مدحت نافع: مخاوف فقاعة الديون الاستهلاكية ليست مبالغة
النمو السريع للسوق يفوق معدلات نمو الدخول الحقيقية والقدرة الشرائية
ياسمين منير ورضوى إبراهيم وأمنية إبراهيم _ قال الدكتور مدحت نافع الكاتب والمحلل الاقتصادي، إن المخاوف من تكوين فقاعة ديون استهلاكية في مصر ليست مبالغًا فيها، خصوصًا مع النمو السريع لسوق التمويل الاستهلاكي بوتيرة تفوق معدلات نمو الدخول الحقيقية والإنتاجية والقدرة الشرائية، بل وتتجاوز أحيانًا سرعة تطور القدرات الرقابية وأدوات المتابعة نفسها.
وأضاف أن الائتمان الاستهلاكي ليس خطرًا في ذاته، لكنه يصبح مصدر تهديد حين يتحول إلى بديل عن الدخل الحقيقي، أو إلى وسيلة لخلق طلب مصطنع غير مدعوم بزيادة مقابلة في الإنتاج.

وأشار نافع إلى أنه كان من أوائل من حذروا بصورة مباشرة، من مخاطر التوسع في التمويل الاستهلاكي قبل دخول النشاط إلى مصر بصورته الحالية، وذلك عبر مقال نشر بعنوان «قبل أن يفاجئنا الشراء على النوتة» في مطلع عام 2018، أي قبل نمو السوق بالشكل الذي نراه اليوم، وحذر من أن هذا النمط من التمويل قد يقود ليس فقط إلى فقاعة ديون استهلاكية، بل إلى تحول اجتماعي أعمق يتمثل في إعادة إنتاج “مجتمع من الغارمين والغارمات”، حيث تصبح الاستدانة الاستهلاكية نمطًا معيشيًّا متكررًا لا حالة استثنائية.
الالتزامات تتراكم بصورة لا يدركها الأفراد إلا عند لحظة الانكشاف المالي
وأكد أن تحذيره قد استند منذ البداية إلى قراءات وتجارب مقارنة، خاصة في دول أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتين، حيث يؤدي التوسع غير المنضبط في الائتمان الاستهلاكي إلى خلق وهم بالقدرة الشرائية، بينما تتراكم الالتزامات بصورة لا يدركها الأفراد إلا عند لحظة الانكشاف المالي.
وأضاف، أن نمو الاستهلاك الممول بالديون في غياب نمو موازٍ في الإنتاج والدخول لا يؤدي إلى توسع مستدام، بل إلى تضخم وضغوط تعثر متزايدة.
ورأى نافع أن مع اتساع النقاش العام في الفترة الأخيرة، وتزايد تحذيرات عدد من الاقتصاديين والمصرفيين من نفس الظاهرة، بدا أن ما طُرح مبكرًا لم يكن استثناءً في الرؤية، بل قراءة مبكرة لمسار بدأ يتبلور تدريجيًا مع توسع السوق وتنوع أدوات التمويل الاستهلاكي.
ولفت إلى أن التمويل الاستهلاكي في اقتصاد يعاني ضعف الإنتاجية يضيف طلبًا فعليًا لا يقابله عرض كافٍ، ما يعزز الضغوط التضخمية ويزيد هشاشة ميزانيات الأسر، ويفتح في الوقت ذاته الباب أمام ارتفاع معدلات التعثر، خاصة مع تراجع القدرة الحقيقية على السداد تحت ضغط الأسعار والدخول الثابتة.
وأكد الدكتور مدحت نافع أن المخاطر تزداد حين يتم التوسع في منح التمويل بناءً على حد أدنى من المستندات، أو دون تحقق كافٍ من الدخل الحقيقي والالتزامات القائمة، وعلى الرغم من أن نموذج الأعمال يعتمد على السرعة والشمول، لكن غياب الانضباط الائتماني يحول التوسع إلى تراكم مخاطر كامنة لا تظهر إلا لاحقًا في صورة تعثرات جماعية.
ضرورة تطوير إطار رقابي أكثر صرامة لجودة الائتمان يشمل حدودًا لعبء الدين
وقال:” من هنا تأتي أهمية الاستعلام الائتماني عبر iScore كأداة مركزية لضبط التشبع الائتماني لدى الأفراد، وليس فقط تقييم المخاطر الفردية، وربما كان تدخل البنك المركزي المصري في بعض مراحل ضبط التمويل الاستهلاكي تعبيرًا عن إدراك مبكر لهذا الاتجاه”.
وتابع:” أما هيئة الرقابة المالية، فالمطلوب منها لا يقتصر على الرقابة الشكلية، بل يمتد إلى تطوير إطار أكثر صرامة لجودة الائتمان، يشمل حدودًا لعبء الدين، ومعايير إفصاح موحدة، وربطًا أدق بين منح التمويل والقدرة الفعلية على السداد، خاصة في ظل نمو يتجاوز في سرعته أحيانًا تطور أدوات الرقابة نفسها”.
ونوه نافع إلى أنه في هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة من التجارب الدولية بعد الأزمة المالية 2008، حيث أعادت المملكة المتحدة هيكلة إطارها الرقابي عبر نموذج يفصل بين إدارة المخاطر النظامية والرقابة التشغيلية، من خلال Financial Policy Committee المعني بالاستقرار المالي الكلي، إلى جانب Prudential Regulation Authority للرقابة الاحترازية، وFinancial Conduct Authority لحماية المستهلك وتنظيم سلوكيات السوق، وهو نموذج يقوم على أن إدارة المخاطر ليست وظيفة رقابية تقليدية فقط، بل بنية مؤسسية مستقلة لرصد التراكمات النظامية قبل تحولها إلى أزمات.
وفيما يتعلق بصناديق الاستثمار، لفت الدكتور مدحت نافع إلى أنه على الرغم من اختلاف طبيعتها عن التمويل الاستهلاكي، فإن القلق المشترك يرتبط بسلوك الأفراد في بيئة تضخمية مضطربة، حيث يتجه البعض إلى الاستهلاك المؤجل، بينما يتجه آخرون إلى الاستثمار السريع بحثًا عن تعويض تآكل القوة الشرائية.
وأكد أن الإشكالية تزداد مع تصاعد خطاب تسويقي لبعض الصناديق والمنصات يركز على “عوائد مرتفعة” أو “استثنائية”، مع تقليل ضمني من أهمية قراءة نشرة الاكتتاب أو فهم مكونات المحفظة ومخاطرها، وهو ما يعيد من حيث المنطق الاقتصادي العام إلى الأذهان موجات توظيف الأموال في الثمانينيات، حين كانت وعود العائد تتقدم على منطق الاستدامة، بما يقترب في بنيته الذهنية من أنماط غير مستدامة في توليد العوائد.
وقال نافع:” لا يكمن الخطر في الأداة، بل في بيئة الإفصاح والتسويق، وفي الفجوة بين سهولة الوصول إلى الاستثمار عبر المنصات، وبين مستوى فهم المخاطر المرتبطة به”.
القلق المشترك مع صناديق الاستثمار يرتبط بسلوك الأفراد في بيئة تضخمية مضطربة
وشدد على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التمويل الاستهلاكي أو صناديق الاستثمار في حد ذاتهما، بل في اختلال التوازن بين نمو الأدوات المالية ونمو الاقتصاد الحقيقي، وبين توسع الائتمان وقدرة الدخول، وبين سرعة الابتكار المالي وقدرة الرقابة على استيعابه. وكلما اختل هذا التوازن، اقترب الاقتصاد من فقاعة لا تُرى في لحظتها، لكنها تتشكل بصمت في بنية الاقتصاد حتى لحظة الانكشاف.
وأوصى مدحت نافع بضرورة ألا يتخذ الزخم المستحدث حول التمويل غير المصرفي كذريعة لفشل المنظومة أو انفجار الفقاعة تماماً كما حدث مع شركات توظيف الأموال.










