د. محمود محيي الدين يكتب.. هذا العالم… «مرة أخرى»

بقلم د. محمود محيي الدين الخبير الاقتصادي المصري نقلا عن الشرق الأوسط _ من لم يقرأ إعلان وفاة «النظام» العالمي، الموروث ممَّا خلفته الحرب العالمية الثانية عن عمر ناهز 80 عاماً، في مقالي السابق فليطلع على النَّعي الصَّادر للنظام الراحل في «دافوس 2026». وكانَ من أبرز النعاة مارك كارني، رئيس وزراء كندا، الذي حشد خبرته كاقتصادي حاذق لحصر مكتسبات بلده من النظام الراحل كإحدى البلدان المتقدمة.

فقد نعمت هذه البلدان بما يُطلق عليه «النظام الدولي المبني على قواعد»، فشاركت في مؤسساته المتعددة الأطراف وساندت مبادئها وتمتعت بما وفرته من حماية لمصالحها السياسية والاقتصادية. لم يمنع ذلك كارني من الإقرار بأن قصة النظام المنقضي، التي وصفها بالجميلة، كانت معيبة جزئياً. فالأقوياء استطاعوا استثناء أنفسهم من القواعد كلما رأوا ذلك أكثر راحة لهم. كما أن القواعد كانت تطبق بانتقائية، على خلفية من هو الجاني ومن الضحية.

E-Bank

على الرغم من إدراك مثالب النظام، إذا صح وصفه بالنظام أصلاً، فقد كان له قبول على علّاته، ومن أهمها الهيمنة الأمريكية، فيما يشبه الصفقة المانعة للوقوع في «لحظة» من لحظات كيندلبرغر. وهي تنسب للاقتصادي الأمريكي تشارلز كيندلبرغر، أحد مهندسي «مشروع مارشال» الشهير لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ أكد أن الانتعاش المرجو للاقتصاد العالمي يتطلب قيادة تضمن استقراراً أمنياً. وبالتالي، فلحظة كيندلبرغر هي تلك التي تفشل فيها القوة المهيمنة في توفير المنافع العامة للنظام الدولي كالأمن المشترك وفض المنازعات، وتأمين مسارات التجارة، وتحقيق الاستقرار المالي، والتعامل مع أزماته. فهذه الصفقة كانت لها مزاياها الموصوفة، ولكنها تعطلت مع تمزق أوصال النظام. فحلَّت بالعالم صدمات ومربكات منذ الأزمة المالية العالمية، وبعدها الجائحة، وتزايدت المخاطر الجيوسياسية، وتدهور المناخ، وعادت الحمائية التجارية، وتعقدت سبل الاستثمارات وتسوية المعاملات النقدية بعد تسييسها وتسليحها.

فإذا كان سقوط النظام القديم مما يُرثى له في نظر كبار منتفعيه مثل كندا، فالمستضعفون سيعتبرونه مما لا يُرثى له بحال. وكيف لهم رثاؤه ومستويات معيشتهم في تدنٍ واقتصاداتهم في تباعد عن قاطفي ثمار النظام الدانية والبعيدة معاً. ولتطلع على ما ينبئك به تقرير البنك الدولي عن الآفاق الاقتصادية العالمية؛ فالأداء لا يساند تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي ستصل خط نهايتها مع حلول عام 2030. فمنذ عام 2020، تراجعت متوسطات معدلات النمو بما لا يسمح بتخفيض مستويات الفقر، أو زيادة الفرص للباحثين عن عمل. ومعدلات النمو المتدنية الحالية، لن تفلح في تخفيض الفقر، على عكس ما حدث من انتشال لما يقترب من مليار إنسان من هوة الفقر المدقع في مرحلة النمو المرتفع.

وينسب البنك الدولي أكثر من نصف معدلات النمو المتحققة في متوسطات الدخول منذ الجائحة في عام 2019، والتي تبلغ زيادتها 10 في المائة، إلى أداء الدول الأغنى. وبنهاية عام 2026 سيكون متوسط دخل الفرد في البلدان النامية نحو 6500 دولار، بما يعادل 12 في المائة فقط من متوسط الدخل في البلدان الأعلى دخلاً، بينما متوسط دخل الفرد في البلدان الأقل دخلاً، الذي يبلغ 700 دولار، لن يتجاوز 1 في المائة من متوسطات الدخل في البلدان المتقدمة.

لا شك أنه قد دار بخاطر المستمعين إلى حديث كارني من قادة عالم الجنوب كلمات ترددها بعض الأغاني العربية من نوع «أخيراً قالها»، أو «فات الميعاد». أخيراً قالها إذن، ليس أي شاهد من البلدان الغنية، بل ممثل كندا أحد الفاعلين في مجموعة السبع الكبرى، وليس مجموعة الـ77 الممثلة للبلدان النامية، بأن النظام المنقضي سقط لأنه افتقد العدالة وكفاءة؛ وهي من الشكاوى القديمة للدول الأفقر. فلطالما اشتكت بلدان الجنوب، ولعشرات السنين، من افتقاد التوازن في المعاملات وخطورة الكيل بمكيالين، فجاءتها الردود من سدنة النظام المنصرم بتعدد في المكاييل والمزيد من تعقيدها.

تابعنا على | Linkedin | instagram

لقد عجَّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنهاية نظام، بدأ في السقوط، في تقديري، بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية لما يقترب من عقدين. فلم يؤسس ترامب لحمائية قديمة أو جديدة. ولكن أساليب المربكات الترمبية تجعل أمريكا اليوم أكثر وضوحاً، فرئيسها يُظهر ما كان يبطنه آخرون؛ فلتتابع حالة فنزويلا وأن الغرض منها هو النفط وليس الديمقراطية أو بناء الأمم، أو شعارات غيرها غلفت بها كوارث تدخّل وعدوان سابقة. كما هو يُظهر بأسلوب الصفقات أكثر مما يبطن في أحوال كثيرة، ولتتابع حالة غرينلاند، فهو لم يحتلها ولم يغرم غرماءه الأوروبيين المعادين لمنهجه بشأنها بتعريفة عقابية، ولكن صار له ما أراد من سيطرة.

مع سقوط «النظام» الدولي تلوح فرص كبرى للقوى الصاعدة وليس الوسطى فقط، على النحو الذي ناقشته في مقال بعنوان «فن الممكن وفرص القوى الصاعدة» نشرته هذه الصحيفة الغراء في شهر مارس الماضي. وهذه الفرص تكمن في التجمعات الإقليمية الجديدة على طريقة تجمع «آسيان»، بأن تستشعر دول الجوار أنه لا قيام لها إلا معاً كجمع متسق، يلتزم بمعايير منضبطة، لا استثناءات فيها، للعدالة والأمن وتيسير المعاملات وتسوية المنازعات، ويتحرك كجسد واحد في تعاون دولي متكافئ الفرص مع الجديرين به من خارج التجمع. كما تكمن هذه الفرص بإتقان فن الممكن لتوطيد الأركان لدولة قوية بسياسات مرنة. كما لن يستقيم شأن هذا التجمع إلا بتوطين التنمية من أجل عموم الناس. فمن هنا نبدأ في عالم شديد التغير.

الرابط المختصر