البنك الدولي يرصد تداعيات تطبيق سياسة CBAM على التدفقات التجارية والاستثمارية للشرق الأوسط
توقع انكماش صادرات المنطقة نتيجة تطبيق الآلية بنحو 6.9 مليار دولار
سمر السيد _ توقع تقرير حديث صادر عن البنك الدولي أن تتأثر التدفقات التجارية والاستثمارات الأجنبية المباشرة الوافدة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان (MENAAP) بشكل مباشر بالسياسات الأوروبية والبريطانية الجديدة ضمن آلية تعديل حدود الكربون “CBAM”، نظرًا للاعتماد الكبير للمنطقة على الصادرات كثيفة الكربون.
أضاف خبراء البنك في التقرير الصادر مؤخرًا بعنوان: “المنافسة في مواجهة المخاطر المناخية.. أدلة من الشركات، وأولويات السياسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان”، أن المصدرين في المنطقة يواجهون تحديًا يتطلب التكيف ليس فقط مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، بل وأيضًا مع تغير شروط دخول الأسواق الأوروبية نتيجة لسياسات المناخ الجديدة.

المنطقة تُسهم بنحو 6.7% من الصادرات العالمية لقطاعات الألومنيوم والأسمنت والأسمدة والحديد
أشاروا إلى أن المنطقة تُسهم بنسبة 6.7% من إجمالي الصادرات العالمية لقطاعات الألومنيوم، والأسمنت، والأسمدة، والحديد والصلب، مضيفين أن أكثر من سدس صادرات المنطقة الكثيفة الكربون تتوجه إلى أسواق الاتحاد الأوروبي بنسبة (16%) مقابل (1.7%) للمملكة المتحدة، وهو الأمر الذي يجعل هذه الصادرات عرضة للتأثر المباشر بآلية (CBAM) لدي الجانبين الأوروبي والإنجليزي.
ولا يقتصر التأثير على صادرات القطاعات المذكورة سابقًا؛ بل يمتد ليطال أيضًا شركات المنطقة المندمجة في سلاسل القيمة التابعة للاتحاد الأوروبي في قطاعات مثل المنسوجات، والزراعة، والمواد الخام، وذلك بموجب متطلبات الاتحاد الصارمة والخاصة بالاستدامة، وهو ما يحد من قدرة الشركات على النفاذ في الأسواق الأوروبية.
وفي السياق ذاته، من المقرر أن تنعكس السياسات الأوروبية على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المنطقة بصورة متباينة بين البلدان نتيجة ارتفاع تكاليف التصدير إلى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.
فمن ناحية، قد تشهد الدول التي تعتمد على الصناعات الثقيلة ذات الانبعاثات العالية -مثل الصلب والألومنيوم- تراجعًا في الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوافدة إليها، نظرًا لحجم رأس المال الضخم المطلوب لخفض الانبعاثات الكربونية في هذه القطاعات المذكورة.
في المقابل، قد تتضاعف هذه الاستثمارات وتتجه نحو الاقتصادات التي تمتلك صناعات ثقيلة ذات كفاءة في استهلاك الطاقة، وتمتاز بمتطلبات أقل لخفض الكربون.
أفاد التقرير بأن مؤشر كثافة الانبعاثات التجارية (TEI) الخاص بآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM)، يشير إلى احتمال فقدان عدة دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وباكستان لقدرتها التنافسية في قطاعات حيوية تشمل الألومنيوم، والأسمنت، والأسمدة، والحديد والصلب.
ووفقًا للبيانات المتاحة حول كثافة الانبعاثات، تبرز أربع دول بالمنطقة باعتبارها الأكثر عرضة للمخاطر في هذه القطاعات، وهي الألمونيوم في مصر، والأسمنت في تونس، والأسمدة في عمان، والحديد والصلب في ليبيا.
مصر الأكثر عرضة للتأثر في قطاع الألومنيوم مع اتجاه 67% من صادراتها للاتحاد الأوروبي
لفت تقرير البنك الدولي إلى أن مصر تعد الأكثر عرضة للتأثر في قطاع الألومنيوم، حيث تتوجه 67% من صادراتها من هذا المنتج إلى الاتحاد الأوروبي، مع توقعات بتحمل مدفوعات كربونية إضافية تصل إلى 1.4% من قيمة هذه الصادرات.
فيما تأتي تونس كأكثر الدول بالمنطقة تأثرًا في قطاع الأسمنت، إذ يتدفق 38% من إجمالي صادراتها من هذا المنتج إلى أسواق أوروبا، ويواجه مصدروها مدفوعات كربونية إضافية تبلغ 6.1% من قيمة هذه الصادرات، ومن المتوقع أن تشهد خسارة بقيمة 6.1 ملايين دولار.
في المقابل، تبرز سلطنة عُمان كالأكثر عرضة للمخاطر في قطاع الأسمدة، ورغم أن 5% فقط من صادراتها من هذا المنتج تشحن إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أنها ستواجه مدفوعات كربونية إضافية تقدر بـ 22% من قيمة صادراته.
وصنف التقرير قطاع الحديد والصلب في ليبيا بالأكثر تأثرًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا وباكستان، حيث يذهب 43% من صادراتها منه إلى الاتحاد الأوروبي، وتواجه مدفوعات كربونية إضافية بنسبة 31%.
الجزائر ومصر ستواجهان رسومًا مرتفعة بقطاع الحديد والصلب نتيجة للكثافة الكربونية العالية لإنتاجهما
كما يرى التقرير أن الجزائر ومصر ستواجهان رسومًا مرتفعة بقطاع الحديد والصلب نتيجة للكثافة الكربونية العالية لإنتاجهما مقارنة بأوروبا والدول الأخرى، مما يؤدي إلى تراجع متوقع في صادراتهما من الحديد والصلب إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 68% للجزائر (خسارة 4 ملايين دولار) و78% لمصر (خسارة بـ 14 مليون دولار)، رغم صغر حصة هذا القطاع من مجمل صادراتهما.
وحذر التقرير من أن تؤدي التكاليف المرتفعة الناجمة عن شهادات آلية (CBAM) إلى إضعاف تنافسية المنتجات في الأسواق الأوروبية، مما قد يدفع الصناعات في المنطقة إما إلى البحث عن تقنيات ذات كفاءة في استهلاك الطاقة لتقليل كثافة الكربون، أو إعادة توجيه صادراتها نحو أسواق بديلة.
في المقابل، يظهر التقرير تفوقًا لبعض دول المنطقة؛ حيث سجل المغرب مؤشرًا سالبًا في كثافة الانبعاثات التجارية (CBAM TEI) بقطاعي الألومنيوم والأسمنت، الأمر الذي يؤهله لتعزيز تنافسيته في الأسواق.
ويعني هذا المؤشر السالب أن منتجات الأسمنت الأكثر تداولًا من المغرب تعد أقل كثافة في الانبعاثات الكربونية مقارنة بالمستويات المعتمدة في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمنح المصدرين المغاربة ميزة تنافسية أكبر في السوق الأوروبية.
ارتفاع مرتقب في صادرات الأسمدة المغربية لأوروبا بـ 2.2 مليار دولار والمصرية بـ 844 مليون دولار والتونسية بـ 676 مليون دولار
ورغم أن إجمالي مدفوعات الكربون على صادرات الأسمنت المغربية إلى الاتحاد الأوروبي يمثل نسبة مرتفعة من قيمة الصادرات، إذ تقترب مكافئات التعريفة الجمركية على أساس القيمة (AVEs) من 131%، لكن قيم الانبعاثات الافتراضية لمنتجات الأسمنت المغربية المصدرة إلى أوروبا تقل في الواقع عن نظيرتها المطبقة على منتجي الاتحاد الأوروبي أنفسهم، وهو ما أسفر عن تسجيل مؤشر سالب لصالح المغرب.
وتُظهر نتائج التقرير أن تداعيات تطبيق آلية CBAM على الناتج المحلي الإجمالي للبلدان ستكون سلبية في معظم البلدان لكن نسبتها ضئيلة ومحدودة نظرًا للوزن الصغير للقطاعات المتأثرة في الهيكل الاقتصادي العام للمنطقة، حيث يُتوقع أن تسجل المنطقة صافي خسارة في ناتجها بقيمة 1.4 مليار دولار (ما يمثل تراجعا بنسبة 0.1% مقارنة بما قبل العمل بالآلية)، في حين تُقدر خسائر الرفاهية بنحو 6.6 مليارات دولار.
السعودية ومصر في مقدمة دول المنطقة من حيث حجم التأثيرات الاقتصادية الكلية للآلية الأوروبية
بحسب التقرير، تأتي المملكة العربية السعودية ومصر في مقدمة دول المنطقة من حيث حجم التأثيرات الاقتصادية الكلية للآلية الأوروبية، حيث من المتوقع أن تواجه المملكة انخفاضًا في ناتجها المحلي الإجمالي بقيمة 281 مليون دولار (بتراجع نسبته 0.04%)، وخسارة في الرفاهية بقيمة 2.2 مليار دولار.
أما في جمهورية مصر العربية، يُقدر أن تشهد تراجعًا في الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 355 مليون دولار -بنسبة انخفاض 0.2%-.
في المقابل، تبرز الأردن والمغرب كدولتين مستفيدتين من زيادة جهود التخفيف من الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي وفرض آلية (CBAM)، رغم أن مكاسبهما في الناتج المحلي الإجمالي صغيرة جدًا بواقع 20 مليون دولار” 0.05%” للأردن و21 مليون دولار “ بنسبة 0.02%” للمغرب.
وتأتي هذه المكاسب مدفوعة بالتنافسية الكربونية النسبية لصادراتهما من السلع الخاضعة للآلية الاوروبية، وانخفاض مكافئات تعريفاتها الجمركية على أساس القيمة، فضلًا عن كون كلا البلدين مستوردين صافيين للوقود الأحفوري السائل.
سدس صادرات الشرق الأوسط كثيفة الكربون تتوجه لأسواق الاتحاد بنسبة 16% و1.7% للمملكة المتحدة
ويتوقع تقرير البنك الدولي أن تنكمش صادرات المنطقة إلى الاتحاد الأوروبي نتيجة الآلية بنحو 6.9 مليارات دولار، بما يمثل انخفاضًا بنسبة 4.2% مقارنة بالمسار الأساسي قبل تطبيق المنظومة.
أوضحت التوقعات أن أبرز القطاعات المستهدفة في المنطقة المقرر أن تواجه تراجعًا في صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي؛ تشمل قطاع الأسمنت (بخسارة 11 مليون دولار، أي تراجع بنسبة 60% عن صادراته قبل تطبيق الآلية)، والحديد والصلب (بتراجع قدره 26 مليون دولار، بنسبة 62%)، مضيفة أن المنتجات غير الخاضعة لآلية CBAM ستشهد هبوط يصل إلى 12.5 مليار دولار، وانخفاض في صادراتها بنسبة 8%.
ويرى التقرير أن التراجع المتوقع تسجيله في صادرات المنتجات غير الخاضعة للآلية سيتم تعويضه جزئيًا من خلال تصديرها إلى أسواق أخرى حول العالم، مضيفا أن الآلية الأوروبية تفتح فرصًا لبلدان بالمنطقة لتعزيز تنافسيتها وزيادة صادراتها.
وتأتي الإمارات في المقدمة بزيادة متوقعة في صادرات الألومنيوم الأولى تبلغ 1.2 مليار دولار (بنسبة 12% ارتفاعًا)، فضلا عن ذلك ستقفز صادرات الأسمدة في عدة بلدان بالمنطقة نحو الاتحاد الأوروبي بمقدار 4 مليارات دولار (بارتفاع نسبته 231%).
أوضح أن مصر والمغرب ستقود قفزة قطاع الأسمدة؛ إذ يُتوقع أن ترتفع صادرات الأسمدة المغربية لأوروبا بقيمة 2.2 مليار دولار- زيادة نسبتها 405%-، والمصرية بقيمة 844 مليون دولار (زيادة نسبتها123%)، تليهما تونس بزيادة 676 مليون دولار (398% ارتفاعًا).
وبحسب التقرير، تأتي مكاسب مصر والمغرب في الأسمدة بدعم من انخفاض أسعارهما الناتج عن قلة كثافة الانبعاثات في إنتاجهما مقارنة بالمتوسط الأوروبي، مضيفا أن صادرات المنطقة من الألمونيوم الثانوي ستشهد نموًا تقوده مصر بزيادة قدرها 20 مليون دولار، والسعودية بقيمة 16 مليون دولار.
جدير بالذكر أن الفرق الرئيسي بين الألومنيوم الأولي والثانوي يكمن في مصدره وطريقة إنتاجه؛ حيث يُنتج الأولي مباشرة من خام البوكسيت الطبيعي، بينما يُنتج الثانوي عن طريق إعادة تدوير خردة الألومنيوم المستعملة.
ويتوقع خبراء البنك الدولي أنه مع اتجاه بلدان المنطقة للتحول نحو أسواق بديلة لأوروبا مثل الصين، تركيا، الولايات المتحدة، والدول الآسيوية مرتفعة الدخل، فإن صادراتها الكلية للعالم لن تتراجع سوى بمقدار 1.2 مليار دولار فقط.
وبالنسبة للاستثمار الأجنبي المباشر (FDI)، أفاد التقرير أن التدفقات بدأت بالتحول استباقًا لتطبيق الآلية الأوروبية.
ورغم أن القطاعات المتأثرة بالآلية وهي (الألومنيوم، الأسمنت، الأسمدة، الحديد والصلب) تتلقى تاريخيًّا استثمارات أجنبية قليلة، إلا أن التقرير رصد تراجعًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي الأوروبي نحو قطاعي الألمونيوم والصلب بالمنطقة منذ الإعلان عن آلية CBAM، يقابله صعود في تدفقات الاستثمار الصيني.
أشار إلى أن اقتناص إمكانات هذه القطاعات على المدى القصير سيعتمد بالدرجة الأولى على الاستثمارات المحلية بالبلدان.
تراجع في تدفقات الاستثمار الأوروبي نحو قطاعي الألومنيوم والصلب بالمنطقة منذ تطبيق الآلية مقابل صعود الصيني
الجدير بالذكر أن كلا من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يكثفان جهودهما لمكافحة التغير المناخي وتعزيز التحول الأخضر عبر حزمة من السياسات أبرزها آليتي تعديل حدود الكربون الأوروبية (EU CBAM) التي دخلت حيز التنفيذ الكامل في يناير 2026، وتعديل حدود الكربون البريطانية (UK CBAM) المقرر تطبيقها في يناير 2027.
وتفرض آليتا الكربون الأوروبية والبريطانية رسومًا على صادرات بلدان المنطقة في القطاعات المتأثرة بناءً على كثافة انبعاثاتها، وهو ما يؤثر على قدرتها التنافسية في السوق الأوروبية، وتعد هذه الخطوة أمرًا بالغ الأهمية نظرًا للعلاقات التجارية الوثيقة بين هذه الأطراف، فضلًا عن اعتماد المنطقة الكبير على الصادرات الكثيفة الكربون.
التشريعات الأوروبية والبريطانية ترفع تكاليف الامتثال وتضغط على أرباح الشركات لكنها تجذب استثمارات للمشروعات منخفضة الانبعاثات
ويرى تقرير البنك الدولي أن هذه التشريعات الأوروبية والبريطانية تمثل مزيجًا من المخاطر والفرص على بلدان المنطقة؛ فهي ترفع تكاليف الامتثال، وتضغط على أرباح وحصص الشركات الصغيرة والمتوسطة ذات القدرات المحدودة، وقد تدفع بعضها لأسواق أقل جاذبية أو تتسبب في هروب الاستثمارات لمناطق أكثر التزامًا بيئيًّا.
لكنها في المقابل، تمنح فرصًا سوقية واعدة وتجذب استثمارات جديدة للشركات منخفضة الانبعاثات أو تلك المندمجة بكفاءة في سلاسل القيمة الأوروبية الملتزمة بالمعايير البيئية.









