرة الحوار».
وعندما حضرت البنوك هذا الاجتماع، ووجدت أن الدعوة جاءت من محافظ البنك المركزي نفسه، الذي شارك بالحضور إلى جانب نوابه ووكلائه، فيما تولت الهيئة العامة للرقابة المالية شرح طبيعة النشاط والترويج له، واستعراض الضوابط التنظيمية الحاكمة له.
أنا أتصور أن تلك كانت لحظة فارقة، لأنها جسدت كيف يمكن للجهة الرقابية المالية ألا يقتصر دورها على فرض الضوابط أو تشديد الرقابة، وإنما أمتد إلى تشجيع البنوك على دخول نشاط جديد لم تكن لديه في ذلك الوقت سوابق أعمال أو خبرات تراكمية كافية يمكن الاستناد إليها.
الرقيب المالي شريك في تنمية الأسواق وليس جهة رقابية فقط
وأردت أن أروي هذه القصة للتأكيد على أن الرقيب المالي يتبنى أيضًا رؤية تنموية للسوق؛ فإلى جانب دوره في الحد من المخاطر، يقع على عاتقه تشجيع الابتكار وتطوير الأنشطة المالية. وفي كثير من الأحيان، تطرح الجهة الرقابية أدوات أو منتجات مالية جديدة، لكن الأمر قد يستغرق عامين أو ثلاثة قبل أن يبدأ السوق في تبنيها فعليًا.
التوريق احتاج إلى سنوات حتى تحول إلى سوق بمليارات الجنيهات
وخير مثال على ذلك نشاط التوريق، الذي أُدرج ضمن قانون سوق رأس المال، لكنه ظل لثلاث أو أربع سنوات دون تنفيذ أي عمليات، إلى أن بادرت إحدى الجهات بإصدار أول عملية توريق، ليصبح اليوم سوقًا تُنفذ فيها إصدارات بعشرات المليارات من الجنيهات سنويًّا.
لدينا أيضًا أداة قد تكون ذات أهمية في المرحلة الحالية، وهي ما يُعرف بصندوق الاستثمار في القيم المنقولة، بحيث يكون بديلًا لعمليات التوريق في بعض الحالات.
حاتم سمير: تقصد الصندوق الخاضع لإشراف الهيئة؟
الصناديق المتخصصة أكثر قدرة على تقييم المخاطر من البنوك في بعض الحالات
شريف سامي: لا، هو صندوق استثمار شأنه شأن أي صندوق آخر، لكنه يخضع للإطار التنظيمي الذي تضعه الهيئة. ومع ذلك، ووفقًا لآخر المعلومات المتاحة لدي، لا يوجد حتى الآن أي صندوق من هذا النوع يمارس نشاطه فعليًّا، رغم أن هناك جهات تعمل على تأسيسه. وللعلم، يوجد في مصر حاليًا نحو 180 صندوق استثمار، بينما هذا النوع من الصناديق منصوص عليه في التشريع منذ أربع أو خمس سنوات، لكنه لم يدخل حيز التطبيق حتى الآن.
عمرو أبو العزم: ويُعد هذا النوع من الصناديق أحد أساليب التمويل غير المباشر.

صناديق الاستثمار في القيم المنقولة تمثل قناة تمويل واعدة للقطاع المالي غير المصرفي
شريف سامي: ويُعد ذلك أحد أساليب التمويل التي تتيح للمستثمرين الراغبين في تحمل مخاطر هذا القطاع، الاستثمار من خلال قناة متخصصة. وتمتاز هذه الصناديق بقدرتها على تقييم الفرص الاستثمارية بصورة أكثر دقة، بحكم تخصصها، بما يمكنها من التمييز بين الجهات الجادة وغيرها، وتقدير مستويات المخاطر المرتبطة بكل جهة، وربما بدرجة تفوق البنوك في بعض الحالات. ولذلك، أرى أنها تمثل منفذًا أو قناة تمويلية مهمة، ويمكن أن تستقطب المستثمرين الباحثين عن عوائد تفوق العائد على أذون الخزانة.
ياسمين منير: لدي مداخلة قصيرة للأستاذ شريف. كيف ترون مستوى التنسيق المطلوب بين الجهة الرقابية على القطاع المصرفي والجهة الرقابية على القطاع المالي غير المصرفي؟ فهناك تمثيل متبادل بين الجهتين، لكن إلى أي مدى ينبغي أن يمتد هذا التنسيق؟
80 % من الملفات تشهد تنسيقًا قويًّا بين البنك المركزي والرقابة المالية
شريف سامي: يمكن القول إن نحو 80% من الحالات تشهد تنسيقًا قويًّا بين الجهتين الرقابيتين، لكن في بعض الأحيان تظهر قضايا تنظيمية تؤثر في قضايا أخرى.
وقف التأمين البنكي جاء بقرار مشترك بين المركزي والرقابة المالية
وسأضرب مثالًا بعيدًا عن نشاط الإقراض، لكنه يتعلق أيضًا بأحد أنشطة القطاع المالي غير المصرفي، وهو التأمين البنكي (Bancassurance) ففي إحدى المراحل، وقبل أن أتولى مسؤولية الهيئة، كانت بعض شركات التأمين لا تلتزم بالضوابط المنظمة للنشاط، مستفيدة من وجود مكاتب لها داخل فروع البنوك. وعلى إثر ذلك، اتفق البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية على وقف النشاط، واستمر هذا الإيقاف لمدة عامين أو ثلاثة أعوام تقريبًا، إلى أن تم التوافق على آلية تنظيمية لعودته، ثم استؤنف النشاط مجددًا وفق الضوابط الجديدة.
لكن هذا الأمر أتاح لي، على المستوى الشخصي، فرصة لتقييم حجم المساهمة الفعلية للتأمين البنكي في منظومة التأمين. فقد تبين أن إجمالي الأقساط تراجع بنحو الثلث، لا سيما في نشاط تأمينات الحياة، وليس في تأمينات الممتلكات. وهو ما أكد أن وجود هذا النشاط داخل البنوك كان له تأثير واضح في دعم نمو سوق التأمين.
أقساط التأمين تراجعت بنحو الثلث خلال فترة وقف التأمين البنكي
وبالطبع، ليس المقصود أن نلجأ إلى إيقاف أي نشاط حتى نقيس أثره، لكن هذه الواقعة كانت أحد الأمثلة العملية التي أبرزت أهمية التنسيق بين البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية.
ومن الأمثلة الأخرى على هذا التنسيق، أن القواعد المنظمة كانت تنص على عدم جواز تعاقد البنك إلا مع شركة تأمين واحدة في تأمينات الممتلكات، وشركة واحدة في تأمينات الحياة. ومع ظهور شركات التأمين التكافلي، أعدنا طرح الأمر للنقاش، وتساءلنا عن المبرر لاستمرار تطبيق القاعدة ذاتها، باعتبار أن التأمين التكافلي يمثل منتجًا مختلفًا، سواء في تأمينات الحياة أو الممتلكات، وله شريحة من العملاء تختلف عن التأمين التقليدي. فقد تكون هناك فروع مصرفية يفضل عملاؤها التأمين التكافلي بحكم طبيعة المجتمع الذي تعمل فيه، بينما قد تفضل فروع أخرى التأمين التقليدي.
الحوار بين المركزي والرقابة المالية كان دائمًا بنّاءً وليس تصادميًّا
لذلك، كان الحوار بين البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية دائمًا حوارًا بنّاءً، وليس تصادميًا. وبطبيعة الحال، قد تختلف الأولويات أحيانًا، فالبنك المركزي يركز بدرجة أكبر على سلامة واستقرار القطاع المصرفي، بينما تميل الهيئة إلى دعم نمو الأنشطة المالية غير المصرفية، لكن في النهاية كان يتم التوصل إلى حلول تحقق التوازن بين الجانبين.
من الأمور التي كانت فيها إشكالية صغيرة هي الطروحات والاكتتابات، وكان من المفترض أن البنوك هي من تتلقى الاكتتاب، والحصول على إذن مسبق من البنك المركزي، ووقتها كان البنك المركزي يدرس وضع الشركة وهل موثوق فيها لأنه يتخوف من السمعة.
المركزي والرقابة المالية أعادا النظر في ضوابط التعاقد مع شركات التأمين بعد ظهور التكافلي
وعندما بدأنا العمل على تعديل قانون سوق المال، قلت وقتها هل سنستمر دائمًا معتمدين على جهة ما توافق على طروحات من صميم اختصاص هيئة الرقابة المالية؟.
سطر صغير في تعديل قانون سوق المال سمح للمؤسسات المالية بالمشاركة في الاكتتابات والطروحات
وتم وضع سطر صغير في القانون ينص على أنه يتم الاكتتاب عن طريق البنوك أو المؤسسات المالية التي تقرها الهيئة، وكان الغرض أنه إذا كنتُ أشتري وأبيع أسهمًا فلماذا لا نسمح لشركات السمسرة بهذا الأمر أيضًا.
أحمد رضوان: تحدثنا عن القواعد والعلاقة بهيئة الرقابة المالية التي تعتبر الجهة المشرفة رقم واحد على أنشطة التمويل غير المصرفي، ونتحدث أيضًا عن قرارات تصدر عن البنك المركزي ربما تكون مقيدة أو معرقلة في بعض الأوقات، أو تزيد القيود على التمويل المتاح أو السيولة المتاحة للشركات، ما وضع المنافسة بين الشركات في هذا الموقف؟ بالتأكيد هناك أسواق نتعامل معها على أنها أسواق في بدايتها والمنافسة ليست بالقوة الكبيرة، وهناك قطاعات وصلت لمرحلة من التشبع ومنافسة قوية بين الشركات، ما شكل المنافسة بين الشركات وما الأمور التي تستخدمها الشركات كعناصر قوية وفعالة في المنافسة؟ هل سعر الفائدة عنصر حاسم، أم الانتشار، أم القدرة على الحصول على تمويل منخفض التكلفة من مؤسسات تمويل دولية؟

التواجد في السوق قبل كورونا والمتغيرات الاقتصادية منح بعض الشركات أفضلية برقعة جغرافية أكبر
عمرو أبو العزم: لو تحدثنا عن شركات التمويل الصغير ومتناهي الصغر والمتوسط بمختلف الرخص الموجودة، فكما تفضل الزملاء الأعزاء، فإن التواجد في السوق في الفترة ما قبل جائحة كورونا والمتغيرات الاقتصادية يمنح بعض هذه الشركات وليس كلها أفضلية في التواجد برقعة جغرافية أكبر والحفاظ على العميل بصورة أكبر وطرح منتج في هذه الأسواق أصبح معروفًا باسم هذه الشركات.
الملاءة المالية وتنوع المنتجات واستخدام التكنولوجيا أبرز عناصر المنافسة
ولكن ربما في الفترة الأخيرة أصبح هناك عامل مهم جدًّا، وهو كما تحدثنا وحضرتك تفضلت، وهو الملاءة المالية والقاعدة الرأسمالية، وقوة المساهمين، وقوة الشركات على التأقلم، ورعاية وإدارة المخاطر بأسلوب متناسب مع السوق، واحترام المشرع والجهات الرقابية هو في صالح العميل، وبالتالي المنافسة حاليا تعتمد على 3 عناصر، الملاءة المالية، وتنوع المنتجات، واستخدام التكنولوجيا.
أحمد رضوان: ما الخطوات التي تتخذها الشركات في مسألة الملاءة المالية من أجل المنافسة؟
الملاءة المالية تمنح الشركة قاعدة رأسمالية قوية تجاه الممول الرئيسي وهو الجهاز المصرفي
عمرو أبو العزم: الملاءة المالية تمنح الشركة قاعدة رأسمالية قوية تجاه الممول الرئيسي وهو الجهاز المصرفي، والقابلية للحصول على أموال وتمويلات بصورة أكبر بسعر منافس، وبالتالي تستطيع المنافسة في السوق.
تمويلات القطاع التجاري تصل في بعض الشركات من 48 إلى 72 ساعة مقابل 7 أيام أو 3 أشهر بالبنوك
وحضرتك تسألني سؤالًا مباشرًا هل هي حساسة مقابل السعر الذي تطرحه أو العائد الذي ينتظره العميل، الإجابة ليس بالضرورة، ولكن الوقت الذي نستهلكه في إيصال هذا التمويل لهذا العميل وخاصة في القطاع التجاري الذي يصل في بعض الشركات من 48 إلى 72 ساعة، مقابل 7 أيام و10 أيام أو 3 أشهر في بعض البنوك، في دورة اقتصادية تدور 3 أو 4 أو 5 مرات في السنة، فإنه يفرق مع العميل، هذه المسألة الأولى.
عندما نستخدم التكنولوجيا نصبح أكثر شفافية مع العميل ويصبح وضع الشركة أقوى في طرح المنتجات
المسألة الثانية، عندما نستخدم التكنولوجيا نصبح أكثر شفافية مع العميل وتستثمر في هذه التكنولوجيا في المستقبل، ويصبح وضع الشركة أقوى في طرح منتجات أقوى مثل المنتجات الخاصة بالموردين، وفي الفترة الأخيرة بالذات.
هناك مناطق متشبعة جغرافيًّا وأخرى لا نستطيع دخولها بسبب العائد الاستثماري
ودعني أتحدث عن شركتي، بدأنا ننظر إلى فئات لم يكن ينظر إليها أحد، مثل سلاسل التجار والقطاع الصناعي المصدر، فأصبح هناك ميزة في التنوع، وميزة تنافسية بأن تفكر في قطاعات لم ينظر إليها أحد فيما مضى، وكذلك جغرافيًّا، دعنا نكون واقعيين، هناك مناطق متشبعة جغرافيًّا على مستوى القرى والمراكز والنجوع.
وهناك مناطق أخرى لا أستطيع الدخول فيها، مثل الوادي الجديد مثلًا نتيجة عدم وجود هذا الكم الذي يتيح له أن يستثمر، وهناك عائد استثماري مرتبط بأنك تفتح في المراغة أو الزقازيق، مقابل أن تدخل الوادي الجديد، هناك فرص مستقبلية في قطاعات مختلفة ربما تأتي، وبالتالي المنافسة لا تأخذ شكل النمو الجغرافي وتواجد فروع فقط، ومثلًا شركتنا ليست لها فروع لكن مراكز مالية تتعامل مع العملاء، ومندوبين للبيع، وتطبيق موبايل للتقديم عليه بالتعاون مع شركات اتصالات، التي تستطيع طرح منتجات مختلفة للعميل، هل هذا يعني أننا أفضل شركة، لا، بالعكس هناك شركات موجودة قبلنا بفترات طويلة، عندها نمو وتواجد.
المنافسة في النهاية لصالح العميل والسوق وقد نشهد اندماجات وتخارجات
هذه المنافسة في النهاية لصالح العميل والسوق لأنه بالتأكيد سنشهد اندماجات وتخارجات.
أحمد رضوان: هل السوق تلمس ذلك بالفعل؟
عمرو أبو العزم: بنسبة 100%.
أحمد رضوان: هل تلمس أيضًا أن هناك صيد كوادر؟
عمرو أبو العزم: بنسبة 100%، لكن صيد الكوادر نحن نتعلم شيئًا مهمًّا في هذه المسألة، وهنا سنذكر مقولة شعبية وهى «شراء العبد ولا تربيته»، فالعامل البشري مهم جدًّا في البيع، والحفاظ على المخاطر، ولذلك فإن العامل التكنولوجي مهم جدًّا، وكما تفضل دكتورنا العزيز أننا نستدعي التكنولوجيا والعمل بأسلوب مختلف، وهذه النقطة من الأمور التي صرحت بها الهيئة بأنها نفذت تعاقدات بما يسمى التعهيد للمؤسسات، بحيث تقوم بمهمة تأمين المعلومات وتحليل العملاء بصورة مختلفة، ولذلك التكنولوجيا مهمة جدًّا في هذه المسألة.
الجمعيات ما زالت تعمل بمتوسط حجم تمويل أقل من الشركات
ولكن هل هذا نهاية المطاف، بالتأكيد لا، هل هناك شركات تستطيع العمل دون هذه التكنولوجيا أيضًا، الإجابة نعم، وكذلك هناك فلترة لمتوسط حجم القرض أو الفئات المستهدفة، ونجد أن 99% من الجمعيات فئة ج و70% من الفئة ب، و10% من الفئة أ، وما زالت تعمل بمتوسط حجم تمويل أقل من الشركات، وبالتالي أصبح هناك تشكيلة من المنتجات ومستهدف عملاء مرتبط بحجم المنشأة والنشاط، وأصبحت الشركات بمتوسط حجم قرض أو تمويل أعلى ومنتجات مختلفة مثل التمويل الإسلامي وتمويل سلاسل الجودة، وتمويل المشروعات المتوسطة، تطلب سجلًّا تجاريًّا وبطاقة ضريبية واستعلام I score، وملاءة مالية، وزيارة للعميل، كما يحدث في البنوك .
أحمد رضوان: هل كل الجمعيات أصبحت تحت رقابة الهيئة أم يوجد منها تحت رقابة وزارة التضامن؟
شريف سامي: طوال الوقت من يحصل على ترخيص يكون في نشاطه الفني خاضعا للهيئة، مثلما أن هناك جمعيات أهلية لديها مستشفى يخضع لرقابة وزارة الصحة، وهكذا.
ياسمين منير: أستاذ حاتم.. في نفس الجزئية الخاصة بالمنافسة، حضرتك لديك عدد كبير من الأنشطة المالية غير المصرفية، حدثنا عن وضع المنافسة، خاصة وأننا شاهدنا مؤخرًا إقبالًا كبيرًا على تراخيص الأنشطة المالية المختلفة ومن ضمنها التمويل الاستهلاكي والتخصيم والأنشطة التمويلية المرتبطة بالعقارات، من وجهة نظرك ما الأنشطة التي تحتاج إلى اهتمام أكبر ولم تحصل على زخم ولديها فرص نمو الفترة المقبلة أكثر من غيرها، نحتاج نظرة لباقي القطاعات بخلاف التمويل متناهي الصغر؟

عدد الرخص في نشاط التأجير التمويلي انخفض إلى 43 من أصل 280 رخصة
حاتم سمير: لا اتفق مع أن هناك إقبالًا، أعتقد أن الإقبال كان موجودًا في الماضي والدليل على ذلك ومن الممكن أن يصحح لي الدكتور شريف إذا كنت غلطان، في الماضي كان هناك عدد رخص مهولة في الهيئة على نشاط التأجير التمويلي مثلًا، كان عدد الرخص تحت مظلة هيئة الرقابة المالية 280 رخصة تقريبًا، لكن في فترة معينة حدث إعادة تصحيح وفلترة في السوق وبالذات في نشاط التأجير التمويلي لأنه من أقدم الأنشطة وانخفض عدد الرخص إلى 42 أو 43 رخصة.
الإعفاءات الضريبية ساهمت في زيادة نشاط التأجير التمويلي
وكان البعض حصل على رخص لكن لا تعمل بها، وكانت هناك إعفاءات ضريبية تصاحب الحصول على رخصة التأجير التمويلي والعمل فيها، والكثيرون اتجهوا لإصدار رخص للاستفادة من الإعفاءات الضريبية، وعندما ظهر نشاط التخصيم ووقتها الهيئة سمحت بوجود رخصة موحدة، بحيث يستمتع الكيان الواحد بالحصول على أكثر من رخصة تحت مظلة هذا الكيان القانوني الواحد.
كان من الطبيعي للشركات إضافة نشاط التخصيم لأنه يتعامل مع نفس العميل المستهدف
وبدأت الشركات تضيف نشاط التخصيم لأنه مكمل لنشاط الشركات التي تبيع لنفس العميل، حيث إن التأجير التمويلي مسموح فيه التعامل مع المؤسسات فقط والتخصيم كذلك، وليس مع الأفراد، ولذلك كان من الطبيعي إضافة نشاط التخصيم لأنه يتعامل مع نفس العميل الذي تستهدفه الشركات بالفعل.
قرارات البنك المركزي ساعدت بطريقة غير مباشرة على نمو نشاط التخصيم
وعندما صدر قرار البنك المركزي ووضع أسقف ائتمانية لتمويل التأجير التمويلي بـ 1% و5%، الناس فكرت في أن التخصيم سيكون متنفسًا أو وسيلة وشباكًا آخر ممكن يدخل منه لينمو بالمحفظة الائتمانية الخاصة به ويمنحه تنوعًا، وهذا القرار ساعد بطريقة غير مباشرة على نمو نشاط التخصيم، لأن الشركات لم تجد أمامها إلا تنوع الأنشطة والمحافظ الخاصة بها، وأصبحت تشبه البنوك بنسبة كبيرة، حيث أصبح لدى الشركات تمويل متوسط الأجل من 3 إلى 5 سنوات «التأجير التمويلي»، وقصير الأجل “رأسمال عامل” في التخصيم.
التمويل الاستهلاكي ينمو بشكل طبيعي نتيجة الظروف الاقتصادية
أما التمويل الاستهلاكي فهو نشاط حديث موجود في مصر منذ 7 أو 8 سنوات، وينمو بشكل طبيعي نتيجة الظروف الاقتصادية كما تفضل الدكتور شريف وشرح، سواء التضخم وانخفاض القوة الشرائية للجنيه المصري، والانفتاح الاقتصادي والسلع الجديدة والرغبة في التملك لدى العملاء، وقد ساعد كل ذلك على نمو نشاط التمويل الاستهلاكي، وبالتالي كل نشاط له أسباب النمو الخاصة به.
الإقبال يرتفع على النشاط الذي يمنح موازنة بين إدارة المخاطر والعائد
وفي الحقيقة الإقبال ليس على نشاط بعينه ولكن على النشاط الذي يمنح معادلة وموازنة بين إدارة المخاطر والعائد الذي يأخذ في الحسبان تكلفة المخاطر الخاصة به، وبالتالي أي نشاط في القطاع المالي غير المصرفي يمنح عائدًا صافيًا بعد الأخذ في الحسبان تكلفة المخاطر سيكون عليه إقبال طالما مفتوح له تمويلات، بشرط أن يكون لدى البنوك شهية في تمويل هذا القطاع، لأنه ليس من الصحيح أن نؤسس شركة تأجير تمويلي أو تخصيم وأنا أعلم أنه لا يوجد من يقوم بتمويلي.
80 % من الشركات في مصر تصنيفها صغيرة ومتوسطة
هناك رغبة وطلب في السوق المصرية، 80% من الشركات في مصر يتم تصنيفها على أساس أنها صغيرة ومتوسطة، والحاجة لرأس المال كبيرة جدًّا، والحاجة إلى شراء معدات ووسائل نقل كبيرة جدًّا، لكن الإطار والآلية هي ما يختلف بين شركة وأخرى، وفي النهاية القطاعات كلها تنمو واعتقد أن قطاع الخدمات المالية غير المصرفية في باقي الدول مثل تركيا تمثل 30 و33% من الناتج المحلي للدولة.
نشاط التأجير التمويلي لم يتجاوز 2% من الناتج الإجمالي
بينما في مصر نشاط التأجير التمويلي لم يتجاوز الـ 2%، والتمويل العقاري 1%، ونشاط التمويل العقاري عندما تبدأ الفائدة في التراجع وتصل إلى معدلات طبيعية سيشهد نموًّا سريعًا، لأنه شهد استثمارات كبيرة في الفترة الأخيرة من الأفراد في العقارات، وبالتالي سيكون هناك بيع وشراء لهذه العقارات.
توقعات بنمو سريع في نشاط التمويل العقاري عندما تبدأ الفائدة في التراجع
رضوى إبراهيم: أستاذ شريف سامي، حضرتك كنت رئيس أسبق لهيئة الرقابة المالية وحضرت أنشطة عديدة وسعيت أنك تضيف أنشطة أكثر للسوق، فبالتأكيد أنت الأكثر قدرة على الحديث عن أنشطة التمويل غير المصرفي، دعني أسألك سؤالًا افتراضيًّا، بعد القرارات التنظيمية التي صدرت، أكيد هناك فجوة بين احتياجات هذه الشركات من التمويل، وما يستطيع القطاع المصرفي تدبيره لها، لو وضعت نفسك مكان شركات التمويل غير المصرفي، ما بدائلهم التمويلية وهل سنشاهد أنهم يعتمدون أكثر على دعم حقوق الملكية واستقطاب مستثمرين جدد من خارج القطاع المصرفي؟ هل لو القطاع المصرفي دخل كمستثمر في هذه الكيانات لن يكون هناك أي تعارض مع القواعد الموضوعة وهنا أتحدث عنه كمساهم وليس ممول، هل صناديق المعاشات ممكن تلعب دورًا في سد هذه الفجوة التمويلية وصناديق الاستثمار كلها بوجه عام؟
شريف سامي: لن أجيبك كرئيس سابق لهيئة الرقابة المالية فقط، أعتقد أن الإضافة الأهم قبل وبعد هيئة الرقابة المالية، لأنك تدرس السوق سواء صناديق استثمار أو بنوك كيف تعمل، وليس مهمًّا ماذا يريد الرقيب، لأنه لو لم يكن هناك إقبال على المنتج لن تعمل.
البنوك تنوع منتجاتها التمويلية ولم تعد تقتصر على القروض المباشرة
نريد تذكر أن البنوك من أكبر المساهمين في كيانات تمويل غير مصرفي وهذا يؤكد أن البنوك نفسها كمالك وليس مقرض، مقتنعة أنها قنوات توزيع مناسبة لمنتجات محددة، وهذا يشير إلى أنه حتى البنوك ترى أنها تصل إلى عميل وتوفر التخصص وأحيانًا نظام تحفيز مختلف وآليات عمل مختلفة، وهذه اعتبرها شهادة ثقة من أكبر منافس، وفي نفس الوقت نرفع القبعة للشركات لأن البنوك لديها ودائع بتكلفة أقل، وحسابات توفير وجارية بالإضافة إلى شهادات الإيداع.
إنما شركات التمويل غير المصرفي تقترض من البنوك أو سوق المال بتكلفة عالية، وبالرغم من هذا التحدي إلا أنهم يستطيعون أداء رسالة، وكان هناك حديث عن هل هناك حساسية للتكلفة، أعتقد أن الأستاذ عمرو قالها: العميل أحيانًا يريد السرعة والكفاءة ويريح قلبه ويضحي بـ 1 أو 2 أو 3% زيادة.
سأقدم لكم مثالًا بسيطًا عن السيارات، وأقصد بذلك بيع السيارات بالتقسيط، هناك العديد من البنوك التي تقدم برامج لتقسيط السيارات، وهناك أيضًا شركات خارج القطاع المصرفي تقدم الخدمة ذاتها، علمًا بأن تكلفة التمويل لدى الشركات تتسم بكونها أعلى، وعلى الرغم من ذلك نلاحظ رضا العميل، حيث إنه يتوجه إلى المعرض، ويتم إبلاغه بأن الانتهاء من الإجراءات سيتم في غضون يومين، مع التأكيد على جاهزية المستندات، وهذا يعني أن لكل عميل الآلية التي تتناسب معه، ومن ثم لا يوجد تصادم بل تكامل، وستظل البنوك المصدر الأساسي للتمويل.
أما فيما يتعلق بالمنافسة ومن أين تأتي؟ أعتقد أن عجز الموازنة العامة في مصر، والذي ينتج عنه إصدارات عديدة للغاية من أذون الخزانة والسندات، تتسم هذه الأدوات بكونها خالية من المخاطر، فإذا كانت هذه الخيارات متاحة أمام صناديق الاستثمار، والتأمينات، والمعاشات، والعديد من الهيئات، فلكِ أن تتخيلي شركة تخصيم، أو تأجير تمويلي، أو تمويل متناهي الصغر، ترغب في التوريق وإصدار سندات، فهي ستضطر إلى تقديم عائد أعلى من العائد الذي تقدمه الدولة، بسبب المخاطر.

رضوى إبراهيم: من القادر على سد تلك الفجوة؟
شريف سامي: لا يتعلق الأمر بسد فجوة بعينها، الإشكالية بالنسبة لهم تكمن في أن بعض الدول المجاورة لا تشهد تلك الإصدارات الكبيرة من الأذون وسندات الخزانة، وبالتالي فإن الحاجة إلى أدوات الدخل الثابت تدفع المستثمرين مباشرة نحو هذا القطاع.
أما نحن، فنحاول المنافسة ونسعى لإيجاد مساحة صغيرة، حيث كانت الأحجام تتراوح بين 2 و3 مليارات منذ 5 أو 6 سنوات، في حين تصل اليوم إلى 20 و30 مليار، وزادت أكثر.
يجب استحداث قنوات جديدة كصناديق الاستثمار في القيم المنقولة
الأهم من ذلك هو استحداث قنوات جديدة، كصناديق الاستثمار المتخصصة في القيم المنقولة التي أشرت إليها سابقًا، وهي تبدأ في الدخول، كما توجد بنوك قامت بتنويع منتجاتها التمويلية ولم تعد تقتصر على القروض المباشرة، بل أصبحت تلجأ إلى آليات مثل حوالة المحفظة، وهي بمثابة عمليات توريق مصغرة بضمان المحفظة التمويلية.
وجود شركة استعلام ائتماني «آي سكور» من أهم أدوات إدارة المخاطر
يكون هناك ابتكار مالي يحقق الغرض. واستغلالًا للدقيقة المتبقية لي، أود الإشارة إلى أنه من أهم أدوات إدارة المخاطر، خاصة الموجه للأفراد من خلال التمويل متناهي الصغر، وكذلك التمويل الاستهلاكي، هو وجود شركة استعلام ائتماني مثل «آي سكور»، أنا عضو في مجلس إدارة بنك للتمويل متناهي الصغر في باكستان، علمًا بأنه يوجد لديهم 3 شركات استعلام ائتماني، ونظرًا لعدم توحيدها، فإن النتيجة التي تحصل عليها تختلف باختلاف الشركة التي تستعلم منها، فنحن نتحلى بذلك، إلى جانب وجود شركة مصر للمقاصة في البورصة، والتي تعد أحد المسلمات، نظرًا لكونها تمثل ميزة قوية جدًّا في مصر، حيث نمتلك شركة واحدة قوية ومحترمة تضم جميع الأسهم والأوراق المالية وهي «مصر للمقاصة»، بالإضافة إلى شركة «آي سكور» المملوكة للقطاع المصرفي بأكمله.
وأرى أن الفجوة في تنظيم المخاطر تتمثل في أن أغلب المناقشات تدور حول التمويل الاستهلاكي، بينما نتجاهل أكبر عبء ائتماني يتحمله أي فرد، وهو شراء الوحدات السكنية.
شراء الوحدات السكنية أكبر عبء ائتماني يتحمله أي فرد
ففي الماضي، كانت مدة التقسيط لشراء الوحدة السكنية تمتد لثلاث سنوات، أما الآن فقد أصبحت تمتد إلى 7 و8 و10 و12 سنة، علمًا بأن هذه العمليات لا تُسجل لدى شركة «آي سكور»، وبالتالي، فإننا ندقق على شركات التمويل، إلى جانب تقييم دخل العميل وأعبائه الائتمانية.
أحمد رضوان: حتى وإن بيعت هذه المحفظة لشركة تمويل عقاري، فإنه يتم مراجعتها مع شركة الاستعلام الائتماني أي سكور؟
شريف سامي: لا، دعنا من البيع، عندما أقوم بفحص العميل، أستطيع معرفة حجم التزاماته، فيتبين وجود التزام قيمته 200 جنيه لصالح بنك مصر، إلى جانب وجود قسط متأخر على بطاقة ائتمانية…
رضوى إبراهيم: وقد يكون لديه التزامات أو ورطة كبيرة، هذا صحيح.
التمويل الاستهلاكي هو الوحيد الذي لا يُسدد من عائد النشاط
شريف سامي: وقد لا تكون ديونًا متعثرة، بل التزامات منتظمة يقوم بسدادها، ما أقصده هو أنه قد يكون لديه التزام شهري بقيمة 10 آلاف أو 30 ألف جنيه، وهذا التزام يجب أن يكون أمامي عند اتخاذ القرار الائتماني.
لذا، لا يجوز أن نضع قيودًا صارمة على المنافذ والجهات الأمامية، مع التركيز على تطبيق معايير «بازل 3» و»بازل 4» وغيرها من الضوابط، بينما نترك الباب الخلفي، والذي يضم أكبر عبء ائتماني على المواطن المصري، والذي يؤخذ بعين الاعتبار.
حاتم سمير: ألا يمكن أن يكون تفسير ذلك في نسبة عبء الدين إلى الدخل (DBR)؟
شريف سامي: في هذه الحالة يصبح مضللًا، الأمر يشبه طبيبًا يصف لك دواء لضغط الدم، فإذا كان قياس الضغط خاطئًا، سيكون العلاج خاطئًا، وهو ما يعكس وجود مشكلتين، وقد أثرت حضرتك إحداهما، وهي تحديد حجم الدخل في مصر، فالوضع هنا يختلف عن فرنسا أو أمريكا أو إنجلترا، حيث يقدم الجميع هناك إقرارات ضريبية محددة ويُعرف دخلهم بدقة متناهية، ومن لا يقدم الإقرار الضريبي يُعرض نفسه للعقوبة.
في المجتمعات النامية، يعمل الأفراد في العديد من الوظائف بالقطاع غير الرسمي لذا أن نلجأ إلى مؤشرات مثل السكن، ونوع السيارة، والمؤهل العلمي، والجوانب التي لا تُسجل.
هذه هي المؤشرات، لذا استنادًا إلى الجانب الإحصائي، وباستخدام تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، يمكننا الوصول إلى استنتاجات، فإذا كان العميل خريجًا جامعيًّا، ومتزوجًا منذ 5 سنوات، من واقع الخبرة، نرى أن احتمالية تعثره ينخفض إلى الربع، مقارنة بشخص لم يكمل دراسته، وأعزب، ولم يستقر في محل إقامة محدد لمدة 3 أشهر، هذه هي المؤشرات التي تُستخدم في مصر اليوم في مجال التمويل متناهي الصغر، وذلك ليس في مصر فقط، بل يشمل العديد من الدول الإفريقية والهند وغيرها، ولكن لنعود إلى الشق الخاص بالسكن لنختم به، إذا تم إدراج أي عملية تقسيط تتجاوز مدتها عامًا أو عامين، في منظومة الاستعلام الائتماني «آي سكور».
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه في أوروبا، من يقوم باستئجار وحدة سكنية يُدرج في منظومة «آي سكور» للتأكد من مدى التزامه بسداد الإيجار من عدمه، فنحن لا نزايد هنا، عندما نقول إن من لديه التزامات لأقساط قيمتها مليون أو 2 مليون جنيه، يجب أن يُسجل حتى تكون المنظومة مُعبرة بالفعل عن الهدف الذي أُنشئت من أجله.
رضوى إبراهيم: وماذا عن التوريق؟ ما الذي طرأ على تكلفته في ظل جميع الظروف المحيطة والتي تشمل القواعد المُنظمة ومعدلات التضخم وما شابه؟
شريف سامي: تنقسم التكلفة إلى شقين، الشق الأول هو أسعار الفائدة، والتي يجب أن تكون أعلى قليلًا من العائد على أذون وسندات الخزانة، علمًا بأنها كما ترتفع فإنها ستعاود الهبوط لاحقًا.
أما الشق الآخر من التكلفة يتعلق بالجانب الإجرائي، كالرغبة في الحصول على تصنيف ائتماني، أو شهادة معتمدة من مراقب الحسابات، وغيرهم من المستندات، وعلاج ذلك يكمن في إتاحة إصدارات كبيرة، حيث إنه يتم صرف قيمة تقدر بنحو 5 ملايين جنيه على سبيل المثال، وذلك سواء كانت قيمة الإصدار 300 مليون أو 3 مليارات جنيه، هذا الأمر يشجع على تجميع عمليات توريق من عدة شركات إن أمكن.
كما يعطي ذلك ميزة للشركات الكبرى، أما الكيانات الصغرى، فتلجأ للطرق التقليدية الأخرى مثل القروض المصرفية وغيرها، ولكنني أعتقد أننا نعد السوق الأكثر نشاطًا في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وذلك في مجال التمويل متناهي الصغر، وكذا في آليات سوق المال التي تقوم بتمويل هذا النشاط.

أحمد رضوان: أستاذ حاتم سمير، بحكم وجود أكثر من نشاط تقدمه شركتكم، ما الأنشطة التي ترى أنها أصبحت تخضع لرقابة أكثر، وتصدر لها تشريعات وضوابط بشكل مستمر مما يحد من نموها؟ وما هي القطاعات التي ترى الأوضاع بها مرنة ولا تواجه معوقات تشريعية، أو ربما ترى أنها بحاجة إلى ضوابط وتنظيم أكبر؟
حاتم سمير: في اعتقادي أنه كما تفضلت حضرتك.
أحمد رضوان: وأنا هنا لا أتحدث عن البنك المركزي تحديدًا، بل أتحدث…
التأجير التمويلي حظي بنصيب كبير من القرارات والتنظيمات مقارنة بسائر الأنشطة
حاتم سمير: تمام، كما تفضلتم في حديثكم بالتنويه إلى أن نشاط التأجير التمويلي كان دائمًا من أكثر الأنشطة التي حظيت بنصيب كبير من القرارات والتنظيمات.
على الرغم من أنني طوال الوقت، ووفقًا لقناعاتي حتى اليوم، أرى أن التأجير التمويلي من أكثر الأنشطة أمانًا، خاصة أن المعادلة به متوازنة للغاية بين إدارة المخاطر والعائد.
والدليل على ذلك، أن قياس مدى فاعلية أو كفاءة أي نشاط يعتمد على مؤشرات بسيطة وواضحة، فكم يبلغ متوسط معدل الديون المتعثرة في قطاع التأجير التمويلي؟
أحمد رضوان: كم نسبته؟
حاتم سمير: أقل من 1%، بل أود القول إن نسبة التعثر لدينا تكاد تكون معدومة، ونحن شركة تعمل في السوق منذ 11 عامًا.
أحمد رضوان: هل نتحدث هنا عن الجانب المتعلق بالبنك المركزي؟
حاتم سمير: لا، دعنا نفصل بين الأمور.
أحمد رضوان: ما أتحدث عنه هو التشريعات المرتبطة بالهيئة.
حاتم سمير: القطاع الذي يحظى بالنصيب الأكبر من الرقابة حاليًا هو التمويل الاستهلاكي، والسبب في ذلك هو نمو التمويل الاستهلاكي بوتيرة كبيرة للغاية خلال فترة زمنية قصيرة جدًا، كما دخل به أطراف متعددة بأفكار مختلفة ومناهج ومدارس متنوعة، علمًا بأن شهية المخاطرة به كانت مرتفعة للغاية.
التمويل الاستهلاكي يحظى بالنصيب الأكبر من الرقابة حاليًا
مشكلة التمويل الاستهلاكي تكمن في جانب مشابه لما ذكره دكتور شريف سامي، حيث إن التخوف منه يكمن في أنه إذا لم يتم قياس متوسط الدخل الحقيقي للعميل أو حال تم اتخاذ القرار بناءً على قراءة غير دقيقة لمتوسط الدخل، سيسفر ذلك عن إغراق العميل في الديون أو…
أحمد رضوان: لكن هذا ينطبق على جميع أنواع التمويل.
حاتم سمير: لا، الأمر مختلف هنا.
شريف سامي: اعتذر عن المقاطعة السريعة، ولكن أود التنويه إلى أن التمويل الوحيد الذي لا يُسدد من عائد النشاط نفسه هو التمويل الاستهلاكي.
حاتم سمير: بالضبط.
شريف سامي: أما فيما يخص التخصيم والأنشطة الأخرى، أنت تقيّم مشروعًا أو نشاطًا يُدر دخلًا وسيُسدد منه.
عمرو أبو العزم: مرتبط بنشاط.
حاتم سمير: أنت ترى جانب تقييم وفقًا له.
شريف سامي: أما في التمويل الاستهلاكي، فأنت تمنح العميل تمويل لشراء تلفاز 70 بوصة.
أحمد رضوان: هذا يعني أنه أكثر حساسية لأي تعثر.
شريف سامي: لا أقصد بذلك أنه حساس، بل هو في الأساس لا يولد أي إيراد يقوم بالسداد من خلاله، ومن ثم تبدأ في البحث عن مصادر إيراد أخرى.
حاتم سمير: كما ذكر الاستاذ شريف سامي، أنت لا تملك رؤية واضحة، فهناك جوانب كثيرة تكون غير مرئية أمام جهة التمويل.
رضوى إبراهيم: وذلك هو الأخطر.
حاتم سمير: فقد يكون العميل قام بشراء وحدة سكنية لابنه وأخرى لابنته، ويستثمر فيها كافة أمواله لحمايتها مستقبلًا.
أحمد رضوان: بالضبط.
حاتم سمير: فنحن نعرف ثقافة الشعب المصري الذي يفضل استثمار أمواله في العقارات للحفاظ على قيمتها، علمًا بأن كافة هذه الالتزامات لا تكون ظاهرة أمامك.
إذا لم تعتمد الشركة على نموذج عمل يستند على التكنولوجيا، وعلوم البيانات، والتحليل الائتماني، وتطوير أساليب العمل و(Underwriting)، إلى جانب الشق الخاص بتقييم العميل، فإنها قد تواجه معوقات كبيرة، أما الشركات التي تستطيع مواكبة هذا النمو، وتعتمد على التحليل الدقيق للبيانات، وتعمل وفقًا لطرق منهجية سليمة، فهذه هي الشركات التي يمكن أن نقول عليها.
أحمد رضوان: لدي استفسار أخير، هل أنت ملزم بالتعامل مع شركة «آي سكور» في كل الأنشطة التي تمارسها؟
حاتم سمير: بالتأكيد.
أحمد رضوان: جميعها.
حاتم سمير: بالطبع.

جميع الجهات الخاضعة للهيئة العامة للرقابة المالية مرتبطة بمنظومة «آي سكور»
عمرو أبو العزم: لا يوجد أي جهة خاضعة للهيئة العامة للرقابة المالية، إلا وتكون مرتبطة بمنظومة «آي سكور».
حاتم سمير: لا توجد جهة تابعة للهيئة العامة للرقابة المالية، كما لا توجد أي جهة تقوم بمنح تمويل، إلا وتُقدم إقرارًا لشركة «آي سكور».
أحمد رضوان: هذا أمر جيد.
عمرو أبو العزم: أود الإشارة إلى أمر ما فيما يتعلق بشركة «آي سكور»، حيث إنه قبل أن يساهم الدكتور شريف سامي في إعداد القانون رقم 141 الخاص بشركات التمويل متناهي الصغر، كانت نسبة العملاء وأصحاب الأنشطة والشركات المدرجة في شركة «آي سكور» 20% تقريبًا، في حين بلغت تلك النسبة حاليًا 60%، وهذا يعكس تحسنًا في الشمول المالي، إضافة إلى وجود شفافية في البيانات، الأمر الذي من شأنه مساعدة القطاع بأكمله على استدعاء الجدارة الائتمانية لتلك الشركات وأصحاب هذه الأنشطة عند اتخاذ القرار الائتماني، كما أود تقديم الشكر لشركة «آي سكور» لأنها أتاحت الفرصة.
أتاحت شركة «آي سكور» الفرصة لشركات هذا القطاع أن تقوم بعمل ما نُطلق عليه التقييم المخصص (Customized Scoring)، حيث يمكن للشركة طلب تقرير يُظهر عدد العملاء في منطقة جغرافية محددة الذين حصلوا على تمويلات من 3 شركات مختلفة، وتعثروا في القسط الأول، وتأخروا أسبوعًا في القسط الثاني، وكذلك حصل على تمويل من شركة خارج مصر.
أحمد رضوان: هذا الأمر متاح؟
عمرو أبو العزم: نعم، متاح.
هناك جوانب كثيرة غير مرئية أمام جهة التمويل
حاتم سمير: وتوجد أيضًا خدمة أخرى متاحة حاليًا يمكن الاشتراك بها، فهي ترسل إشعارًا لك عند قيام عميلك بطلب تمويل لدى جهة أخرى.
رضوى إبراهيم: حقًّا، هل هذا متاح بالفعل؟ ذلك أمر جيد.
عمرو أبو العزم: الفارق هنا يكمن في ثقافة كل مؤسسة، هل تستدعي هذه البيانات هامش مخاطرة عالية؟ أم تتطلب الحرص الشديد؟ أم تهدف لمواكبة معدلات السوق؟ حيث يتم اتخاذ القرار الائتماني وفقًا لذلك، مما يعكس أهمية الدور الذي تقوم به شركة «آي سكور» في هذا الإطار.
ياسمين منير: أستاذ شريف سامي، بالنظر إلى الأسواق الخارجية الأكثر تقدمًا في مجال الأنشطة المالية غير المصرفية، مقارنة بالسوق المحلية، ما القطاعات أو أدوات التمويل أو الأنشطة المالية التي ترى أننا ما زلنا بحاجة إلى ضوابط أكثر بها؟ وهل هناك أدوات جديدة يمكن استحداثها في هذا الإطار مثل صناديق القيم المنقولة التي أشرتم إليها؟ وما الأدوات التي لم تُطبق في مصر حتى الآن وقد تكون مفيدة بصورة خلال الفترة القادمة؟
شريف سامي: سأجيب بإيجاز، ولكنني سأستند في إجابتي إلى نقطة ذُكرت أكثر من مرة، وهي ما إذا كانت الضوابط والقرارات التنظيمية تُعطل أم لا.
أود هنا الدفاع عن قطاع، رغم عدم وجوده معنا اليوم، وهو القطاع المصرفي، حيث إنه أكثر قطاع تصدر له قرارات ربما تكبل نموه، لكي نكون منصفين، فهناك العديد من المنتجات التي تتطلب وقتًا طويلًا للحصول على الموافقة عليها، لذا تحسد البنوك شركات التمويل غير المصرفي على سرعة الإيقاع.
نشهد انتشارًا واسعًا للبنوك الافتراضية أو الإلكترونية، والتي بدأ البنك المركزي المصري في الترخيص بها، لكنها لم تدخل حيز التشغيل، لقد أصبحت هذه البنوك ظاهرة نراها في أمريكا اللاتينية، وأوروبا، وإنجلترا، وأمريكا، وغيرها.
وفيما يتعلق بقياسات رضاء العملاء، يقوم البنك المركزي البريطاني بأمر مفيد للغاية، حيث إنه يستعين بشركة متخصصة لقياس مدى رضا العملاء، ثم ينشر ترتيب البنوك وفقًا للنتائج، ويُلزم كل بنك بوضع نتيجة الاستفتاء وتعليقها بوضوح داخل الفرع.
فلكِ أن تتخيلي أن يكون البنك في المرتبة السابعة على سبيل المثال، ويكون ملزمًا بعرض هذا الترتيب داخل الفرع، الأمر الذي يعد بمثابة ضغط معنوي كبير يدفع البنوك لتحسين جودة خدماتها.
وتظهر نتائج هذه الاستفتاءات أن البنوك الرقمية دائمًا ما تحتل المرتبة الأولى والثانية في سرعة فتح الحسابات، وإنجاز المعاملات، وسهولة استخدام التطبيقات الإلكترونية للأفراد، أما بالنسبة للشركات والفروع، فلها أبعاد مختلفة، وهذه الظاهرة متواجدة بصورة كبيرة.
أما النقطة الثانية، فتتمثل في وجود قطاع مختلف نوعًا ما لديهم في مجال التمويل الاستهلاكي، فهو ليس أكثر تطورًا بل يختلف قليلًا، فالتمويل الاستهلاكي في مصر لا يزال يقتصر على التقسيط.
الهيئة العامة للرقابة المالية تسمح حاليًا بمنح تمويلات نقدية تصل إلى 50 ألف جنيه، حتى إن لم يكن ذلك منصوصًا عليه في القانون.
الدول بالخارج لجأت إلى تقديم تمويل استهلاكي نقدي مُباشر منذ البداية بعيدًا عن التقسيط التقليدي، كما توفر بعض الجهات خدمة الإقراض لحين تقاضي الراتب الشهري، وذلك مقابل رسوم نسبتها 1% تقريبًا، فلا يشعر المُقترض بعبئها، ولكن عند احتساب هذه النسبة على أساس شهري أو كل أسبوعين، سنجد أنها تمثل مبالغ ضخمة.

لا ينقصنا أي منتج في مجال التمويل والإقراض
لذا، نحن لا ينقصنا أي منتج في مجال التمويل والإقراض، فلا يوجد ما يمكننا القول إن هناك أمرًا غير موجود لدينا، وإنما الفارق يكمن في حجم التمويلات، وأعتقد أنه مع دخول البنوك الرقمية واعتماد التوقيع الإلكتروني، سنشهد تيسيرًا كبيرًا في آليات الإقراض عبر القطاع ككل.
كما يوجد فارق آخر كبير يتمثل في كون أسواق المال لديهم تتسم بكونها أكثر عمقًا ونشاطًا، وأقصد بذلك السندات وليس الأسهم، الأمر الذي يتيح فرصًا أكبر لتمويل هذه الأنشطة، وهنا تجدر الإشارة إلى وجود فرق جوهري بين أوروبا وأمريكا، حيث إن سوق السندات في أمريكا أكثر نشاطًا، في حين نلاحظ أن أوروبا تقليدية، فهي تلجأ إلى البنوك.
أما في مصر، فلا أعتقد أننا نعاني من مشكلة تشريعية، وإنما نأمل عند إصدار التعديلات التنظيمية أن تُجمع وتُصدر مرة أو مرتين سنويًا، بدلًا من التعديلات المتلاحقة كل أسبوعين أو ثلاثة، حتى يتمكن السوق من توقعها.
كما أود التنويه إلى أنه في ظل النمو السكاني الحالي، فإن الأرقام التي نراها قابلة للزيادة في كافة الأسواق، حيث إن التضخم والزيادة السكانية من شأنهم مضاعفة حجم جميع أنشطتنا المالية.
رضوى إبراهيم: أستاذ عمرو أبو العزم، سأطرح عليك سؤالًا أخيرًا، كي لا نُطيل عليك أكثر من ذلك، إذا أردنا تحديد نقطة أو نقطتين تطبقان في نشاط التمويل متناهي الصغر خارج مصر وغير موجودتين لدينا، وترى أنه حال تم تطبيقهما سيشهد النشاط طفرات كبيرة في النمو بالتزامن مع تقليل المخاطر، فما هما؟
الحاجة إلى التوسع في استخدام التكنولوجيا المالية والسعي لإصدار قرارات سريعة
عمرو أبو العزم: عندما تطور قطاع التمويل متناهي الصغر في العديد من الدول التي كانت تعاني من انخفاض معدلات الشمول المالي، لا سيما بين أصحاب الدخول المنخفضة، والدخول دون المتوسطة، وأصحاب المشروعات غير المرخصة أو غير الرسمية، أصبح هناك احتياج لتضمين هذه المشروعات ودمج أموال هؤلاء الأفراد وأصحاب الأنشطة في النظام الأساسي.
الأمر الذي أتاح الفرصة لتعديل التشريعات، وصدرت قوانين تسمح لهذه المؤسسات المالية بالتعاون مع البنوك أو بدونها، وفقًا للمحددات الخاصة بكل دولة، بتلقي الإيداعات وتوفير أوعية ادخارية لهؤلاء الأفراد، وهو ما ساهم في تحقيق الاستدامة المالية لهذه المؤسسات، وتقليل اعتمادها على القطاع المصرفي أو الهبات الخارجية والدول المانحة، إلى جانب تعظيم الشمول المالي وإدراج هؤلاء الأفراد وأصحاب الأنشطة في هذه القطاعات.
هل نحن مستعدون لهذه الخطوة حاليًا؟ ليس لكل الشركات.
وهل القطاع بأكمله جاهز لهذا المنتج؟ لقد اتجهت بعض الدول إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات المصرفية، خاصة البنوك، وشركات التمويل لطرح أوعية ادخارية مشتركة، الأمر الذي أسفر عن خفض التكلفة الاستثمارية وتكلفة العائد، وبالتالي تقليل التكلفة على العميل، مما أدى إلى مستويات أعلى من الشمول المالي وتضمين مالي واجتماعي مستقبلي لهؤلاء العملاء، هذه هي النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية، فنحن بحاجة اليوم إلى التوسع في استخدام التكنولوجيا المالية في هذا القطاع، والسعي وراء إصدار قرارات سريعة، والسماح باستخدام التكنولوجيا في المنتجات، دون التخوف من المخاطر المرتبطة بالمنتجات التكنولوجية، ولا سيما في منتجات التمويل الفائق الصغر (Nano-lending) أو الائتمان الصغر (Micro-credit).
وأود أن أتوجه بالشكر مجددًا للهيئة العامة للرقابة المالية، في ظل وجود الدكتور إسلام عزام سابقًا وحاليًا، كنائب لرئيس الهيئة، ثم رئيس للهيئة، وكذلك الدكتور محمد فريد، حيث إنني لمست تطورًا كبيرًا للغاية في مجال التكنولوجيا المالية (FinTech) والسماح باستخدامها، ولكننا كقطاع خاص نطمح في المزيد.
رضوى إبراهيم: شكرًا لك.
عمرو أبو العزم: شكرًا لكِ.
أحمد رضوان: أتوجّه بالشكر الجزيل لحضراتكم، لقد تشرفنا بوجودكم، ما زال لدينا الكثير من الأسئلة ولكننا..
رضوى إبراهيم: لا نريد أن نطيل عليكم.
أحمد رضوان: كل الشكر للأستاذ شريف سامي، والأستاذ عمرو أبو العزم، والأستاذ حاتم سمير. وإلى لقاء آخر من صالون «حابي»، شكرًا لكم.










