استقلالية البنوك المركزية تحت الاختبار مع تصاعد الضغوط التضخمية عالميًا
سي إن بي سي_ قال مسؤولون حاليون وسابقون إن استقلالية البنوك المركزية تواجه ضغوطًا متزايدة في ظل اضطرار صناع السياسات النقدية إلى اتخاذ إجراءات غير شعبية للحد من ارتفاع الأسعار، محذرين من أن التدخلات السياسية قد تقوض الثقة في المؤسسات النقدية وتزيد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية.
وجاءت هذه التحذيرات مع تسارع معدلات التضخم في عدد من دول العالم عقب الحرب بين إسرائيل وإيران، والتي دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع، ما أجبر العديد من البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة أو تأجيل خفضها رغم التوقعات السابقة باتخاذ مسار أكثر تيسيرًا.

وتهدف هذه الإجراءات إلى منع انتقال صدمة ارتفاع أسعار الطاقة إلى موجة تضخم أكثر استدامة داخل الاقتصادات، إلا أن تكلفتها الاقتصادية والسياسية دفعت بعض الحكومات إلى ممارسة ضغوط متزايدة على السلطات النقدية.
وحذر المسؤولون من أن أي تدخل سياسي في قرارات البنوك المركزية قد يؤدي إلى إضعاف مصداقيتها في مكافحة التضخم وتراجع ثقة الأسواق والمستثمرين، بما يزيد من صعوبة احتواء الضغوط السعرية خلال الفترة المقبلة.
صندوق النقد: الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية يصبح أكثر صعوبة عندما ترتفع معدلات التضخم
وقال هيلغه بيرغر، نائب مدير الإدارة الأوروبية في صندوق النقد الدولي، خلال مؤتمر عُقد السبت، إن الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية يصبح أكثر صعوبة عندما ترتفع معدلات التضخم وتضطر السلطات النقدية إلى اتخاذ قرارات لا تحظى بقبول شعبي.
وأضاف أن استقلالية البنوك المركزية تبدو أكثر سهولة في فترات التضخم المنخفض، لكنها تواجه اختبارات حقيقية عندما تتطلب الأوضاع الاقتصادية اتخاذ إجراءات مؤلمة للحد من ارتفاع الأسعار.
وأشار المشاركون في المؤتمر إلى أن الدعوات المتكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخفض أسعار الفائدة تمثل أحد أبرز الأمثلة على الضغوط السياسية التي تتعرض لها البنوك المركزية، مؤكدين أن هذه الضغوط لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تظهر بأشكال مختلفة في العديد من الدول.
بعض البنوك المركزية تواجه مطالب بتوجيه سياساتها النقدية لخدمة أهداف صناعية أو اقتصادية محددة
وأوضحوا أن بعض البنوك المركزية تواجه مطالب بتوجيه سياساتها النقدية لخدمة أهداف صناعية أو اقتصادية محددة، فيما تتعرض مؤسسات أخرى لضغوط لتحويل أرباحها إلى الموازنات العامة أو تحمل أهداف متعددة قد تؤثر على قدرتها في التركيز على استقرار الأسعار.
وأكد المسؤولون أن تقويض استقلالية البنوك المركزية قد يترك آثارًا طويلة الأمد، إذ تصبح استعادة الثقة والمصداقية أكثر صعوبة بعد فقدانها.
ارتفاع مستويات الدين الحكومي يمثل قيدًا غير مباشر على استقلالية البنوك المركزية
كما أشاروا إلى أن ارتفاع مستويات الدين الحكومي يمثل قيدًا غير مباشر على استقلالية البنوك المركزية، حيث يحد من قدرتها على تشديد السياسة النقدية، لأن رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم قد يؤدي إلى زيادة أعباء خدمة الدين ورفع مخاطر التعرض لأزمات مالية.
وأضافوا أن فقدان الأسواق الثقة في التزام البنوك المركزية بمكافحة التضخم يدفع المستثمرين إلى توقع سياسات نقدية أكثر تساهلًا، وهو ما يفاقم الضغوط التضخمية ويصعب السيطرة عليها.
من جانبه، قال بوركهارد بالتس، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الألماني، إن استقلالية البنوك المركزية غالبًا ما تبدو أمرًا مسلمًا به عندما تحقق أهدافها بنجاح، لكنها تصبح شديدة الصعوبة في الاستعادة بمجرد تعرضها للتآكل.
وشدد على أن السياسة النقدية تحتاج إلى الحماية من الاعتبارات السياسية قصيرة الأجل إذا كان الهدف هو الحفاظ على استقرار الأسعار وتحقيق مصداقية مستدامة.
وفي المقابل، رأى بعض المشاركين أن البنوك المركزية ساهمت جزئيًا في إضعاف مصداقيتها نتيجة بطء استجابتها لموجة التضخم العالمية خلال عامي 2021 و2022، عندما وصفت الضغوط التضخمية لفترة طويلة بأنها مؤقتة قبل أن تبدأ واحدة من أسرع دورات تشديد السياسة النقدية في التاريخ الحديث.










