د. محمد معيط في صالون حابي.. اقتصاد مصر في مكانة أقوى بعد عبور التحدي الراهن.. الجزء الأول
صندوق النقد أشاد بالتعامل المصري مع تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية
في واحد من لقاءاته المميزة، استضاف صالون حابي، الدكتور محمد معيط المدير التنفيذي بصندوق النقد الدولي، وزير مالية مصر السابق، في حوار موسع، مزج بين قراءة وتحليل الوضع الاقتصادي الراهن المحلي والإقليمي والدولي، وبين تقديم شهادة عن الفترة التي حمل خلالها د. معيط حقيبة وزارة المالية المصرية، بما فيها من تحديات واصلاحات.

ناقش اللقاء عدد كبير من المحاور منها، نظرة د. معيط لتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على مصر والمنطقة والاقتصاد الدولي، وتوقعاته لشكل الاقتصاد بعد الحرب، بجانب رصد ما سبق هذه الفترة من صدمات أخرى منها الرسوم الأمريكية والحرب الروسية الأوكرانية وحرب غزة وموجة التضخم العالمية وكورونا.
وألقى اللقاء الضوء على تجارب مصر مع صندوق النقد الدولي ورحلتها مع الإصلاح الاقتصادي في السنوات العشر الأخيرة، واللحظات المضيئة والصعبة في هذه الرحلة، بجانب نظرة د. معيط إلى ملف الديون بشقيه المحلي والخارجي، وأسلوب التعامل معه.
أدار اللقاء أحمد رضوان رئيس التحرير والرئيس التنفيذي لجريدة حابي، وياسمين منير مدير التحرير والشريك المؤسس لجريدة حابي، ورضوى إبراهيم مدير التحرير والشريك المؤسس لجريدة حابي، وإلى تفاصيل اللقاء.
أحمد رضوان: أهلًا وسهلًا بحضراتكم في لقاء جديد من صالون حابي.
ضيفنا اليوم هو أحد الشخصيات الاقتصادية التي نتعز بتمثيلها لمصر في أحد المؤسسات الدولية الكبيرة، فضلًا عن أنه واحدًا من أصدقاء جريدة حابي، والذي دعمنا بمشاركته في مختلف فعاليات الجريدة منذ نشأتها وكان له حضور قوي على صفحاتها، وهذا دعم كبير للجريدة، سنظل نقدره إلى الأبد.
ضيفنا اليوم هو الدكتور محمد معيط، المدير التنفيذي بصندوق النقد الدولي، وزير مالية مصر السابق، والذي نستضيفه للتعرف على رؤيته في هذه اللحظة الحساسة من عمر الاقتصاد المحلي والإقليمي والدولي، والاستفادة منها على كل المستويات بقدر المستطاع.
أُجدد الترحيب بكم دكتور معيط، ونتمنى دوام حضوركم القوي معنا في كل مراحل مسيرة تقدمكم، كما نتمنى دوام متابعتك وسماع نصائحك لجريدة حابي طوال الوقت.

د. محمد معيط: سعيد جدًّا بتواجدي معكم، ودائمًا ما كنت أسعد بحضوري لقاءاتكم وأنشطتكم.
كنت أتمنى حضور مؤتمراتكم خلال العامين الماضيين ولكن لم يجانبي الحظ لدواعي وجودي خارج مصر، لكن أنتم مجموعة أعتز بها جدًّا، وكنت أرى دائمًا أنكم سلكتم الطريق الصحيح من البداية، لتتوج مسيرتكم ببناء سمعة طيبة، ومصدر موثوق للاطلاع والتعرف على الأخبار الاقتصادية من خلال جريدة حابي.
أُحييكم وأتمنى لكم الاستمرارية والحفاظ على المكانة التي وصلتم إليها مع تدعيمها بصورة أكبر. كل التوفيق لفريق العمل وأتمنى لكم المزيد من التوفيق.
رضوى إبراهيم: شهادة نعتز بها يا دكتور.
أحمد رضوان: أُرحب بزميلتي رضوى إبراهيم وزميلتي ياسمين منير، ونبدأ هذا اللقاء.
دعنا في البداية نحاول تقديم صورة سريعة عن قراءة الدكتور محمد معيط لواقع الاقتصاد الدولي في هذه اللحظة الحرجة، خاصةً أن هذه اللحظة لم تأتِ من العدم، فقد سبقها فترات متعاقبة من الظروف الصعبة والتحديات غير العادية.
ومثلما تحدثنا قبل هذا اللقاء، فحتى لو انتهت الحرب اليوم فالثمن الذي ستدفعه الاقتصادات سيستمر لفترة ليست بالقصيرة. ما هي قراءتك للواقع الآن؟
الصدمة الأخيرة جاءت بعد سلسلة متعاقبة من الأزمات
د. محمد معيط: للأسف الشديد الأزمة الحالية جاءت بعد فترة من الأزمات المتعاقبة، التي بدأت من جائحة كورونا، ثم الموجة التضخمية، ثم الحرب الروسية الأكرانية، ثم حرب غزة، هذا بالإضافة إلى الأزمة المرتبطة بالتعريفات الجمركية الأمريكية مما ألقى بظلال كبيرة على الاقتصاد والتجارة.
الاقتصاد العالمي تلقى صدمات متلاحقة ما أضعف فرص تعافيه
فالاقتصاد العالمي لم يتعافَ، ليتلقى صدمة وراء الصدمة، وأعتقد أن الصدمة الأخيرة ستكون عنيفة لأن آثارها ممتدة حتى لو الحرب انتهت اليوم، خاصة مع عدم وجود مؤشرات على انتهائها.
الآثار الاقتصادية ستكون عنيفة حتى لو انتهت الحرب اليوم
وفي الواقع، أرى خطورة تبعات الصدمة الأخيرة لأن من رحم هذه الأزمة سيتشكل اقتصاد عالمي جديد، وسنرى أن ما يحدث الآن ستكون له آثار واسعة المدى في إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية العالمية، نظرًا لأن هناك مناطق كثيرة في العالم ستدفع ثمنًا باهظًا لهذه الأزمة، على نحو يؤثر على مستويات معيشتها وأوضاعها الاقتصادية.
وبالتالي سنتحول من وضع لم يكن جيدًا إلى وضع سيكون أصعب خلال الفترة القادمة.
استبعاد عودة العالم إلى ما كان عليه قبل الأزمة والمؤشرات الاقتصادية قاتمة
ولذلك من المستبعد عودة العالم إلى ما كان عليه قبل هذه الفترة، وللأسف الشديد هناك مؤشرات كثيرة قاتمة تُرجح تنامي التضخم واحتمالات عودة السياسات النقدية التشددية واختناق التجارة العالمية.
الدول النامية ستدفع ثمنًا أكبر لتأثرها بارتفاعات أسعار الطاقة
وللأسف مثلما نرى الدول النامية والدول ذات الدخل المنخفض والهشة ستدفع ثمنًا أكبر في هذه الأزمة نتيجة تأثرها بارتفاعات أسعار الطاقة، بجانب الآثار المتعلقة بإمدادات الطاقة نفسها، والآثار السلبية على عملاتها المحلية وبالتالي كل هذه العوامل ستمارس ضغوطًا متزايدة على الوضع الداخلي لهذه الدول.
ظهور خلل كبير في موازين مدفوعات عدد من الدول
أما البعض الآخر من الدول، فقد بدأ يظهر خلل كبير في موازين مدفوعاتها، وهو ما سيؤثر على مستويات المعيشة والفقر.
الحرب زجت بنحو 30 مليون مواطن إلى دائرة الفقر
في سياق متصل، هناك خبر منشور عن الأمم المتحدة يُشير إلى أن هناك نحو 30 مليون مواطن في العالم زجت بهم هذه الحرب إلى دائرة الفقر.
الاقتصادات القوية ستستطيع الصمود لفترة أطول
إذن فالتبعات مستمرة، في حين أن الاقتصادات القوية ستستطيع الصمود لفترة أطول قدر الإمكان بفعل امتلاكها المحفزات الداعمة للصمود.
صعوبة بالغة في تعافي الاقتصادات التي لم تستطع امتصاص الصدمة
الاقتصادات التي لم تستطِع امتصاص هذه الصدمة ستجد صعوبة بالغة في مدة التعافي وستتحمل فاتورة أعباء ضخمة، أما الاقتصادات التي ستتعامل مع تبعات الأزمة الحالية بجدارة فستنجو وتخرج من هذه الصدمة أقوى. هذا بالنسبة للوضع العالمي.
ياسمين منير: ما هو تقييمك لحدود تأثير هذه التداعيات على الاقتصاد المصري، خاصةً بعد انتهاج مصر برامج الإصلاح الاقتصادي منذ فترة طويلة؟
الاقتصاد المصري لم يكن ذا حظ جيد
د. محمد معيط: لا أعرف إذا كان يتفق معي أو يختلف حول الرأي القائل بأن الاقتصاد المصري لم يكن ذا حظ جيد، لأن بعد مرحلة الإصلاح الأولى (2016-2019) وبدء تعافي الاقتصاد بالفعل وسلوكه اتجاها أفضل، جاءت جائحة كورونا وتأثيراتها التي امتدت لعامين.
كورونا أدت إلى تآكل تدريجي في مكاسب برنامج الإصلاح الاقتصادي
في الواقع «كورونا» أدت إلى تآكل تدريجي في المكاسب والمساحات التي كانت متاحة خلال هذين العامين، ليخرج الاقتصاد المصري في صورة أضعف مما كان عليه قبل كورونا.
الصدمات العالمية المتلاحقة ألحقت أضرارًا بالغة بالاقتصاد المصري
وبالتالي عندما جاءت الموجة التضخمية العالمية ألقت بظلالها القاتمة على الاقتصاد المصري وألحقت به أضرارًا بالغة، وما تلاها من تبعات الحرب الروسية الأوكرانية، فكل هذه التبعات شكلت صدمات قوية.
الفترة من 2022 إلى 2024 كانت الأشد صعوبة في عمر اقتصاد مصر
وأرى جواز فرضية قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص صدمة كورونا بعد برنامج الإصلاح الاقتصادي، إلا أن تعاقب الأزمات بعد الجائحة وقف حائلًا أمام تحقيق ذلك، لتأتي بعد كورونا الموجة التضخمية العالمية ثم صدمة الحرب الروسية الأوكرانية، لتلحقها التبعات والآثار الناجمة عن هذه الأزمات ليعيش الاقتصاد المصري عامين أعتبرهما الأشد صعوبة (مارس 2022 إلى مارس 2024).
الاستقرار عامل حاسم في تقييم مناخ الاستثمار
وبالتوازي دخلت مصر بعد ذلك في برنامج إصلاح اقتصادي لتتجه المؤشرات الكلية بعدها في اتجاه إيجابي، لتأتي الحرب الحالية وبالرغم من أن الاقتصاد المصري كان متأثرًا سلبًا بحرب غزة وهو ما انعكس على إيرادات قناة السويس بجانب موارد متعددة أخرى، لأن الاستقرار عامل حاسم في أي بلد لتأثيره المباشر على مناخ الاستثمار.
رغم حساسية موقع مصر من حرب غزة إلا أنها تعاملت مع التحديات بكفاءة عالية
وبالرغم من حساسية قرب موقع مصر من منطقة الحرب والقلق، إلا أنها استطاعت التعامل مع هذه التحديات بكفاءة عالية وقتها، ولكن أرى أن تبعات هذه الموجة ستكون «صعبة وشديدة».
أتخيل أن الإجراءات المتخذة والتي أشاد بها صندوق النقد، تعني أن مصر استطاعت التحرك بشكل سريع ونفذت إجراءات استباقية للتعامل مع الصدمة ولم تنتظر طويلًا.
بالطبع هذه الإجراءات صاحبها آلام وآثار على مستوى المعيشة، لكن في الوقت نفسه أحيانًا تضطرين لأخذ الدواء بسرعة قبل ما يصاب جسمك بالضعف، أما الوضع الحالي فيُنذر بأن حتى لو أخذت الدواء سريعًا فلن يؤتي ثماره بنتيجة سريعة، ولذلك أتمنى عدم إطالة أمد هذه الأزمة.
التضخم المستورد سيضاعف درجة تأثر الاقتصاد المحلي
وفي الوقت نفسه، أرى حتى هذه اللحظة قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص هذه الصدمة والتعامل معها، لكن في حال استمرار ارتفاع سعر برميل البترول البالغ حاليًا 106 – 107 دولارات، إلى أي مدى ستتحمل اقتصاديات الدول هذه الأسعار؟
إشكالية سعر الغاز الطبيعي، وتكاليف الشحن، واضطراب الإمدادات والتجارة العالمية ونقص الخامات، فضلًا عن بداية تحرك التضخم في كثير من دول العالم، بالتوازي مع تسرب ضغوط الأثر الواقع على طبيعة تعامل مصر في نظم التجارة مع العالم، وبالتالي التضخم المستورد سيلقي بظلاله على مصر بجانب إجراءاتها الحمائية، وهو ما يضاعف درجة تأثر الاقتصاد المحلي.
إذا لم تنتهِ الصدمة لن تنجح الإجراءات المؤقتة في التعامل معها
القضية الكبيرة محل حديث الجميع، قد تستطيع الإجراءات المؤقتة التعامل مع هذه الصدمة؟ شريطة وقف وانتهاء هذه الصدمة. إذا لم تنتهِ هذه الصدمة، لن تنجح الإجراءات المؤقتة حتى في التعامل مع الصدمة والحد منها.

رضوى إبراهيم: فلنفترض أن هذه الحروب خارجة عن إرادة أي دولة تضررت منها بالفعل، حتى الدول المتناحرة نفسها، فدعنا نفترض أن هذا الوضع الحالي ربما سيستمر. ما هي طبيعة الإجراءات الأخرى الواجب اتخاذها بخلاف الخطوات المتخذة والتي تمت الإشادة بها، لضمان صمود الاقتصاد المصري في هذه الأزمة؟
د. محمد معيط: هذا السؤال يستدعي طرح سؤال آخر حول الأمد الزمني للوضع الحالي؟ وإلى أي حد سيصل مداه وما هو حجم تأثيره؟ وإلى أين سيمتد جغرافيًّا؟
في حال تأزم الأمور بشكل أكبر قد تتبع البنوك المركزية سياسات نقدية تشددية
فكل هذه الأسئلة يتم طرحها للوقوف على السياسات التي من الممكن أن تتعامل الدول من خلالها.
هناك نصائح يتم توجيهها للبنوك المركزية في العالم خلال المرحلة الحالية، بالبعد عن الاتجاه لتطبيق سياسات نقدية تشددية، ولكن لو الأمور تأزمت بشكل أكبر قد نرى أن البنوك المركزية في العالم في سبيل الحفاظ على نوع من الاستقرار أو تقليل الآثار، ستبدأ التحول إلى سياسات نقدية تشددية، فهذا هو الأمر الأول.
الأمر الثاني يتعلق بالسياسات المالية، حيث إن هناك دولًا تمتلك مساحة كافية تستطيع استخدامها في الوضع الراهن، وينصح باستخدام هذه المساحة بطريقة الرشد إلى حد ما بقدر الإمكان.
العمل بفقه الأولويات وفقًا لمقتضيات المرحلة الحالية أمر ضروري
أما في حال عدم امتلاك الدول الأخرى لهذه المساحة، تبدأ تفعيل العمل بفقه الأولويات وفقًا لمقتضيات المرحلة الحالية.
رضوى إبراهيم: هل تقصد مثل قيود الاستيراد على سبيل المثال؟
د. محمد معيط: لم أتحدث عن أمثلة.
رضوى إبراهيم: دعنا نذكر أمثلة تم استخدامها في أزمات سابقة.
السياسات المالية الرشيدة أحد المرتكزات الأساسية
د. محمد معيط: انتبهي إلى أنه عندما أعلنت الدولة عن تأجيل عدد من المشروعات القومية مع التركيز على استثمارات محددة ضمن الإجراءات المتخذة، فهذا الأمر يندرج تحت فقه الأولويات.
فبالتأكيد اتخاذ إجراءات ترشيدية في أمور متعددة سواء الطاقة أو فاتورة الاستيراد فهذه هي عملية فقة الألويات، وهذه الإجراءات تعتبر حجر الزاوية في مجال السياسات المالية.
أمر آخر، دعيني أقول لكِ إنه لا بد أن يتعاون العالم في تقليل الآثار الناتجة عن الصدمة الأخيرة.
رضوى إبراهيم: بمعنى؟
دعوات ملحة لتعزيز التعاون الإقليمي تحت ضغوط تأثر الملاحية العالمية باختناق المنطقة
د. محمد معيط: هناك دعوات للمكاشفة على مدى إمكانية تعاون دول المنطقة في تقليل الآثار الاقتصادية في ظل تأثر المنطقة بتبعات الصدمة الأخيرة، وبمعنى آخر إذا كانت هناك دول تعاني من نقص في أمر محدد، في المقابل هناك دول أخرى تمتلك الإتاحة المطلوبة لتعزيز سبل التعاون.
أحمد رضوان: في أشكال المقايضة أو مبادلة العملات.
د. محمد معيط: نستخدم كل السبل المتاحة خاصةً أننا في ظروف استثنائية وما إلى ذلك.
ضرورة لعب المؤسسات المالية الإقليمية دورًا أكبر في مساعدة الدول الأكثر تأثرًا
وفي سياق موازٍ، من الممكن أن تلعب المؤسسات المالية الإقليمية دورًا مؤثرًا، مثلما حدث وقت جائحة كورونا، حيث قامت المؤسسات الإقليمية في إفريقيا مثل بنك التصدير والاستيراد الإفريقي وبنك التنمية الإفريقي، بتمويل عمليات شراء اللقاحات، ولذلك يتعين أن تلعب هذه المؤسسات دورًا أكبر في مساعدة الدول الأكثر تأثرًا نتيجة هذه الحرب.
سأذكر هنا مثالًا لإحدى الدول مع عدم ذكرها اسمها، ولكن هذه الدولة تعتمد على السياحة كمصدر رئيسي في دخلها القومي، وكانت تمر حركتها السياحية عبر مطارين في منطقة الخليج، فضلًا عن مرور المكونات المطلوبة للسياحة عبر هذين المطارين، وعند تعطل حركة هذه المطارات، نتج عنها تضرر أهم قطاع اقتصادي في هذا البلد على نحو واسع، بجانب شدة تأثر اقتصاده سلبًا، علمًا بأنه ليس طرفًا في هذه الحرب ولا تربطه علاقة بالحرب أو المنطقة، ولكن العملية أصبحت متداخلة لدرجة كبيرة جدًّا، تصل إلى أن التأثيرات لن تنال من دول المنطقة فقط وإنما ستلقي بظلالها على دول العالم أجمع.
التأثيرات لن تنال من المنطقة فقط وإنما ستلقي بظلالها على العالم أجمع
ولذلك هناك دعوات ملحة لتعزيز التعاون الإقليمي في هذه المرحلة لتأثر المجال الملاحي العالمي باختناق المنطقة.
أحمد رضوان: أود الحديث عن السياسة المالية باستفاضة أكبر، على أن نستدعي من ذاكرتنا ما حدث وقت جائحة كورونا وبداية الحرب الروسية الأوكرانية، وما يذكره القطاع الخاص في هذه الفترات حول حاجته للكثير من المبادرات المرتبطة بالتمويل المميز أو الحوافز الضريبية.
هل ترى اتسام القطاع الخاص في الاقتصاد المصري بالفاعلية، فبالتالي يجب أن تنظر الحكومة للقطاع الخاص مباشرةً، أم أنها تفعل ما يجب أن تفعله، ثم تنظر لبرامج الحماية الاجتماعية بشكل مباشر بغض النظر عن الاستثمار وما يحتاج إليه المستثمرون؟
القطاع الخاص هو المسؤول عن دفع عجلة النمو وتحقيق الاستدامة
د. محمد معيط: القطاع الخاص عنصر مهم في تشكيلة الاقتصاد، بل إنه يعتبر أهم عنصر مسؤول عن دفع عجلة النمو وتحقيق الاستدامة وخلق فرص عمل، بجانب دوره الفعّال في زيادة موارد الدولة من الضرائب وخلافه.
ليس هناك خلاف على هذا الأمر بل بالعكس، فالقطاع الخاص يمتلك قدرة أكبر على التعامل مع الصدمات والتغيرات والتطورات الطارئة، وسأذكر هنا مثالًا على ذلك: الذكاء الاصطناعي بات حديث العالم كله مع تسليط الضوء على أهمية التحرك سريعًا في هذا الإطار، هذا بالإضافة إلى أن جزءًا كبيرًا من النمو المسجّل في أمريكا يعود إلى الذكاء الاصطناعي ودوره الفعّال في زيادة الإنتاجية.
ولذلك سأطرح هنا سؤالًا: من المسؤول عن تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي ونشر استخدامها؟ ومن الذي يمتلك المرونة المطلوبة للتعامل مع التحديات؟ الإجابة: القطاع الخاص مدعومًا بقدرته على الاستثمار، فالقطاع الخاص هو الأسرع وهو من يمتلك المرونة الأكبر. وبناءً عليه فالجميع متفق على ذلك ولا نختلف فيه.
ضرورة وضع سياسات داعمة تستطيع التعامل مع العيوب
في الواقع الضرورة تقتضي تفاعل الحكومة مع القطاع الخاص بجانب تهيئة البيئة الاستثمارية على نحو أفضل وتوفير مبادرات وتحسين مناخ الاستثمار، فهذه العملية مستمرة وديناميكية نظرًا لتجدد التحديات.
إذن فالقدرة على التعامل مع التحديات والتحاور من أجل وضع الأسس الواجبة للتغلب عليها وحلها، فهذا أمر أصيل لا يستدعي النقاش حوله.
إنما السؤال الذي ذكرته هو: من أين نبدأ؟ هل برامج الحماية الاجتماعية أم دعم القطاع الخاص؟
من وجهة نظري، أرى أن الحركة الموازية هي الأمر الأمثل، لأن أي سياسات تتمتع بمزايا وعيوب، ولذلك يتعين أن يكون هناك سياسات داعمة تستطيع التعامل مع العيوب.
معالجة آثار برامج الإصلاح على مستوى مختلف طبقات الشعب
بمعنى أن أي برنامج إصلاح اقتصادي يصاحبه آلام، في حين أن الناس دائمًا ما تتساءل عن: لماذا لم ينتهِ هذا البرنامج؟ لأن الناس تقيسه بمقدار أثره على مستوى معيشتها.
وللتغلب على هذا الأمر يتعين عند وضع برامج الحماية الاجتماعية النظر إلى سبل التعامل مع الآثار الناجمة عن الإصلاح الاقتصادي على مستوى مختلف طبقات الشعب المتأثرة سلبًا.

رضوى إبراهيم: لو لم يتم اتخاذ القطاع الخاص في الحسبان، ستُبدد قيمة حزم الحماية الاجتماعية لأن القطاع الخاص الذي لا يمتلك عاطفة سيسرح العمالة في النهاية، وهو ما يضعنا أمام أزمة أخرى.
د. محمد معيط: قولًا واحدًا أرى أن برامج الإصلاح الاقتصادي تؤثر على الطبقة المتوسطة أيضًا سلبًا.
وأستدعي هنا أحد الأحاديث الدائرة داخل صندوق النقد الدولي، حيث ألقيت الضوء على انحسار الحديث عن برامج الحماية الاجتماعية على الطبقات الأكثر احتياجًا فقط، في حين أن الطبقة المتوسطة تتأثر سلبًا أيضًا بل وبالعكس قد تكون الآثار الناجمة عن الإصلاح أعنف عليها وما إلى ذلك، فلا بد عند تصميم برامج الحماية بحث سبل دعم كل هذه الطبقات.
قد تكون الآثار الناجمة عن الإصلاح أعنف على الطبقة المتوسطة
بالطبع وجهات النظر التي تقول إن برامج الإصلاح تدفع الاقتصاد للنمو، وهو ما يخلق فرص عمل ويحسّن منظومة الأجور، وحينها تتحقق الاستفادة للطبقة المتوسطة، بجانب تخصيص أموال للطبقات ذات الدخل المنخفض.
التحرك الحكومي وفق نطاق متوازٍ بين برامج الحماية ودعم القطاع الخاص هو الأفضل
ولذلك أرى أن التحرك الحكومي وفق نطاق متوازٍ بين برامج الحماية ودعم القطاع الخاص هو الأفضل.
ولكن في النهاية نعود إلى سؤال السياسات المالية، أرى أن الدولة لن تستطيع دعم الطبقات الفقيرة واتخاذ سياسات داعمة للطبقات المتوسطة وتحسين مستوى المعيشة والحفاظ عليها، إلا في حالة امتلاكها قدرات مالية تُساعدها على تنفيذ برامج الحماية، على أن تتولد هذه القدرات من اقتصاد ينمو ويولد موارد مستدامة.
دعم الطبقات الفقيرة واتخاذ سياسات داعمة للمتوسطة لن يتحقق إلا بالإتاحات المالية المستدامة
أُنبه هنا إلى أمر، تاريخ مصر يقول إنه من الممكن أن يحقق الاقتصاد معدلات نمو تقترب من 6% وقد تتجاوز هذه النسبة ومن ثم يسجل الاقتصاد مسارًا نزوليًّا، وأرى أنه هناك حاجة للحفاظ على استدامة النمو سواء كان 5-6-7%.
الحفاظ على استدامة معدلات النمو أولوية قصوى
أحمد رضوان: سنتطرق بصورة أكبر إلى الملف الخاص بالاستدامة، وصلابة الاقتصاد في مواجهة الأزمات، حيث إن البعض قد يكون رأى أن هناك هشاشة وتأثرًا يتجاوز الحد دائمًا في التعامل مع الأزمات.
ياسمين منير: كنت أرغب في التطرق إلى أمر ما في ذلك الإطار، وهو المعادلة المرتبطة بدعم القطاع الخاص، فنحن نتحدث منذ وقت طويل للغاية عن سياسة ملكية الدولة، والطروحات الحكومية، باعتبار أن ذلك يعد جزءًا من إتاحة مجال أكبر للقطاع الخاص وتوسيع الاعتماد عليه، ماذا عن تقديركم في ظل الظروف الراهنة، فنحن نرى أن هناك تحركات سريعة في قيد شركات جديدة، وإضافة كيانات لبرنامج الطروحات الحكومية، لذا استنادًا إلى توليكم هذا الملف في السابق، في تقديركم، هل ترى أن الظروف الاقتصادية الحالية تشجع على استئناف برنامج الطروحات الحكومية والإسراع به بهدف توفير الموارد وإتاحة المجال للقطاع الخاص؟ أم ترى أنه على العكس من ذلك، فهو قد يؤثر علينا فيما يتعلق بكفاءة إدارة البرنامج والوصول إلى تقييمات جيدة أو تحقيق المستهدفات المرجوة؟
المشهد الحالي يُظهر الرغبة في التحرك بملف الطروحات وسياسة ملكية الدولة
د. محمد معيط: أود أن أقول لكم أمرًا، وهو أن المشهد الحالي يظهر وجود رغبة في التحرك في ملف الطروحات، وكذلك ملف سياسة ملكية الدولة، ولكن هنا تجدر الإشارة إلى أنه في عدة مرات، عند الاتجاه للتحرك، يتم اتخاذ وضع ما، علمًا بأن هذا الوضع يأتي نتيجة عدة أمور، منها أن تكون القيمة المناسبة لهذا الطرح تعادل 10 على سبيل المثال، ومن ثم يأتي هذا الوضع، فنجد من يقول إنها لا يمكن تقييمها مقابل 10، فهذه القيمة غير مناسبة، أو يأتي في ظل هذا الوضع من يقول إننا يجب أن ننتظر ونترقب ما سيحدث.
رضوى إبراهيم: هذا صحيح.
د. محمد معيط: قبل اتخاذ القرار.
ياسمين منير: هذا صحيح.
أحمد رضوان: أو أنها حاليًا تعادل 5.
د. محمد معيط: هل اتضحت الصورة لديكم؟
ياسمين منير: نحن في ذلك الوضع منذ سنوات.
د. محمد معيط: أود أن أقول لكم أمرًا بمنتهى الأمانة، وهو أنه في ظل الظروف التي نشهدها حاليًا، أي مستثمر يحتاج أن يعرف متى سينتهي ذلك الوضع؟ وكذلك إلى أين ستصل الأوضاع؟

العالم يشهد تصاعدًا في حالة عدم اليقين.. لم يعد وضعًا مؤقتًا بل مستمر
الحالة التي يشهدها العالم بأسره.
رضوى إبراهيم: العلم عند الله.
د. محمد معيط: الحالة التي يشهدها العالم بأسره، هي تصاعد لحالة عدم اليقين، فقد أصبح هناك أمران يجب على من يقوم بالتخطيط أن يضعهما بعين الاعتبار، أولهما أن عدم اليقين لم يعد وضعًا مؤقتًا، أو أمرًا سينتهي، بل أصبح وضعًا مستمرًّا.
أحمد رضوان: وإن انتهى سيأتي أمر آخر خلفًا له.
د. محمد معيط: كما ذكرت لكم، أن هناك حالة من عدم اليقين، بعض النظر عن السبب في ذلك، حيث تسود حالة من عدم اليقين في السياسات، وكذا في المنازعات الحربية، وغير الحربية، أو العسكرية.
توقعت حدوث صدمة منذ عدة أشهر
والشق الثاني يتمثل في أن هذه لا تعتبر آخر صدمة، فقد كنت في لقاء منذ عدة أشهر، وقلت حينها إن هناك صدمة قادمة، ولكن توقيتها غير معلوم.
أحمد رضوان: ولكنني لن أنصدم.
رضوى إبراهيم: كنت تشعر بذلك.
د. محمد معيط: أقسم بالله العظيم، إنني قلت لهم آنذاك، إن هناك صدمة قادمة، ولكننا لا نعلم توقيتها، ولا ماهيتها.
رضوى إبراهيم: إنه بالتأكيد سيكون هناك أمر ما.
د. محمد معيط: والجميع يقول هذه العبارة، إنه بالتأكيد هناك صدمات أخرى قادمة، ولكن نحن لا نعلم متى سيحدث ذلك، ولا ماهية هذه الصدمات، ولكن من المؤكد أن هناك صدمات قادمة، لذا لا بد من التخطيط استنادًا إلى هذا الأساس.
أود العودة مرة أخرى لإحدى النقاط، وهي أنني أعذر من استعد لخطوة الطرح وتأهب لها، وكان لديه حالة من الوضوح في هذا الإطار، وكان على وشك الانتهاء من الأمر، ثم بشكل مفاجئ يتوقف كل شيء، ويقال “دعونا ننتظر ونرى» “Let’s wait and see”.
أحمد رضوان: لننتظر ونرى.
لا توجد فرصة للتخطيط ولا لالتقاط الأنفاس
د. محمد معيط: وبخلاف هذا، يوجد جانب آخر يتمثل في عدم القدرة على إيجاد فرصة للتخطيط على مدى زمني أطول، حيث إنه منذ 2020، وحتى عام 2026، فقد كنت في أحد اجتماعات الربيع، وكنت أقول لهم “كنا مجتمعين هكذا خلال العام الماضي أيضًا، فهل تعلمون ما الذي كنا نتحدث عنه أم لا؟» فقد قلت لهم هذا، وسألتهم «هل تعرفون ما الذي كنا نتحدث عنه؟ وما المشكلة التي كانت تواجهنا خلال العام الماضي في اجتماعات الربيع؟ فقد كنا نتحدث عن التعريفات الجمركية الأمريكية.
أحمد رضوان: التي فرضها دونالد ترامب.
رضوى إبراهيم: أمريكا والصين.
هناك صدمات أخرى قادمة.. لا بد من التخطيط استنادًا إلى ذلك
د. محمد معيط: الرئيس الأمريكي، وإلى أي مدى أسفرت عن تعطيل التجارة العالمية؟ وما الذي أدت إليه؟
وقلت لهم «نحن بعد مرور عام من ذلك، مجتمعون للتناقش حول الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها وآثارها”.
ياسمين منير: لا توجد تجارة.
د. محمد معيط: كما قلت لهم «وفي العام القادم، إذا امتد بنا العمر، واجتمعنا سنجد أمرًا آخر.”
أحمد رضوان: سنرى ما الذي سيقوم به دونالد ترامب.
د. محمد معيط: لذا لا توجد فرصة للتخطيط ولا لالتقاط الأنفاس، هل تدركون ذلك؟
فقبل ذلك بعام كانت حرب غزة، وقبل عام آخر كانت الحرب الأوكرانية، مما يعكس عدم وجود الفرصة التي تجعل المستثمر يتمكن اتخاذ القرار المناسب.

ياسمين منير: واستنادًا إلى ذلك، هل ترى أنه من الأفضل إرجاء ملف الطروحات أم تنفيذه بغض النظر عن النتائج نظرًا لكون الهدف أهم؟
إيجاد فرصة للتحرك في برنامج الطروحات خلال الظروف الراهنة سيمثل خطوة إيجابية
د. محمد معيط: إذا تمكن متخذ القرار من إيجاد الفرصة التي يراها مناسبة للتحرك خلال هذه الفترة، فمن المؤكد أن ذلك سيكون بالنسبة له أمرًا إيجابيًّا للغاية، حيث إنه في مثل هذه الظروف تمكن من الوصول إلى مرحلة التحرك، ولكنه إن لم يجد ذلك..
ياسمين منير: نتفهم موقفه.
د. محمد معيط: بالطبع، من الأفضل أن ينتظر، إنما ستكون خطوة إيجابية مضاعفة، إذا تمكن في ظل هذه الظروف من التحرك، لأن ذلك سيعيدنا إلى الجانب المتعلق بمن يتحلى بصلابة أكبر ونفس أطول وقدرة أكبر على المتابعة خلال الفترة الحالية، فكلما تم استخدام أدوات، سيكون هناك فرصة..
أحمد رضوان: موارد.
الضغوط الحالية مضاعفة نتيجة الحرب وتداعياتها ومداها الزمني غير المعلوم
د. محمد معيط: وأدوات وموارد تساعد على الصمود لفترة أطول، فهذا يعد أمرًا مهمًّا للغاية في هذه المرحلة، لأن الضغوط في تلك المرحلة تتسم بكونها مضاعفة، حيث أنها ستكون مضاعفة نتيجة الحرب، وتداعياتها، كما أنها ستكون مضاعفة أيضًا في ظل المدى الزمني غير المعلوم للحرب، والآثار الناجمة عنها، وإذا اتسع نطاقها الجغرافي إلى مدى أكبر لا قدر الله.
رضوى إبراهيم: نود العودة لاستكمال إحدى النقاط يا دكتور، ما الدروس التي كان من المفترض الاستفادة منها أو تعلمها من تعاملنا خلال الأزمات السابقة مع الملف الخاص ببرنامج الطروحات الحكومية؟
طالما هناك حاجة إلى موارد، حتى نتمكن من الصمود في مثل هذه الأزمات، دعونا نفكر سويًّا، ما الذي أوقفناه في السابق؟ فإن كان التقييم يساوي 8 على سبيل المثال، وقد أسفرت الأزمة عن وصوله إلى قيمة تعادل 5، فنحن لم نره مرة أخرى يرتفع ليصل إلى 10، بعد انتهاء الأزمة، خلال المراحل الانتقالية التي نشهدها بين الأزمة والأخرى، حيث دائمًا ما نجد التقييمات تتجه نحو الأقل.
فقد تأثر تقييم الأصول على مستوى العالم بأسره، فما الذي يمكن أن تقوم الحكومة به هذه المرة وتتعلم منه؟ لا سيما أن الحلول الأخيرة التي قامت بها عندما قامت بإرجاء برنامج الطروحات بشكله الطبيعي أن يُطرح في البورصة للجميع، كان التعامل مع صناديق سيادية عربية، حتى يتم حل الأزمات من خلال توفير موارد، وهو ما كنا مضطرين للقيام به بشكل فوري.
هذه الدول التي اتجهت للاستثمار في مصر، والتي يرى البعض أنها قامت بالوقوف إلى جانبنا، فلكل شخص أن يراها من وجهة نظره، تلك الدول تعد داخل الأزمة الحالية، فما الذي يمكن القيام به حتى يتسنى لنا الحصول على نتائج مختلفة؟
د. محمد معيط: أود الإشارة مرة أخرى إلى أن هذا الأمر لا يتوقف على رغبتك فقط.
رضوى إبراهيم: بالتأكيد.
د. محمد معيط: فهي تشمل طرفين، فإذا كان لديكم الرغبة في ظل المعطيات التي قمت بذكرها، هل ترين أن الطرف الثاني مستعد لذلك؟
رضوى إبراهيم: أليس من الممكن أن أقوم بتشجيعه؟
د. محمد معيط: جيد، يجب الأخذ بعين الاعتبار أن تشجيع ذلك الطرف له حدود، علمًا بأن تجاوز هذه الحدود سيضعكم في وضع غير جيد.
ياسمين منير: هذا صحيح.
د. محمد معيط: لذا عليكم المحاولة في تحقيق التوازن.
رضوى إبراهيم: ما الذي تعنيه بتجاوز الحدود الذي سيجعلني في موضع غير جيد؟

ضرورة تحقيق التوازن بين كل الأطراف لاتخاذ القرار المناسب
د. محمد معيط: سأقول لكم أمرًا، سنفترض أنكِ تملكين سيارة، تودين طرحها للبيع، وعليه قمتِ بإخبار الأسرة أنك تعتزمين بيع تلك السيارة، علمًا بأن قيمة تلك السيارة في الوضع الطبيعي تقدر بنحو 10 قروش على سبيل المثال، وقد طرأت ظروف أسفرت عن أن 10 قروش لم يصبحوا..
أحمد رضوان: لم تأتِ.
د. محمد معيط: لم يقم أحد بعرضها، وعليه تقولين لهم، إنكِ في حاجة إلى إعادة النظر إلى تلك القيمة مرة أخرى، وفي هذا الإطار، إذا اتخذتِ قرارًا بذلك، ستجدين هناك تساؤلًا حول الحد الذي ترينه منطقيًّا، أو قد تلجئين إلى الانتظار لبعض الوقت، وهذا أحد الجوانب.
أما الجانب الآخر فهو متمثل في أن هذه السيارة قد لا تكون ملكًا لكِ بشكل منفرد، بل هي مملوكة للأسرة بأكملها، ومن ثم يكون جميع أفراد الأسرة شركاء في صناعة القرار، وحينها لا يجوز اتخاذ قرار منفرد، وإلا سيتم محاسبتك، لأنها ليست ملكية خاصة.
إنجاز الأعمال ووجود جاهزية للتحرك في ملف الطروحات.. أمر مؤكد
لذا يجب على متخذ القرار أن يأخذ بعين الاعتبار الكثير من الأمور، لأنه في النهاية يقوم بذلك لتحقيق الصالح العام، وعليه يجب الاستمرار في هذا الإطار.
النقطة التي تتحدثين عنها هي أنك تقصدين أن ما أقوله يعني استمرار ذلك الوضع إلى ما لا نهاية، وهنا أقول: بالطبع لا، فلم أقصد ذلك أبدا، والدليل على ذلك، أنني أقول إن الرغبة كانت موجودة قبل هذه الأزمة، ولازالت موجودة، وهذا أمر مؤكد.
رضوى إبراهيم: كيف يمكن أن نقرر ذلك دون اختبار؟ فنحن لا يجب أن نقوم إما بتشغيل البرنامج بكامل طاقته أو تعطيله بشكل كامل، لماذا لا نقوم ببعض الطروحات ومن ثم يتم القياس عليها؟
د. محمد معيط: أود الإشارة إلى أنه هناك عملًا تم إنجازه في هذا الإطار، كما أنني متأكد من أنه كان هناك جاهزية للتحرك في الملف، وكان من الممكن في ظروف أخرى، إن لم تشتعل هذه الحرب، أن نشهد ما تتحدثين عنه، وهو أن تبدأ بعض الطروحات في التحرك والخروج إلى النور، وأعتقد أنه قد تم الإعلان عن أسماء شركات بالفعل.
رضوى إبراهيم: هناك الكثير من عمليات القيد المؤقت تمت.
د. محمد معيط: لذا أود التأكيد على أن الرغبة موجودة، كما أن التخطيط موجود، وأيضًا الإنجاز، وكما ذكرتِ، فإن المشترين إذا كانوا من المنطقة، فهم قد يقومون بمراجعة قرارهم في ظل الظروف الراهنة، حيث يأخذون بعين الاعتبار الأوضاع الحالية.
وفي الوقت ذاته، نحن نرغب أن يتم إتمام هذه العملية بطريقة سليمة، حتى لا يعود أحد ليقول لكِ «ما الذي قمتِ بفعله؟».
رضوى إبراهيم: لم لا يتم إتاحة الفرصة للمستثمر المحلي، كما حدث في السياحة، فهناك وقت عندما تأثرت السياحة الخارجية بشكل كبير، تم الاستفادة من السياحة الداخلية.
لا يوجد ما يمنع إتاحة الفرصة للمستثمر المحلي
د. محمد معيط: أود أن أقول شيئًا، وهو أنه ليس هناك ما يمنع من إتاحة الفرصة للمستثمر المحلي، فعلى العكس من ذلك، تم القيام ببعض الأمور، وإتاحة فرص، ويمكن الاستمرار في ذلك، ومنح الفرصة للمستثمر المحلي، علما بأنه لدينا الكثير من المستثمرين المحليين من المؤسسات والأفراد أمامهم فرص، ولكننا في النهاية نرغب في التنويع، كما نتطلع لزيادة الحصيلة من النقد الأجنبي، لذا يجب تحقيق التوازن في هذا الأمر، سواء كان الهدف هو الطرح بغض النظر عن الجوانب الأخرى، أو كان الهدف يكمن في الطرح بالتعظيم والاستفادة القصوى وتحقيق الأهداف الرئيسية من هذه العملية، لذا فإن هذا الأمر..
رضوى إبراهيم: مُعقد.
أحمد رضوان: تفاصيله كثيرة.
د. محمد معيط: فمن وجهة نظري، عندما نضع أيدينا على هذا الأمر، ونستوعبه ونرى التحديات الخاصة به، فإن ذلك يمنحنا صورة تُظهر أن الأمر لا يقتصر على اتخاذ قرار وتنفيذه.
رضوى إبراهيم: ليس بالسهولة التي نراها عند النظر من الخارج.
د. محمد معيط: لا.

أحمد رضوان: أودّ العودة إلى فكرة الاستدامة وصلابة الاقتصادات، ولا أقصد هنا الاقتصاد المصري تحديدًا بل الاقتصادات عمومًا. بحكم خبرة حضرتك ووفقًا لمعايير صندوق النقد الدولي، ما هي مواصفات الدولة التي يمكن تصنيفها على أنها دولة صلبة في مواجهة الأزمات الاقتصادية المختلفة؟ هل هي الدول التي تمتلك فوائض ضخمة أو موارد سيادية مثل النفط؟ أم الدول منخفضة الديون؟ أم تلك التي لديها قطاع خاص نشط للغاية دون تدخل حكومي في قطاع الأعمال؟ ما هي السمات التي تجعل دولة ما أكثر قدرة على الصمود في مواجهة ما نمر به من أزمات عالمية دون أن تضطر لاتخاذ إجراءات عاجلة خلال فترة قصيرة «أسبوع» لمواجهة الأزمات التي واجهتها؟
نتطلع للتنويع وزيادة الحصيلة من النقد الأجنبي
د. محمد معيط: من وجهة نظري، يجب أن يكون لدى الدولة اقتصاد متنوع (Diversified Economy)، بحيث لا يعتمد هذا الاقتصاد على قطاع واحد فقط؛ فقد أثبتت الأزمة الاقتصادية الناتجة عن اندلاع حرب إيران، أن امتلاك أي دولة لمصدر واحد من أغنى الموارد؛ فإن هذا المصدر لا يضمن حماية الاقتصاد من التداعيات المحتملة لهذه الأزمة.
أحمد رضوان: حتى لو كانت الدولة تمتلك، مثلًا، أكبر بئر غاز طبيعي في العالم.
الاقتصاد المصري كبير ومتنوع ويمتلك إمكانات مختلفة هي السياحة والتصدير وتحويلات المصريين وقناة السويس
د. محمد معيط: أرى أن الاقتصاد المصري كبير ومتنوع، ويمتلك إمكانات متعددة، تشمل قطاع السياحة، والتصدير، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، بالإضافة إلى قناة السويس.
أحمد رضوان: لكن الاقتصاد المصري يواجه مشكلات هيكلية.
د. محمد معيط: بالفعل، تواجه مصر تحديات هيكلية وإنتاجية. على سبيل المثال، فاتورة الاستيراد السنوية كبيرة، وكذلك الالتزامات، مقارنة بما يمتلكه الاقتصاد من موارد، وبالتالي، أرى أن هذا الخلل يمثل نقطة مهمة؛ لأنه عند التعرض لأي أزمة اقتصادية، يكون حجم التأثير أو الألم الناتج عنها كبيرًا.
أحمد رضوان: نود من حضرتك ترتيب النقاط الخاصة بمقومات الاقتصاد الصلب في مواجهة التحديات. ذكرتم أن أولها هو تنوع الاقتصاد. ماذا عن وضع الديون الخارجية لدى هذه الاقتصادات؟
مصر تمتلك مساحات على المستويين النقدي والمالي لمواجهة أي صدمة
د. محمد معيط: فيما يتعلق بنقطة وضع الديون الخارجية، أريد القول إن مصر تمتلك مساحات كافية على المستويين النقدي والمالي لمواجهة الصدمات التي قد تحدث، واستيعاب الأزمات الناتجة عنها؛ فعلى سبيل المثال، في عام 2022، عندما واجهنا مشكلة كبيرة في الاحتياطي النقدي، عانينا لمدة عامين معاناة كبيرة للغاية. ولكن بعد إعادة بناء الاحتياطي، أصبحنا أكثر قدرة على مواجهة الأزمة التي واجهها الاقتصاد العالمي مؤخرًا. وإذا نظرنا إلى الفترة التي تلت اندلاع حرب إيران، ورغم مرور ما يقرب من شهرين، وخروج الأموال الساخنة، وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والنفط، لا يزال الاقتصاد المصري يحاول التعامل ومواجهة الصدمة التي خلفتها الحرب.
رضوى إبراهيم: أصبحت الدولة قادرة على اتخاذ قرارات لمواجهة الأزمات الناتجة عن الحرب.
د.محمد معيط: أرى أن هذا الأمر يرجع إلى امتلاك الدولة لإمكانات مختلفة مكنتها من التفاعل مع هذه الأزمة الاقتصادية، إلى جانب مرونة الاقتصاد التي تعد عنصر هام يتيح القدرة على التعامل مع جميع التحديات.
كما أن الموازنة العامة للدولة كانت تحتوي على مساحة مالية كافية مكنت الحكومة من إدارة الأزمة الناتجة عن حرب إيران، حيث ارتفع سعر برميل النفط بعد اندلاع الأزمة إلى حوالي 107 دولارات مقارنة بما يتراوح بين 65 إلى 70 دولارًا قبلها، وهو ما أثر على الموازنة العامة، ومن هنا تبرز أهمية هذه المساحة المالية التي ساعدت الحكومة على امتصاص هذه الزيادة لتجاوز الأزمة.
إمكانات الاقتصاد المتنوع والاحتياطات النقدية المتوفرة والحيز المالي الكافي عززت مرونة التعامل مع الأزمات
وبالتالي، تمتلك مصر إمكانات الاقتصاد المتنوع، إلى جانب توافر الاحتياطيات النقدية الأجنبية، والحيز المالي الكافي، وهو ما عزز مرونتها في التعامل مع الأزمات، وأود التأكيد مجددًا على أن النمو الاقتصادي الذي شهدته مصر يجعلها قادرة على الاستمرار وسط هذه الأزمات، بخلاف الاقتصادات الأخرى التي قد تعتمد على قطاع واحد وتكون أكثر عرضة للصدمات.
أما فيما يتعلق بمسألة الديون الخارجية التي ذكرتها سابقًا.
أحمد رضوان: قبل الانتقال للحديث عن مسألة الديون الخارجية، والتي قد يتناولها أحد الزملاء لاحقًا، أود الحديث عن نقطة محددة. عندما تحدثت حضرتك عن قدرتنا على الصمود مقارنة بالأزمة الاقتصادية التي شهدها عام 2002، بمن تقصد “نحن”؟ هل تشير إلى المؤشرات الكلية للحكومة، أم إلى المواطن الذي يشتري بالأسواق ويشعر بأثر الزيادة في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه (التي تراوحت بين 5 إلى 6 جنيهات)، وكذلك ارتفاع أسعار الوقود، وحالة الركود في بعض الأسواق وإغلاق المحال مبكرًا؟ من المقصود بكلمة»نحن»؟
د.محمد معيط: سأطرح هنا نقطة، ومن الممكن ما سأقوله قد لا يلقى قبولًا لدى البعض.
أحمد رضوان: من الممكن خلال فترة تولي حضرتك حقيبة وزارة المالية أنه كانت هناك انتقادات كثيرة، ولكن هذا لا ينفي أنه عندما تتحدث حضرتك فإن حديثك يحظى بثقة الجمهور ويُنظر إليه باعتباره حديثًا واقعيًّا.

أكبر تحد قد يواجه الاقتصاد هو عدم القدرة على تدبير احتياجات المواطنين
د.محمد معيط: من وجهة نظري، أكبر تحدٍّ قد تواجهه مصر هو عدم القدرة على توفير الوقود بشكل كافٍ، بحيث يضطر المواطنون للاستيقاظ مبكرًا والاصطفاف أمام محطات الوقود، وقد لا يحصل الجميع على احتياجاتهم نظرًا لعدم كفاية الكميات الموجودة بالمحطات، ما يضطر البعض لترك سياراتهم حتى اليوم التالي.
أحمد رضوان: ولكن هذا سيناريو شديد السوء للأزمة.
د.محمد معيط: بالفعل، لكن هناك فارق بين ارتفاع الأسعار والوقود متاح، وبين عدم توفره. في الحالة الأولى، يتكيف المواطن ويتعامل مع زيادة السعر عبر تقليل الاستهلاك أو عدد مرات تحركه بالسيارة، أما في الحالة الثانية، فالأمر يختلف حيث تقول الدولة إنها عاجزة عن تدبير احتياجات الأسواق من النفط.
أحمد رضوان: هل يمكن أن نصل إلى مرحلة عدم القدرة على تدبير احتياجات السوق من الوقود حتى في وسط الأزمات الاقتصادية الكبيرة؟
د.محمد معيط: إذا عدنا إلى الأزمات التي مرت بها البلاد عامي 2012 و2013، سنجد صورًا لحشود المواطنين وقتها أمام محطات الوقود.
أحمد رضوان: هل كان ذلك للحصول على أنابيب البوتاجاز؟
ياسمين منير: بل للحصول على البنزين والسولار.
د.محمد معيط: بالفعل، كان المواطنون في عامي 2012 و 2013 يصطفون منذ الفجر أمام المحطات للحصول على الوقود.
رضوى إبراهيم: خلال هذه الفترة استمرت أزمة تدبير احتياجات السولار لفترة أكبر.
أولوية إتاحة السلع لدى المواطنين بالأسواق تأتي في المرتبة الأولى تليها قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية
د.محمد معيط: وأيضًا البنزين، الاثنان كانت هناك معاناة أمام المواطنين في تدبير احتياجاتهم منهما، وهناك نقطة أخرى أود إضافتها في هذا السياق، وهي بالعودة لعام 2008 نجد أن هذا العام شهد أزمة في توفير احتياجات القمح، ولذا تم عمل أكشاك وقامت الجهات السيادية بالمساعدة في توفير رغيف الخبز، وهذا التحدي كان قد حصل نتيجة لعدم كفاية الكميات التي كانت تستوردها الدولة في هذا الوقت من القمح لسد احتياجات الدقيق لدى المخابز، وكانت تكفي فقط احتياجات عدد محدود من المواطنين.
رضوى إبراهيم: من وجهة نظر حضرتك يا دكتور، أيهما أشد تأثيرًا على الاقتصاد.. ألا يجد المواطن السلعة أم كما ضربت حضرتك مثالًا بالقمح سأضرب مثالًا أيضًا بالقمح الذي حصلت عليه مصر بسعر مرتفع وقت بدء اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية ثم انخفض سعره لاحقًا؟
د.محمد معيط: الأخطر هو اهتزاز الثقة في القدرة الاقتصادية.
رضوى إبراهيم: هل ما تقصده حضرتك هو أن يتحمل المواطن تكلفة أعلى، أفضل من اهتزاز الثقة في الدولة؟
الصدمات المتتالية منذ 2020 وما صاحبها من إجراءات اضطرت الدولة لاتخاذها أثرت على المواطنين
د.محمد معيط: وجود السلعة حتى مع ارتفاع سعرها يختلف جذريًّا عن عدم توافرها. على سبيل المثال، إذا ارتفع سعر الدواء في الصيدليات من 50 إلى 70 جنيهًا لكنه متاح، فهذا أفضل من عدم وجوده في الأساس، ولا يستطيع المواطن تدبير احتياجاته من هذا الدواء في النهاية.
بالتالي، تأتي أولوية إتاحة السلع لدى المواطنين في الأسواق في المرتبة الأولى، تليها في المرتبة الثانية قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية. وفي هذا السياق، هل تتذكرون المشكلة التي واجهتها مصر سابقًا وهي عدم قدرة الشركات الأجنبية العاملة محليًا على تحويل أرباحها للخارج، وكانت نتيجة هذا الأمر هو عدم وجود استثمارات أجنبية في السوق لحين حل هذه المشكلة التي أثرت في قرار الاستثمار الأجنبي بالبلاد وقتها.
وقد عانت مصر من هذا الأمر وقت تراكم المستحقات بالمليارات لصالح الشركات الأجنبية العاملة في قطاع البترول نتيجة عدم دفع مستحقاتهم. وعند حدوث الأزمات، من الضروري أن تعمل الدولة على تخفيف آثارها على المواطنين، وسأعطى لحضرتك الدليل على ذلك.. على سبيل المثال، شهد عام 2016 إصلاحات اقتصادية مؤلمة عانى على إثرها المواطنون؛ حيث أدت إلى ارتفاع التضخم إلى أكثر ما بين 36% إلى 37%، ثم بدأت الأوضاع وقتها تتحسن تدريجيًّا في عام 2018 ثم تحسنت بصورة أفضل في عام 2019، واستمر هذا الوضع حتى جاءت جائحة كورونا.
لو لم يكن لدى مصر الحيز المالي الكافي خلال فترة كورونا لم تكن لتتجاوز الأزمة أو تديرها
وخلال فترة الجائحة، ساعد امتلاك مصر للحيز المالي الكافي ساعد الدولة على إدارة الأزمة دون تأثير كبير على توفر السلع أو شعور الناس بتأثيرها على حياتهم اليومية، وهذا الأمر لم يأت من فراغ.
رضوى إبراهيم: بالفعل.
د.محمد معيط: في عام 2020، توقفت قطاعات السياحة والطيران والنقل البحري وقناة السويس نتيجة الجائحة، وهذا يعني انخفاض حجم الموارد المالية للبلاد من هذه القطاعات، وبالتالي لو لم يكن لدى مصر الحيز أو المساحة المالية الكافية خلال هذه الفترة الزمنية لم تكن لتتجاوز الأزمة أو تديرها.

ياسمين منير: لكن ألا ترى أن طول الفترة الزمنية التي تتعاقب فيها أزمات اقتصادية كثيرة أدت إلى أن القدرة الشرائية لدى المواطنين -حتى لو صمدت فترة من الزمن- لم تعد تمتلك المساحة المالية الكافية التي تحدثت عنها حضرتك سابقًا، ولم تعد هذه المساحة الموجودة لدى الدولة، موجودة لدى المواطن.. أقصد أن هذه الأزمات المتعاقبة أدت إلى تآكل مدخراته.
د.محمد معيط: بدون أدنى شك.. هذه الصدمات المتتالية منذ عام 2020، وما صاحبها من إجراءات اضطرت الدولة لاتخاذها، أثرت على مستوى معيشة المواطنين، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، وللأسف الشديد لا تعد الدولة محظوظة لأنها لم تتح لها الفرصة الكافية لاتخاذ إجراءات وسياسات لتعويض المواطنين عن آثار كل أزمة تحدث، إذ سرعان ما تتبعها صدمة جديدة تضطر الدولة على إثرها لاتخاذ سياسات أشد من السياسات السابقة ومؤلمة بصورة أكثر على المواطنين لأنه لم تمر سنتان أو أكثر استطاعت خلالهما الدولة التقاط نفسها وبناء رصيد اقتصادي جيد.
فعلى سبيل المثال، بعد انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي الأول مع صندوق النقد في 2019 وبدء ظهور مؤشرات تحسن في معدل نمو الاقتصاد، جاءت جائحة كورونا في 2020، ثم تبعتها موجة تضخمية في نهاية العام نفسه، وهنا لم تجد الدولة أي فرصة لالتقاط الأنفاس، حتى فترة حرب غزة تأثرنا أيضًا.
ياسمين منير: كانت الدولة خلال هذه الفترة تحت ضغط كبير، حتى وإن لم تكن متأثرة بشكل مباشر بالحرب. ولدي استفسار آخر، أعود فيه لما طرحه أحمد رضوان حول إشكالية الدين، خاصة قبل الوصول لحرب إيران وما تبعها من أزمة كبيرة. كان ملف الدين، سواء الخارجي أو الداخلي، من أكثر الملفات المتفجرة، وكذلك أساليب التعامل معه، في ظل وجود خطة حكومية لتخفيض الآجال. من وجهة نظر حضرتك، كيف يمكن التعامل مع ملف الدين في ضوء تداعيات هذه الأزمة بما يحقق الاستدامة والصلابة التي تحدثت عنها سابقًا؟
د.محمد معيط: الدين يتكوّن عبر مسارين: الأول هو وجود فجوة في ميزان المدفوعات، ما يضطر الدول للاقتراض بالعملة الأجنبية لسد هذه الفجوة، مع الحاجة لفترة زمنية للتعامل معها، ولكن للأسف الشديد لا تكون هذه الفترة متاحة.
أتفهّم موقف محافظ المركزي عندما كانت تقديرات احتياجات المواد البترولية
وأنا هنا يمكنني تفهّم موقف محافظ البنك المركزي، خاصة عندما كانت التقديرات تشير إلى أن احتياجات مصر من المواد البترولية ستكون عند سعر يتراوح بين 65 و70 دولارًا للبرميل، ثم بعد اندلاع حرب إيران ارتفع التقدير إلى ما يفوق 100 دولار، وكان عليه تدبير هذا الفارق.
أيضًا يتكوّن الدين نتيجة فجوة العجز في الموازنة العامة، والتي يتم تمويلها من خلال الاقتراض المحلي أو الأجنبي، وذلك في إطار تنسيق بين السياستين النقدية والمالية، ولتوضيح سبب تمويل هذه الفجوة يجب أن نعود إلى الوراء 50 إلى 80 سنة، نجد أن مجلس النواب كان يوافق على موازنات تتضمن عجزًا، مع التصريح لوزير المالية بتمويله عبر الاقتراض. وبالتالي بالنظر إلى هذه الموازنات، نجد أن العجز كان يتراوح بين 3% و13% من الناتج المحلي، وهو الفرق بين الإيرادات والمصروفات.
وهناك نوعان من العجز وهما: العجز الأولي، وهو الفرق بين الإيرادات والمصروفات دون احتساب فوائد الدين أو خدمته، والعجز الكلي الذي يشمل هذه الفوائد؛ فإذا كانت الإيرادات أقل من المصروفات الخاصة بالدولة ومع استبعاد خدمة الدين يكون لديها عجز أولي، ولكن بإضافة خدمة الدين للفارق بين الإيرادات والمصروفات نصل للعجز الكلي للموازنة.
استمرار تحقيق الفائض الأولي بالموازنة وتقليل التمويل الخارجي يخفضان الجزء الذي نتكبده لصالح الدين
وفي هذا السياق، ما أريد قوله إنه إذا واجهت الموازنة عجزًا أوليًّا فإن الدولة تحتاج للاقتراض لتغطية باقي مصروفاتها، ثم تقترض لتغطية فوائد الديون، وبالتالي لو أن إيرادات الدولة في موازنتها العامة تغطي مصروفاتها ففي هذه الحالة يتكون فائض “أي إن العجز الأولى تحول إلى فائض أولى»، وهنا يتم أخذ الفائض الأولي لسداد جزء من فوائد خدمة الدين.
وبالتالي بدلًا من الاقتراض مرتين سيتم الاقتراض مرة واحدة؛ حيث إن الإيرادات تغطي النفقات ويكون معها أيضًا فائض، ولذا لو تسير الدولة على هذا الطريق فإن العجز الكلي سيتخذ مسارًا نزوليًّا.
نحقق فائضًا أوليًّا منذ عام 2018 حتى العام الجاري.. والمشكلة في ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير
ونحن منذ عام 2018 نحقق فائضًا أوليًّا، ويستمر هذا الوضع حتى عام 2026، وبالتالي أين المشكلة في هذا السياق خاصة وأنه بناءً على تحقيق فائض أولى فإن إجمالي الدين يتخذ مسارًا هبوطيًّا؟
أحمد رضوان: هل المشكلة في سعر الفائدة؟
د.محمد معيط: بالضبط، المشكلة في ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير، ما دفع السياسات النقدية للتشدد؛ فبعدما كانت الزيادة في الأسعار في حدود ±10%، أصبحت تصل إلى 30%، وبالتالي ماذا سيفعل هنا الفائض الأولى الذي تحققه الدولة مع هذه النسبة المرتفعة؟
أحمد رضوان: سيتآكل الفائض الأولي يتآكل مع هذه النسبة المرتفعة.
الدولة كانت تسدد 550 مليار جنيه فوائد ديون سنويًّا.. تجاوزت 2 تريليون حاليًا نتيجة الموجة التضخمية العالمية
د.محمد معيط: بالضبط. الدولة كانت تسدد نحو 550 مليار جنيه فوائد ديون سنويًّا، والآن تجاوزت قيمتها 2 تريليون جنيه. وهذا نتيجة الموجة التضخمية العالمية العاتية التي دفعت البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة.
والتضخم من وجهة نظري هو «سرطان أي اقتصاد»، لأنه يربك الحسابات الاقتصادية للبلدان وتضطر على إثره البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة، وبالتالي انخفاض مستويات معيشة المواطنين.
وهنا بدلًا من تقليل العجز، نجده يزيد، رغم أن الدولة تحقق إيرادات تغطي مصروفاتها كما تحقق فائضًا بموازنتها العامة، لكن للأسف تكلفة خدمة الدين ترتفع.
ياسمين منير: هل تعتقد أننا سندخل على هذه المرحلة؟
د.محمد معيط: لا أعتقد ذلك، خاصة أن مشروع الموازنة المقدم لمجلس النواب هذا العام يتضمن تحقيق فائض أولي متوقع بنحو 5% من الناتج المحلي.
أحمد رضوان: لكن السؤال: ما سعر برميل النفط المقدر في هذه الموازنة؟
ارتفاع سعر الصرف يزود تكلفة خدمة الدين.. والأخطر من حجم الدين تكلفة خدمته
د.محمد معيط: لا أعلم تحديدًا، لكن وزير المالية أعلن السعر المتوقع.
ياسمين منير: وزير المالية أوضح أنه اضطر للالتزام بالأرقام المالية بشكل أو بآخر.
د.محمد معيط: عادةً ما تكون الموازنة المقدمة لمجلس النواب شاملة كل المخاطر المحتملة التي قد تؤثر على المؤشرات المالية. لكنني سأعود لنقطة مهمة، وهي كيف يتكون الدين، وسأضيف أن الأخطر من حجم الدين هو تكلفة خدمته، والدليل هو عند النظر لمستويات ديون دول مثل اليابان أو الولايات المتحدة أو بريطانيا.
أحمد رضوان: أسعار الفائدة لديهم منخفضة.
د.محمد معيط: في اليابان مثلًا، كان الدين يقترب من 260% من الناتج المحلي، وتراجع إلى نحو 230%، ومع ذلك لا يمثل الأمر قلقًا لوزير المالية هناك.
أحمد رضوان: لأن سعر الفائدة لديهم يقارب الصفر.
د.محمد معيط: بالضبط، ولو نظرنا إلى بند خدمة الدين في الموازنة العامة اليابانية، لن نجد قلقًا، بل نجد توجهًا لمشروعات تنموية تكلفتها منخفضة تصل إلى صفر لكنها تحقق إيرادات.

التضخم سرطان أي اقتصاد
لذلك عند التعامل مع ملف الدين؛ لو سيطرنا على معدل التضخم وبدأت أسعار الفائدة تنخفض كما هبطت إلى 8.25% ستنخفض خدمة الدين، ومع الاستمرار في تحقيق فائض أولي وكلما استطعنا تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي فإن هذا الأمر سيؤدي إلى خفض الجزء الذي نتكبده لصالح الدين.
وهناك عامل آخر مهم، وهو سعر الصرف. فارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه يرفع تكلفة الدين، فعلى سبيل المثال، إذا كان سعر الدولار مقدرًا في الموازنة عند 30 جنيهًا فلو تم إعادة تقييمه وارتفع إلى 50 جنيهًا، فإن ذلك قد يزيد الدين بنحو 1.6 تريليون جنيه، دون اقتراض جديد وإنما نتج عن إعادة تقييم سعر الصرف.
كما يجب التمييز بين الدين الخارجي للدولة والدين الخارجي للموازنة، فالأول يبلغ 163 مليار جنيه تقريبًا بناءً على آخر رقم قد قرأته، بينما الثاني يكون عادة في حدود ±50% من حجم الدين الخارجي للدولة عادًة.
الدين الخارجي يُقيم بنهاية السنة المالية في 30 يونيو من كل عام وفقًا لسعر صرف ذلك اليوم
ويتم تقييم الدين الخارجي في نهاية السنة المالية، في 30 يونيو من كل عام، وفقًا لسعر الصرف في ذلك اليوم.
رضوى إبراهيم: ألا يوجد تحوط؟
د.محمد معيط: يتم التقييم وفق سعر الصرف وقت إغلاق الموازنة، ولا يمكن للحكومة اتخاذ أي إجراء آخر، لأنه يعكس الوضع الفعلي الخاص بالدولة. وهنا سعر الصرف من أهم العوامل المؤثرة على الدين وخدمته، خاصة أن بند خدمة الدين يتضمن جزءًا بالعملة الأجنبية، وبالتالي فإن ارتفاع سعر الصرف يؤدي إلى زيادة تكلفة خدمة الدين.
أحمد رضوان: استراحة قصيرة ونعود بعدها إلى الجزء الثاني من حوارنا مع الدكتور محمد معيط المدير التنفيذي بصندوق النقد الدولي ووزير المالية السابق.











