د. محمد معيط في صالون حابي.. خريطة جديدة للاقتصاد العالمي بعد الحرب الإيرانية.. الجزء الثاني
أحمد رضوان: أهلًا وسهلًا بحضراتكم في الجزء الثاني من صالون حابي، الحوار مع الدكتور محمد معيط شيق جدًّا ونتمنى أن يكون أكثر إثارة مع الدخول إلى مزيد من التفاصيل المرتبطة بالاقتصاد المصري.. تساءلت رضوى إبراهيم عن التفاصيل المرتبطة بالدين المحلي.
رضوى إبراهيم: د. معيط بالتأكيد تابعت ما شهدته الفترة الماضية، من جدل أثاره عدد قليل من رجال الأعمال في مصر، حول ما وصل إليه حجم الدين المحلي، ورأينا مقترحات للتعامل مع ملف الدين واجهت رفضًا واسعًا.

ماذا نفعل لتحسين وضع الدين المحلي؟
د.محمد معيط: سواء كان دينًا محليًّا أو أجنبيًّا.. نتحدث عن الدين الأجنبي الخاص بالدولة ثم دين الموازنة العامة بما فيها الجزء المحلي والخارجي.
على سبيل المثال، إذا تحدثنا عن الدين الخارجي للدولة المصرية في حدود ± 163 مليار دولار، ±50% منهم داخل دين الموازنة.

في فترات معينة كان الدين الخارجي يُمثل نسبة منخفضة والغالبية العظمى للدين المحلي
بالتالي، دين الموازنة مُقسم إلى جزأين: محلي وخارجي. في فترات معينة، كان الدين الخارجي جزءًا صغيرًا، يُمثل نسبة منخفضة من دين الموازنة، والغالبية العظمى للدين المحلي.
نسبة الدين الخارجي اليوم، وأنا لا أتذكرها جيدًا، قد تكون ±30% والباقي للدين المحلي. الدين المحلي يمتلك ميزة وهو أنه ليس بالعملة الأجنبية وعيبًا، لأن عادة تكلفتة أعلى، خاصة في الفترات التي يكون فيها التضخم مرتفعًا .
إذا تحدثنا عن طريقة خفض الدين، وخاصة أن البعض يعتبر رقم الدين كقيمة مطلقة، سواء الخارجي أو المحلي، ولكن دائمًا ما يُقاس الدين كنسبة عبارة عن “الدين مقسومًا على الناتج المحلي”.
هذه النسب عندما تسجل 50% ويمكن أن تكون ±10%، تُعد في الحدود المعقولة والمقبولة، وعند ارتفاعها يمكن أن تُقبل طالما لا يوجد تضخم وأسعار فائدة عالية.
نرى دولًا إمكانيتها وقدرتها الاقتصادية كبيرة لكن تسجل نسبة مرتفعة للدين
نرى دولًا إمكانياتها وقدراتها الاقتصادية كبيرة، ولكن تسجل نسبة مرتفعة للدين من إجمالي الناتج المحلي، لأن تكلفة خدمة الدين تقترب من الصفر..
يحدث الجدل عندما يبدأ التضخم في الارتفاع بالتزامن مع زيادة الأسعار، وينعكس ذلك على الدول بالسلب بسبب معانتها من الدين.
تقليل الدين يتوقف على وجود موازنة تتسم بتراجع العجز الكلي
عملية تقليل الدين متوقفة على وجود موازنة تتسم بتراجع العجز الكلي بها، كلما انخفض الأخير يدل أن الجزء الذي يذهب إلى الدين قد يكون أقل من الشريحة المستهلكة منه، وبالتالي هنا يمكن تراجعه.
في المحور الثاني وجود نمو اقتصادي يسير سريعًا أكبر من مستوى تزايد معدل الدين، بالتالي يترتب عليه تراجع نسبه الأخير.
لن نشعر بأزمة الدين في حال كانت أسعار الفائدة منخفضة
لن نشعر بأزمة الدين في حال كانت أسعار الفائدة منخفضة، تتراوح على سبيل المثال بين 7% و 8%، عند النظر إلى خدمة الدين مقسومة على الناتج المحلي أو نسبة من الإيرادات أو المصروفات ( الموازنة كلها) نجدها قليلة، تتراوح بين 20% – 25% – 30% من الموازنة، حتى بالإيرادات 40%.
لكن عند حدوث التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، نجد أن خدمة الدين أصبحت في المعدلات الحالية التي نتحدث عنها في منطقة 60% من الإيراد، وقرب 50% من الموازنة كلها، وهذا ما يقلق ونبدأ بطرح تساؤلات عن كيفية التعامل، والسؤال الأصح يرتكز على تكلفة الدين.
السيطرة على خدمة الدين تعني إطلاق موارد الدولة
في حال السيطرة على خدمة الدين، هذا يعني إطلاق موارد الدولة بدلًا من استهلاك جزء كبير منها في خدمة الدين.
رضوى إبراهيم: لكن هذا محكوم بالتضخم وأسعار الفائدة التي تضطر السياسة النقدية للتعامل معها بسببه، ماذا غير ذلك صالح ليكون حلًّا، بما أن هذا مؤشر لا نمتلكه بأيدينا؟
أحمد رضوان: سؤال آخر، هل هناك حلول غير تقليدية لمشكلة ارتفاع الدين؟
التعامل مع الدين هو التعامل مع الاقتصاد
د.محمد معيط: من وجهة نظري، التعامل مع الدين، هو التعامل مع الاقتصاد.
بمعنى أن الاقتصاد طالما بدأت مؤشراته الكلية وتحديدًا التضخم وأسعار الفائدة في التراجع بالإضافة إلى تحقيق إيراد أكثر من المصروف، بخلاف تكلفة الدين وما يسمى بالفائض الأولي.. كل هذا معناه أن الدين سيتراجع.

أحمد رضوان: كل هذا معناه أننا نتحدث في دائرة الحلول التقليدية.
صفقة رأس الحكمة أحد الحلول الاستثنائية لخفض الدين
د. محمد معيط: الحلول الاستثنائية، كما حدث عدة مرات، وهو وجود إيراد استثنائي من صفقات بيع مثل رأس الحكمة.
أحمد رضوان: هذا يعتبر إيراد غير متكرر، وليس استثنائيًّا، فعادة هناك صفقات بيع أراضي بأرقام مختلفة، وعوائد طرح شركات وخلافه.
رضوى إبراهيم: مثل أي أرباح رأسمالية في ميزانية الشركات.
أحمد رضوان: بالضبط، ولكن لم نتحدث عن حل غير تقليدي نستطيع تنفيذه.
رضوى إبراهيم: كنت أرغب في البداية معرفة الحل من وجهة نظر د.معيط، ومن بعد الوصول إليه، نحدد وصفة إذا كان تقليديًّا أو غير تقليدي.
هل نحن بحاجة إلى حل غير تقليدي في الأساس؟
د. محمد معيط: سأطرح مثالًا، نسبة الدين لدى دولة عُمان منذ فترة قليلة، نتحدث عن أربع أو خمس سنوات تخطى مستوى الـ 60%، وعندما اتخذت خطوات عبر تبني سياسة لتنويع إيراداتها وزيادتها وعدم الاكتفاء بالإيرادات البترولية، استطاعت النزول بنسبة الدين خلال هذه الفترة القصيرة إلى مستويات الـ 30%.
هنا تم اتخاذ إجراء خاص بإدارة ملف الدين، مع الموازنة العامة للدولة وتحسين أوضاعها، صب في النهاية إلى تقليل الجزء المخصص للدين، وارتفاع الناتج المحلي.
من الممكن حتى لو قيمة حجم الدين هو نفسه أو أقل بنسبة بسيطة مع ارتفاع الناتج المحلي، تؤدي إلى انخفاض هذه النسبة على مدار السنوات القادمة.
اليوم تقييم أي مؤسسة يتم عن طريق التصنيف، يرى نزول الدين من مستوى الستينات إلى مستويات الـ 30%. ونتساءل هنا هل قام بإجراءات استثنائية؟
أبدًا.. اتخذ منهجًا يعتمد على زيادة إيراداته ونمو اقتصاده ووجود تجارة تدعمه للوصول إلى هذه المستويات، في مدة قصيره.
مصر أيضًا مرت بهذه المرحلة، 30 يونيو 2017، وتستطيعون العودة لهذه الأرقام، الدين إلى الناتج المحلي سجل 110%. وبعد سنوات من تبني برنامج الإصلاح الاقتصادي، وصلنا في 30 يونيو 2020 إلى نسبة 81%، بمعدل انخفاض 29% في مسافة 4 سنوات عبر تحقيق فائض أولي عبر زيادة الموارد، والإنفاق يسير جيدًا مع ارتفاع الناتج المحلي.
بالإضافة إلى ذلك تراجع التضخم الذي ترتب عليها انخفاض أسعار الفائدة، وهبوط خدمة الدين في الموازنة، مما انعكس إيجابيًّا على المؤشرات. إلى جانب ذلك تحقيق إيراد استثنائي يساعد على تخفيض الدين شيء جيد.
لكن الاستدامة الحقيقة للحفاظ على انخفاض الدين هو الاستقرار الاقتصادي وتراجع معدلات التضخم وأسعار الفائدة إلى جانب تحقيق نمو اقتصادي مع قدرة الموازنة العامة للدولة على توفير فائض أولي وتخفض العجز.
رضوى إبراهيم: قبل الانتهاء من الدين، لا يمكن أن تتواجد معنا بدون الإجابة على هذا السؤال: ما تقييمك لتجربة مصر مع صندوق النقد الدولي، أرغب في أن توصفها باقتضاب، مع وضع درجة لها من 10؟

اللجوء لصندوق النقد الدولي استثناء وليس قاعدة
د. محمد معيط: دائمًا ما أتحدث عن أن اللجوء لصندوق النقد الدولي هو استثناء وليس قاعدة، ويأتي من ظروف تُمثل ضغطًا على الدولة في ميزان المدفوعات والاحتياجات التمويلية.
لم نجد بدائل للاحتياجات التمويلية من مصادر أخرى
لم نجد بدائل للاحتياجات التمويلية من مصادر أخرى. في الوقت ذاته نرغب في قول نحن نمتلك برنامج إصلاح هيكلي في الاقتصاد، جدارته يشهد بها صندوق النقد الدولي لأنه يُعد مؤسسة عالمية تستعين به مؤسسات التصنيف والتمويل والدول الأخرى.
بالتالي، في وقت معين صندوق النقد الدولي هو الطريق.. ومع الأسف، الطرق الأخرى إما غير متواجدة أو محدودة.
رضوى إبراهيم: محدودة أم أصعب؟
د.محمد معيط: الإجراءات الخاصة بها، صندوق النقد الدولي، أُسس من أجل تقديم الدعم للدول التي يتطلب وضعها الاقتصادي ذلك.
هذا الصندوق جمع توقيعات من غالبية الدول تضمن حقهم في الحصول على تمويل عند وصولهم إلى وضع اقتصادي معين.
والدليل على ذلك، في 2020 وقبل إجراء مصر لأي برامج معه، تدخل بتمويل بلغ 8 مليارات تزامنًا مع جائحة كورونا، وكذلك الأمر مع عدد من الدول الأخرى، وهو السبب من تواجده.
إبرام برنامج معه، يُمكن أن يكون دون تمويل أو بتمويل، وفي حال كانت هناك مشكلة في ميزان المدفوعات يجب عقد برنامج بتمويل.
القضية لا تكمن في إبرام برنامج بتمويل والحصول عليه.. بل رسالة للآخرين
والقضية لا تكمن في إبرام برنامج بتمويل والحصول عليه، بل رسالة للآخرين وللدول غير الراغبة في التعامل ببرنامج التمويل لاتخاذ خطوات نحوه.
على سبيل المثال، يمكن أنه يُوجه البنك الدولي الدولة بالتحرك مع صندوق النقد الدولي، والدليل على ذلك في المراجعة الأولى والثانية مصر كانت تمتلك مستحقات لدى البنك الدولي، قام بإيقافها حتى إتمام المراجعتين.
ليس هذا فقط، الأسواق الدولية أحيانًا تنتظر الإجراء الذي تم بين الدولة وصندوق النقد الدولي.
رضوى إبراهيم: شهادة ثقة؟
البرنامج شهادة ثقة بأن هناك أهدافًا محددة لاستقرار الاقتصاد الكلي
د. محمد معيط: نعم شهادة ثقة عن وجود برنامج يحقق أهدافًا معينه في استقرار الاقتصاد الكلي وما إلى ذلك، إلى جانب انتظار مؤسسات التصنيف.
رضوى إبراهيم: البرنامج نجح وحقق أهدافه؟
د.محمد معيط: كل برنامج يمتلك أهدافه، وليس بالضرورة تحققها بالكامل، وهي مُقسمة إلى ثلاثة أقسام تتضمن التصميم والشروطيات. ويشمل البرنامج أمورًا تتعلق بالسياسة النقدية والسياسات المالية والإصلاحات الهيكلية.
في نهاية البرنامج، ماهو المُحقق من أهدافه، دائمًا الجزء الأصعب هو المشروطيات لأنها تتعلق بتخفيض الدعم وزيادة موارد الدولة عبر فرض ضرائب وموضوعات خاصة بزيادة سعر الصرف وأسعار الفائدة وما إلى ذلك.
ولكن عند قياس التجربة من منظور النجاح والفشل، نستطيع القول إن مصر تجاوزت البرنامج الأول وهو الأكثر ألمًا من 2016 إلى 2019 بنجاح، نتيجته أن الوضع الاقتصادي في 2019 وبداية 2020 كان جيدًا جدًا.
حدث ما حدث في 2020 وما إلى ذلك، مع العلم أن مصر نفذت برنامجًا في الفترة من 2020 إلى 2021 بقيمة 5.2 مليارات دولار، كان خاليًا تقريبًا من المشروطيات، وتم وأُغلق أيضًا بنجاح.
رضوى إبراهيم: عدم وجود مشروطيات جعله غير مؤثر؟
د. محمد معيط: لأن وضع الاقتصاد المصري وقتها كان جيدًا ومشروطيات هذا البرنامج كانت متعلقة بدعم الأول في ظل وجود جائحة كورونا، ومدته قصيرة، وهدفه مساعدة الاقتصاد في ظل التحديات التي يواجهها العالم، هذا بالإضافة إلى حصول مصر مسبقًا على أداة التمويل السريع والتي سجلت 2.8 في 2020.
البرنامج الحالي أُبرم في ظل وضع صعب
البرنامج الحالي أُبرم في ظل وضع صعب جدًا حيث بدأ في أكتوبر 2022، بعد أن كانت الأمور ليست جيدة منذ شهر مارس في ذات العام، ووقتها تركز على نقطتين: أن التمويل كان منخفضًا جدًا ولم يكن ذلك جيدًا، وثانيًا الأمور المتطلبة لتنفيذ البرنامج لم تكن متوافقة مع ظروف الدولة، ولذلك تعثر البرنامج ولم يكتمل حتى 6 مارس 2024.
واليوم بحلول إبريل 2026، لم يتبق سوى 8 أشهر على انتهائه. وهنا نستطيع القول قبل الصدمة الحالية كان يتحدث الجميع عن مؤشرات الاقتصاد الكلي وبداية تحسنها تحت هذا البرنامج، وقرب انتقالها إلى المواطن.
السؤال وقتها كان كيف أشعر بها كمواطن، يكون عبر انعكاس ذلك على المستوى الكلي سواء على النقدي أو المالي، ونبدأ نمو أفضل، وخلق فرص عمل، ومن المساحات المتاحة نُحسن أوضاع الناس، ولكن مع الأسف جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن.

رضوى إبراهيم: أشكرك، إجابة وافية جدًّا.
ياسمين منير: في ملف الدين، لدي سؤال حول الإيرادات التي وصفتها بالاستثنائية، في ظل الحديث عن مبيعات وبرنامج طروحات.
هل من الأفضل توظيف هذه الموارد لخفض الدين، أم مزيد من الإتاحة في الاقتصاد، وبالتالي دعم القطاعات التي تحتاج إلى دعم في هذه المرحلة الاستثنائية؟
الشق الثاني مرتبط بصندوق النقد الدولي، في ضوء التجارب التي ذكرتها والظروف الاستثنائية المستمرة، هل ترجح عمل برنامج آخر مع الصندوق؟
د.محمد معيط: بالنسبة لأول سؤال، كل مواطن يمتلك موازنة مثل الدولة تنقسم إلى إيرادات ومصروفات، في حال وجود التزامات تجاه الغير من ضمن المصروفات، وبالتالي الجزء المتبقي والمتاح للتوظيف محدود.
إذا استطاع المواطن تقليل الالتزامات تجاه الغير، وقتها تمتلك مساحة للتوظيف. ونعود لسؤالك في وجود إيرادات استثنائية، من شأنها تخفيف الأعباء داخل الموازنة، وهذا هو الدين.
من ضمن الأبواب، تحديدًا الباب الثالث وهو الدين، وفي حال انخفاض خدمة الدين، تستطيع توظيف موارد لخدمات مختلفة مثل دعم المستثمرين والرواتب.
رضوى إبراهيم: أتخلص من عبء في البداية.
السيطرة على التضخم وخفض أسعار الفائدة.. شقان مهمان فيما يخص الدين
د. محمد معيط: أكرر، هناك شقان مهمان فيما يخص الدين، الأول هو السيطرة على التضخم لكي يستطيع البنك المركزي اتخاذ قرار بخفض أسعار الفائدة.
وبالطبع مرونة سعر الصرف، وأوجه تحية إلى البنك المركزي في نجاح سياسته في التعامل بحكمة خلال الأزمة، أشاد بها صندوق النقد الدولي ومؤسسات دولية.
أوجه تحية إلى البنك المركزي لنجاح سياسته في التعامل بحكمة خلال الأزمة
وهذا ما لمسته في اجتماعات صندوق النقد حيث تردد اسم مصر كثيرًا ومدى نجاحها وخطواتها الاستباقية بالرغم من الإجراءات المؤلمة للناس.
ووجه إلى مصر دعوة خاصة لشرح تجربتها في امتصاص أثار الأزمة، وهناك من يفضل الاستماع إلى هذه التجارب.
صندوق النقد الدولي ومؤسسات دولية أشادت بتعامل المركزي
وقبل عقد اجتماعات صندوق النقد، عكفوا على جمع الإجراءات التي اتخذتها كل دولة للتعامل مع الأزمة، لوضع تصور حول أنسب الإجراءات للتعامل مع الصدمات.
أعود مرة أخرى إلى سؤالك، للحديث عن الدين نذكر التضخم ومستوى الفائدة وسعر الصرف والاستمرار في تحقيق فائض أولى إلى جانب النمو.
عمل هذه المجموعة تؤدي إلى استدامة الدين، بمعني استمرار القدرة على تخفيضه وخدمته.
نقطة أخيرة، عجز الموازنة في بداية تحريك البرنامج الحالي لصندوق النقد الدولي في 30 يونيو 2023، كانت 96% من الناتج المحلي، انخفضت إلى 84% في 30 يونيو الماضي، ثم وضع مستهدف في آخر ميزانية مقدمة للعام الجديد إلى 78%.
ياسمين منير: نأتي إلى الشق الثاني، هل ترجح أن تقوم مصر بعمل برنامج آخر مع صنوق النقد؟
في 2019 أرسلنا خطابًا لصندوق النقد نشكره على تعاونه مع مصر في برنامج الإصلاح الاقتصادي
د. محمد معيط: سأجاوب بنفس الإجابة، بأن الاستثناء هو الذهاب للصندوق، بمعنى أن مصر تدرس أولًا هل هناك حاجة لبرنامج جديد، أم ليس هناك حاجة، ودائمًا ما أتذكر عام 2019 عندما أنهينا البرنامج مع الصندوق، وقتها درسنا هل هناك حاجة لعمل برنامج جديد مع الصندوق، وهنا يظهر سؤالان، الأول: هل هناك احتياج تمويلي من صندوق النقد، والارتباط ببرنامج إصلاح مع الصندوق، وكانت الإجابة على السؤال الأول بأنه ليس هناك احتياج لتمويلات من الصندوق، خاصة أن الأسواق والبنوك مفتوحة للاقتراض، وبناء على ذلك لم يكن هناك حاجة لتمويل جديد من الصندوق وقتها.
السؤال الثاني: هل هناك حاجة إلى عمل برنامج مع الصندوق لاستكمال الإصلاحات الاقتصادية؟ وكانت الإجابات متباينة، لكن الرأي الغالب ليس هناك ما يمنع أننا نقوم بذلك لإظهار التزامنا وزيادة صلابة الاقتصاد المصري وقوته وقدرته على تحمل الصدمات.
رضوى إبراهيم: هل ذلك يكون تحسبًا لأننا نحتاج إلى تمويل مرة أخرى؟
د. محمد معيط: هناك دولة في المنطقة قامت بما تقولين بالفعل، وأبلغت الصندوق أنها ستنفذ معه برنامجًا بدون تمويل، لكن في المقابل يتم تخصيص تمويل إذا تسببت الظروف في الحاجة إليه، وبالفعل حدث ذلك وحصلت على التمويل لأنه كان جاهزًا، وبالتالي إذا لم تقم الدول بذلك واحتاجت إلى تمويل وقتها سيطلب الصندوق التفاوض من جديد، لكن في الحالة التي نتحدث عنها الصندوق يكون مع الدول أثناء تنفيذ البرنامج، والدولة وقتها تطلب منه إرسال التمويل.
طلبنا من الصندوق الاستفادة من خبراته في استكمال الإصلاحات بدون الحاجة إلى تمويل
وبالفعل وقتها في 2019 كان القرار أننا لا نريد من الصندوق تمويلًا جديدًا، وخرج خطاب من الحكومة للصندوق نشكره فيه على التعاون مع مصر في البرنامج، ومصر ستكمل برنامج الإصلاح الاقتصادي بدون الحاجة إلى تمويل، لكن نود أن تكون معنا لنستفيد من خبراتك وما إلى ذلك، ثم دخلنا 2020 وحدث ما حدث من جائحة كورونا، والسياحة توقفت وقناة السويس والطيران كذلك، ووقتها طلبنا من الصندوق مساعدتنا وللأمانة تفهم الصندوق الأمر واحترم ذلك، بأن الظروف تغيرت ونحتاج تمويلًا لأن الموارد من العملة الأجنبية تأثرت والأموال الساخنة خرجت، ووقتها دولة اقتصادها كان أفضل من مصر ولم تكن مرتبطة ببرنامج مع الصندوق، وأرسلت طلبًا للحصول على قرض من خلال أداة التمويل السريع التي حصلنا من خلالها على 2.8 مليار دولار، لكن الصندوق رفض الطلب، لأنه وجد أنها كانت تحتاج إلى إصلاحات هيكلية ولم تنفذها .
أحمد رضوان: آلية التمويل أثناء جائحة كورونا يتم تطبيقها أثناء الأزمات المشابهة لكورونا، أم أنها كانت أثناء كورونا فقط؟ كانت صندوق الصلابة حسب ما أتذكر؟
إنشاء صندوق الصلابة والاستدامة لمساعدة الدول في التعامل مع الاقتصاد الأخضر والتحول للطاقة المتجددة
د. محمد معيط: لا، الصلابة أمر آخر، كان عن المناخ والتغيرات المناخية بسبب الفيضانات والتصحر والزلازل، التي تؤثر على المالية العامة للدولة ووضعها المالي، ولذلك تم اتخاذ قرار بإنشاء صندوق الصلابة والاستدامة، بتمويلات لفترة زمنية أطول بشروط ميسرة، وتكلفة منخفضة، لمساعدة الدول التي تسير في برامج لدعم قدرتها وصلابتها في التعامل مع الاقتصاد الأخضر والتحول للطاقة المتجددة، وتخفيض الكربون.
اضطررنا لطلب تمويل جديد بسبب جائحة كورونا وتوقف إيرادات السياحة وقناة السويس

ياسمين منير: وهذا الأمر يختلف عما حدث في وقت كورونا
د. محمد معيط: نعم مختلف تمامًا.
أحمد رضوان: هل هناك آلية معينة يتم التفكير فيها الآن لمساعدة الدول المتأثرة من الصراع الحالي الذي لا نعرف متى سينتهي؟
صندوق النقد يخصص 20 إلى 50 مليار دولار لمساعدة الدول المتأثرة بالحرب الحالية
د. محمد معيط: مديرة صندوق النقد أعلنت أنه سيتم تخصيص من 20 إلى 50 مليار دولار لمساعدة الدول المتأثرة والأكثر تأثرًا بالوضع الحالي، وأن الصندوق لديه من البرامج ما يكفي لتمويل الدول، لأن محفظة الأدوات تكفي لاستخدام أي أداة لتوفير التمويل للدول من أجل التعامل مع الآثار المترتبة على الصراع الحالي.
أحمد رضوان: الوقت يسير بسرعة ونريد استغلال الوقت المتبقي في بعض الذكريات الجميلة والأوقات التي مرت على حضرتك منذ تولي وزارة المالية إلى يومنا هذا.. ما أكثر لحظة أو واحدة من أكثر اللحظات صعوبة التي مرت عليك وأنت وزير للمالية وشعرت وقتها أن الحلول ضيقة جدًّا، ومساحة الحركة محدودة، والانتقادات على أشدها، والصورة ليست واضحة ولا تعرف ماذا تفعل؟
قضيتي لم تكن الانتقادات.. وإنما الشعور في وقت معين أن الحلول أصبحت محدودة
د. محمد معيط: قضيتي لم تكن الانتقادات، وإنما أن تشعر في وقت معين أن الحلول في يديك أصبحت محدودة، وأعتقد أن أصعب الفترات طوال خدمتي في الحكومة لمدة 17 سنة معظمها في وزارة المالية كانت من مارس 2022 إلى مارس 2024، والأصعب فيها الفترة من أكتوبر 2023 حتى مارس 2024.. هذه الفترة كانت قاسية جدًّا جدًّا، وفعلًا كنا نشعر بأن الحلول كما قلت أصبحت محدودة جدًّا للتعامل مع التحديات التي تمر بها البلاد، خاصة وأن التحديات كانت قاسية، لكن كنت دائمًا أدعو ربنا بدعاء إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، وكنت أقول لا حول ولا قوة إلا بالله، ويارب حلها لي من عندك، لأن العملية كانت صعبة ونريد أن نرى نورًا، ولذلك أنا اعتبر أنها نعمة من عند ربنا سبحانه وتعالى أن هذه الأزمة تم حلها.
مارس 2022 إلى مارس 2024 أصعب فترات خدمتي في الحكومة
وأعتقد أنه بعد مارس 2024 بدأت الأمور تسير في اتجاه أفضل، وكنت مؤمنًا بأن الأمور في مصر ستسير بشكل أفضل، من الممكن مع انخفاض مستوى المعيشة والأزمة الاقتصادية والأسعار ألا يشعر المواطن بحجم الأزمة في الدولة، لكن ما حدث كان نتيجة أن الهيكل كله كان سيئًا، لأن هاتين السنتين كانتا عجفاوين، وكنا نرى سعر الصرف يتغير بشكل غير منضبط، وهذا الأمر كان من أصعب الأشياء، لكن الحمد لله اليوم الوضع أفضل وسعر الصرف يرتفع ويهبط ويستطيع المستثمر اتخاذ القرار بشكل مخطط، وأصبحت هناك مرونة وعرض وطلب، وهناك احتياطي وقدرة على السيطرة.
الفترة من أكتوبر 2023 حتى مارس 2024 كانت قاسية جدًّا
ياسمين منير: ما أكثر قرار تشعر تجاهه بارتياح بعد مرور هذه الفترة، وما القرار الذي اتخذته وترى أنه كان يمكن اتخاذ قرار أفضل لإدارة الوضع؟
كنا نشعر بأن الحلول أصبحت محدودة جدًّا للتعامل مع التحديات
ميكنة الضرائب والجمارك من أفضل القرارات التي اتخذتها
د. محمد معيط: من القرارات التي أرى أنها كانت جيدة الميكنة في مصلحة الضرائب، سواء الإيصال الإلكتروني والفاتورة الإلكترونية، وميكنة الإجراءات الضريبية، والجمارك، ونظام التسجيل المسبق ACI، هذه القرارات كانت جيدة ولها مردود وساعدت في تحسن الإيرادات للدولة سنة بعد سنة.
كنت دائمًا أدعو ربنا بدعاء «إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي»
أريد القول بأنني كنت أتمنى أن تساعدني الظروف بالإنفاق أكثر على الصحة والتعليم، هذا الأمر هو الذي اتذكره دائمًا عندما أجلس مع نفسي، بأن تكون معي الإمكانيات للإنفاق بشكل أكبر على الصحة والتعليم والبحث العلمي.
خروج مصر من الأزمة بعد مارس 2024 نعمة من عند الله
نشكر الرئيس السيسي على تبني تنفيذ منظومة التأمين الصحي الشامل
لكني أعود وأقول الحمد لله أنني اشتركت في منظومة التأمين الصحي الشامل، وهنا أود توجيه الشكر للرئيس السيسي لأنه تبنى تنفيذ هذه المنظومة، لأني كنت أعمل في التأمين الصحي الشامل منذ 2007، ولولا جرأة وصراحة الرئيس بإصدار القانون وتنفيذ المنظومة لما تحول الحلم الذي نعمل فيه منذ 2007 إلى حقيقة في 2017 و2018، وهذا الأمر يمنحني بعض الراحة.
الأمور بدأت تسير في اتجاه أفضل بعد مارس 2024
هناك أشياء تم تنفيذها أيضًا سوف تستغرق وقتًا حتى تظهر أنها كانت في صالح البلد والاقتصاد.
رضوى إبراهيم: لو كنت تستطيع الإنفاق على الصحة والتعليم بشكل أكبر، فهذا الأمر يخص كل مواطن، لكن ماذا فيما يتعلق بمجتمع الأعمال؟
وضع سعر الصرف اليوم أفضل.. ويستطيع المستثمر اتخاذ القرار بشكل مخطط
د. محمد معيط: الإجراءات التي تتم حاليًا جيدة وفي صالح تحسين مناخ الاستثمار، وبالتأكيد لا بد من التفريق بين أمرين، الأول عندما تكون الأوضاع والأمور طبيعية وهذا يمنح المسؤول فرصة أكبر للتفكير بشكل أفضل وتنفيذ مبادرات والاحتكاك بشكل أكثر مع مجتمع الأعمال، وخلال الأزمة التي كنا نواجهها اجتمعت مع مجتمع الأعمال وأخبرتهم بأنهم لن يستطيعوا الاقتراض بفائدة 30% إنما اذهب للبنوك واقترض وتحمل 15% والحكومة تتحمل 15%، لكي نساعد مجتمع الأعمال، كما بدأنا الضخ بشكل أكبر في دعم المصدرين، وبالتالي كانت هناك أمور عديدة يمكن تنفيذها، لكن ذلك يتوقف على أننا نعمل في ظروف عادية طبيعية أم ظروف أخرى، وكل التركيز في إدارة الأزمة.
رضوى إبراهيم: مجتمع الأعمال يحتاج إجراءات فقط أم لغة حوار مختلفة؟
د. محمد معيط: يحتاج الاثنين، لأننا إذا توقفنا عند حدود لغة الحوار ولم نترجم ذلك إلى قرارات وإجراءات، فإننا بذلك لم نفعل شيئًا، وبالتالي من المهم جدًّا السير في الاتجاهين بشكل ديناميكي.
أقولها وأكررها دائمًا: مصر لديها كل سنة مليون باحث جديد عن العمل من الشباب، من الذي يستطيع أن يخلق مليون فرصة عمل جديدة في هذه الدولة إلا القطاع الخاص.. نحن كحكومة يمكن أن نخلق 150 ألف فرصة، لكن هناك 850 ألف فرصة أخرى متبقية، إذن لا بد من مساعدة القطاع الخاص حتى يساعد البلد، لأن من المؤشرات الإيجابية أن يكون معدل البطالة منخفضًا، وأفضل شيء للحماية الاجتماعية في أي دولة هو خلق فرص عمل، ما يساعد في تخفيض الفقر وحماية اجتماعية مستدامة.

أحمد رضوان: أود من حضرتك توجيه رسالة إلى الدكتور يوسف بطرس غالي، ووزير المالية الحالي أحمد كجوك؟
يوسف بطرس غالي مدرسة وعالم كبير.. ودائمًا كنا نتشاور
د. محمد معيط: أقول للدكتور يوسف بطرس غالي، أنني تعلمت على يديك وأول وزير عملت معه مساعد وزير هو أنت، وبالتأكيد حضرتك مدرسة كثيرون تعلموا فيها، وعالم كبير وخبرة واسعة كانت مفيدة لمجموعة كبيرة تقلدت مناصب وزارية فيما بعد.
أحمد رضوان: هل كنت تستشيره أحيانًا وأنت في الوزارة؟
د. محمد معيط: دائمًا ما كنا نتشاور ونتحدث بصفة مستمرة.
أحمد رضوان: رسالتك إلى وزير المالية أحمد كجوك؟
رسالتي لأحمد كجوك: ربنا يعينك ويوفقك لصالح مصر والاقتصاد ومجتمع الأعمال
د. محمد معيط: أتمنى له كل التوفيق، وأقول له إن وزير المالية دائمًا مثقل بالملفات خاصة عندما تكون هناك أزمة تأخذه من المسار الطبيعي إلى التعامل مع الأزمة، خاصة أنه يبدأ بعدها في عمل لجان طوارئ وإدارة أزمة، “ربنا يعينك ويوفقك لصالح مصر والاقتصاد المصري ومجتمع الأعمال”.
ياسمين منير: لو أنك متخذ القرار في هذه اللحظة في الحكومة، هل هناك قرار معين من الممكن أن توصي به؟
الإجراءات المتخذة حاليًا جيدة وفي صالح تحسين مناخ الاستثمار
د. محمد معيط: ليس لدي المعلومات الكاملة حاليًا عن المطبخ، وأقدر شخص يمكنه وضع تصورات لأي شيء هو من يمتلك المعلومات الكافية التي تساعده في ذلك، ولكن بالتأكيد ما تم اتخاذه من إجراءات رغم آلامها على الناس وما إلى ذلك، إلا أنه لا يمكن أن نساعد الناس إلا إذا كنا نمتلك القدرة التي نساعدهم بها، وأتمنى أن تكون الفترة المؤقتة الحالية قصيرة، يليها مجموعة من الإجراءات التي ستكون مفيدة للناس والاقتصاد، وإذا وفقنا الله للخروج من هذه الأزمة ستخرج أقوى بإذن الله .
رضوى إبراهيم: ليس لدي سؤال لكني أود أن أقول للسادة القراء شهادة في حق دكتور معيط، قلما تقابل مسؤولًا سابقًا في الحكومة ويتحدث بهذا الصدق عن الأعباء التي تقع على الحكومة، وأنه أوضح لنا أن كثيرًا من القرارات يكونون مجبرين على اتخاذها، وهذه شهادة كان لا بد من قولها يا دكتور، حضرتك مثال نادرًا ما نقابل مثله.
سعيد جدًّا بنجاح فريق «حابي».. وتحويل الفكرة إلى مشروع ناجح
د. محمد معيط: وأنتم مجموعة من كل قلبي وكل صدق دائمًا أتمنى لكم التوفيق، لأن الشخص يكون سعيدًا جدًّا بأن مجموعة تكون مع بعض قادرة كفريق عمل أن تنتقل من بداية فكرة إلى مشروع نجاح.. أنتم حققتم ذلك وأتمنى لكم أن تستمروا.. وأتمنى لكم التطور أكثر وأكثر.. وإن شاء الله تكونوا شيئًا أعظم.
أحمد رضوان: إن شاء الله، وربنا لا يحرمنا من نصائحك ودائمًا تكون معنا .
محمد معيط: أنا متفائل دائمًا بكم وبأفكاركم ونشاطكم ربنا يوفقكم.
ياسمين منير ورضوى إبراهيم: ونحن دائمًا متفائلون بك.. نشكرك.
أحمد رضوان: نشكر حضرتك جدًّا.. وإلى لقاء جديد من صالون حابي شكرًا جزيلًا.












